قراءات تحت الشمس
في زمن العولمة العسكرية الدولة الوطنية على مفترق الطرق
د . عابدين الشريف
يوماً بعد يوم يتأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن مقاييس هذا العصر لا تعيش فيه المقاييس الوطنية خصوصاً على الصعيد العسكري ..الدول الوطنية بمختلف مستوياتها ان لم تدخل في تحالفات وتكتلات مع الغير سوف تصبح وبالتأكيد عاجزة عن حماية نفسها و شعبها وحدودها الجغرافية وعن حماية سيادتها الوطنية في عصر الصواريخ العابرة للحدود والقارات والتي سوف تقف جيوشها التقليدية الوطنية بأوسمتها ونياشينها عاجزة عن صد ووقف مثل هذه الصواريخ العابرة للحدود والقارات التي تدفعها في الحقيقة قوتان الأولى تعمل وفق تطور تقني عال جداً والثانية تنطلق من مساندة ارادة تحالف أو تكتل أو فضاء سياسي أو اقتصادي أو عسكري والأخير يعد الحاسم والفيصل في النهاية والذي تستطيع بمقتضاه هذه الدول الداخلة في تحالفات سياسية وعسكرية أن تدوس حتى على القوانين و القرارات والشرائع والأعراف الدولية خدمة لمصالحها السياسية والاقتصادية وأمنها القومي .ببساطة متناهية جداً الجيوش التقليدية في الدول الوطنية المستقلة في زمن العولمة العسكرية والتكتلات والتحالفات بجميع أشكالها وأنواعها سوف تصبح غير قادرة على المحافظة على الأمن والاستقرار داخل حدودها الجغرافية خصوصا اذا كان أحد الاطراف المتصارعة دخل في تحالفات أو اتحادات وموجود في فضاءات كبرى فإن أية دولة ستواجههم وخصوصاً إذا كانت بمفردها حتى وان كانت قوة عظمى سوف لن تستطيع أن تدافع عن سيادتها وسوف لن تكون لها أية قوة تفاوضية وخصوصاً في وقتنا الحالي. العولمة العسكرية من أبرز الظواهر التى تواجة العالم المعاصر فهى تأتى الينا ولا نقصد نحن اليها وليس هناك من سبيل الى ردها من قبل الدول الوطنية المنفردة والعولمة العسكرية بشكل خاص ذات أبعاد مركبة فنجد فيها الجانب الاقتصادي والسياسي والثقافي والأمني والتقني .والعولمة العسكرية تعنى عسكرة العالم مادامت لغة الحرب هى الوسيلة وربما الوحيدة من أجل حل العديد من الأمور ومن أجل الهيمنة والسيطرة وللحقيقة يجب أن نعترف بأن أحداث 11 سبتمبر الدامية التي وقعت في أمريكا كان لها الدور الفاعل في بروز أو ظهور العولمة العسكرية الوحشية والقطب الواحد في العالم الذي يسعى للدفاع بالهجمات الاستباقية أو الوقائية ضد الدول التي لا توافق امريكا في سياساتها . اذا ان تداعيات وثمرات ونتائج ما وقع في 11 من سبتمبر 2001 ف تمثل بداية التطبيق العملي لمرحلة العولمة العسكرية التي تهدد الدول الوطنية حتى ولو كانت دولة عظمى وقوية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وهذا يقودنا الى التأكيد بأن الدول الوطنية حتى وإن كانت الأعظم لا يعفيها من التهديد ومن الاحتضار ومن الزوال .والدول الوطنية حتى وإن كانت مصنفة من الدول الأقوى سياسيا واقتصادياً وعسكرياً في العالم مجريات الأحداث الآن أثبتت لنا أنها ستظل عاجزة عن الدخول في مغامرات وحروب عسكرية خارج حدودها بشكل منفرد. ولهذا رأينا أمريكا القوة العظمى في العالم لم تجازف في الحرب والعدوان على العراق دون الدخول في حلف مع بريطانيا والبحث عن الدعم السياسي والإعلامي من بعض الدول الأوروبية الأخرى . ومرحلة التطبيق العملي للعولمة العسكرية وان كانت بشكل أو بآخر بدأت بالتدخل في يوغسلافيا الا أنه بعد أحداث 11 سبتمبر الدامية أخذت منعطفاً جدياً آخر فكانت الحرب في افغانستان وزوال نظامها ثم لحقتها وكما نرى الآن نماذج أخرى كان على رأسها العدوان الأمريكي البريطاني على العراق في شكل تحالف عسكري .نستخلص من العرض السابق أن هناك توجها عالمياً لعولمة القوى والمقدرات العسكرية وإن هذا التوجه يأخذ شكل الأحلاف والمناورات المشتركة ومعاهدات الدفاع المشترك .كذلك عولمة العدو وتدويله والإيحاء للعالم عبر وسائل الاعلام المعولمة على الطريقة الأمريكية بأن العدو العالمى هو مثلاً الارهاب أو أسلحة الدمار الشامل وهكذا . كذلك تمرير العولمة العسكرية كما رأينا سابقاً في افغانستان والآن في العراق يتم تمريرها بغطاء انساني متمثلة في الدعوة لحقوق الانسان والتحرير وما شابه ذلك .ان الظروف الدولية في تبدل وتغير مستمر وان ترسيمات خارطة العالم تشهد تحولات خطيرة وهذا يعني ان الذين يتقاتلون من أجل الدين والقومية والعرقية واللغة والثقافة رجعيون مساكين وجاهلون ولم يستوعبوا التغيرات العصرية الجارية والدول الكبرى تندمج الآن في فضاء واحد خوفاً من الموت لأن مقاييس هذا العصر لا تتمشى مع المقاييس الوطنية وهذا يعني أن الدول الوطنية الى زوال وسوف تذوب في عصر العولمة العسكرية الناتجة من تشكل فضاءات وتكلات وخصوصاً العسكرية منها وبمفاهيمها الجديدة في علاقات الدول مع بعضها البعض . الاسئلة التي تطرح الآن ايهما أكثر تهديداً للدولة الوطنية العولمة الاقتصادية أم العولمة العسكرية ? وهل نجاح العولمة الاقتصادية مرهون بنجاح العولمة العسكرية ? وهل العولمة العسكرية والاستخباراتية والأمنية هي بمثابة المنافس للعولمة الاقتصادية ? أم أنهما مكملتان لبعضيهما البعض ولايمكن أن تحدث العولمة الاقتصادية للدولة الوطنية إلا باستباق العولمة العسكرية التي تمهد لها. إن كل ملامح المستقبل وقراءتنا لهذه الملامح والمتغيرات المرتبطة بالعولمة العسكرية ودورها في اعادة ترسيم خارطة العالم بما فيها قتل الدولة الوطنية تمكننا من الاستنتاج في أن نقول إن عصر ما بعد الدولة الوطنية سيفرض على هذا العالم عن طريق العولمة العسكرية شئنا أم أبينا وسنصبح أمام وضع جديد غير الوضع الذي هو عليه الآن .الحل بالنسبة لنا يمكن في خلق تحالفات وفضاءات وتكتلات مضادة وهذا يحتم علينا نحن كعرب وكأفارقة أن ندخل في فضاء عربي إفريقي فاعل حتى نستطيع أن نخلق قوة تفاوضية عملاقة منافسة للفضاءات الآخرى في جميع المجالات .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!