الحديث التاسع والثلاثون
في نظرية خصوم الشعب..
الاستقرار .. والاستقرار..!
قانون الثورة هو قانون التغيير , أى قانون الفعل الذي يقتضي بداهة الحركة , والاخيرة التي تفترض مجالا أو فضاء لها ومن ثم تقاس الثورات بعامة بمدى قدرتها على الفعل والحركة من جهة ومدى الفضاء التي يمكنها ان تتحرك فيه فذلك هو ميسم حيوية المشروع الثوري وقانون حياته حتى اذا ما بدأ الارهاق وهو الغالب ارهاق الادوات لا الافكار الثورية ارتفعت الصفات مطالبة بالاستقرار مثلما تطالب بالواقعية والعقلانية واستقرار والواقعية والعقلانية ليست سوى اسماء لمسمى واحد هو الحكم على المشروع الثوري بالتوقف , أي الحكم عليه بأنه يفتقد الشرعية وامكانية الشروع فيه اى قابلته المشروع للتطبيق هذا علاوة على القول بجزئية صلاحية المشروع أي محدودية المكان والانسان والزمان اضافة الى نزغ أهم ميسم له , وهو الوصف بالثورية , التي تقتضي بداهة فكر واهداف والية واسلوب واداة المشروع , بما يحقق مبدأ الاستمرارية في المشروع الثوري . ان المطالبة بالاستقرار يعني المطالبة بالتوقف , كما اشرت , وهذا لايعني اننا ضد ان تكون هنا مؤسسات في اطار تنفيذ البرنامج الثوري , إلا ان هذه المؤسسات أو الاشكال ليست هدفا في ذاتها , بل هي لخدمة البرنامج الثوري , على ان المشكلة التي تواجه المشاريع التحولية بعامة هي تحول الادوات والوسائل التي غايات واهداف , وهو مايوجد ما نطلق عليه (بالصنمية) فالصنمية ليست سوى صنع ادوات تتحول كما اشرت الى مقدس , أو (تابو) لايمكن المساس به , ومن ثم فإن المؤسسات هي اشكال ترتبط بدرجة الوعي , والفعل ومدى الحرية , اذ كلما زاد الوعي , كان ذلك وراء تعاظم الفعل الذي يقتضي بالضرورة تعبيرا في الاشكال والقوالب , وبعبارة اخرى فإن مايحدد الشكل هو المضمون هذا اذا استخدمنا ثنائية وجود شكل ومضمون , إلا ان ما نؤكد عليه , ان وجود ثنائية الشكل والمضمون ذاتها انما يعبر عن أزمة منهجية في التفكير , اذ في المشروع الثوري , الشكل هو المضمون سواء بسواء , فالوحدة المنهجية هي التي تربط عناصر المشروع الثوري , أى انها تشكل مانطلق عليه (المعامل الموضوعي) والذي وان كان ليس عاملا , إلا ان العوامل لاتتفاعل إلا به , بما يشكل موضوع التفاعل . من هنا فإن القول بضرورة ايجاد مؤسسات والمحافظة عليها ليس سوى مدخل لخنق المشروع الثوري , ومن ثم يمكن النيل منه , وكما هو معلوم في السوق العسكري , ان الاهداف الثابتة بالامكان الرماية عليها والنيل منها , بخلاف الاهداف المتحركة , والثورة اذا فقدت قدرتها على الحركة صارت هدفا ثابتا , يصدق عليه مايصدق على الاهداف الثابتة في حال الرماية , ان المعطيات الموضوعية العالمية اليوم تؤكد حقيقة عدم الاستقرار , نسمة الواقع العالمي اليوم التغير السريع , الذي يواكبه تطور مذهل في وسائل الاتصالات والمواصلات , حتى ان الذين كانوا يرفضون مجرد ذكر لفظ الثورة , ابحوا يؤكدون على وجود ثورة في هذا المجال , وان كان تطور وسائل المواصلات والاتصالات لايمكن وصفهما بالثورة إلا من باب التوسع , وان كان ذلك قد يكون من عوامل اجهاض وخنق المشاريع الثورية لصالح هذا التطور الذي يرتبط عبر التاريخ بالاحتلا والاحتواء والهيمنة , لا بالفضاء على الانغلاق والجمود, وكل ذلك يتم تحت دعاوي الانسانية حوارا , والمدنية اخرى , والعالمية أو العولمة الآن وكلها في نظري ذات الهدف, لشعارات متعددة مع ان الفعل والحركة وموضوع الزمان والمكان هي من صلب الفكر والمشروع الثوري باعتبارها شرائط التغيير الكيميائي بفعل الثورة للمجتمع بدل التغير الطبيعي (الذي يتم بعامل الزمن وحده) , للمجتمع , ومن لايدرك قوانين الفيزياء والكيمياء , أى قوانين التغير الطبيعي والحركة الفيزيائية , لايمكن ان يدرك قوانين التغير والحركة الثورية , ليس بالضرورة ان يكون التغير والحركة هي ذاتها التي في الفيزيقا , باعتبار ان الانسان ليس مخلوقا فيزيقا , وليس خاضعة لسلطة الفيزيقا (الفيزوقراطية) , ولكن دراسة هذه القوانين مهمة جدا للاستفادة منها وتوظيفها في عمليات الحركة واحداث التغيير الاجتماعي كما اشرت , بل ان اغلب فلسفات التغير بل والفلسفات العامة , منذ بدايات التفكير الانساني المنظم وحتى الآن , ما كانت إلا لتهتم بهذه القوانين , بما في ذلك الفلسفات التي ترفض القول بها مطالبة بالوصول الى اهداف وغايات ميتافيزيقية , سواء برفض واقع المكون الفيزيقي من الاصل , أو بالاعتراف به باستحياء , وذلك باعتباره وهما أحيانا , أو واقعا لن يبلغ مبلغ الحقيقة . ان هذا المفهوم الثوري للحركة والتغير هو الذي جعل اداة التغيير في النظرية الجماهيرية حركة لجان ثورية , التي ليست حزبا أو تألفاً حزبياً , أو عملاً طليعياً أو عملاً مؤسساتياً , انتلجنس تكنوقراطي إن اللجان الثورية هي الاطار السياسي والعملي للقوة الثورية , هذا الاطار محكوم عبدا الحركة وقوتها, فهو قد يتعاظم أو يتقلص في تناسب طردي مع قوة الحركة وفاعليتها. ان الخلاصة التي نريد ان نصل إليها ان دعوات الجمود والثبات والاستقرار تحت شعارات العقلانية والواقعية , لاتنطلي على الثوريين الجماهيريين , وان كانت العقلانية غير استخدام العقل الذي ليس مرفوضا في المشروع الثوري بل هو أساسه , كما ان الاعتراف بوجود (الآن) الزمانية المكانية هو من متطلبات الوعي الثوري , وهو غير الواقعية , أى تحويل جزئية الزمان والمكان الى مطلق , أى الحكم على المشروع الثوري بالموت .. وللحديث بقية .
بقلم الدكتور المهدي مفتاح امبيرش
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!