شموع
عمر محمد السنوسي
البحث عن أم !!
الثقافة هي المشروع غير الناجح في العالم الثالث والذي يراهن عليها يراهن على الخسارة المادية وفق المنطق المعكوس في هذا العالم اللاهث وراء كل ماهو مادة .. ولدى العاقلين فان الرهان على الثقافة هو رهان على المستقبل وهو رهان على غد افضل لامة وليس لجيل .
ومجلة الثقافة العربية التي كانت احد اهم اصدارات المؤسسة العامة للصحافة عام 1973 افرنجي كانت حدثاً ثقافياً مهماً في تلك الفترة وكانت صوتاً متفرداً للخطاب الثقافي العربي الذي يجسد وحدة هذه الامة ويشكل الشخصية القومية الواحدة لابناء الوطن العربي الكبير وكان الهدف ان تعبر هذه المطبوعة هوية الامة الثقافية ولاجل ذلك وفرت لها كل امكانات النجاح وفرص الانطلاقة القوية منذ البداية وشكلت لها لجان وهيئات تحرير متميزة من مبدعين اجلاّء واقامة الندوات الفكرية والثقافية وكان اهمها »ندوة الثقافة العربية للتعريب« التي اقيمت بفندق الشاطىء بطرابلس وتشرف في احد ايامها بحضور الأخ قائد الثورة ومحاورته للعديد من الادباء والمفكرين العرب الذين شاركوا في هذه الندوة وكان مساءً ثقافياً ابداعياً جميلاً وفضاءً فكرياً رائعاً
وبعد ذلك توالت انجازات هذه المطبوعة لسنوات عديدة وحتى بعد قفل المؤسسة العامة للصحافة في النصف الاخير من سبعينيات القرن الماضي لم يبق من صحف المؤسسة في تلك الفترة سوى صحيفة الفجر الجديد التي نقلت تبعيتها لوكالة الجماهيرية ومجلة الثقافة العربية التي نقلت تبعيتها للادارة العامة للثقافة باللجنة الشعبية العامة للاعلام والثقافة والتعبئة الجماهيرية في محاولة لابقائها على قيد الحياة وعدم تبخرها واندثارها .
وسعدنا كثيراً بعد ان عادت مجلة الثقافة العربية للصدور من بنغازي حيث ضمت لفيفاً مهماً من المبدعين ذوي التجربة الطويلة امثال محمد علي الشويهدي وخليفة الفاخري وحسين مخلوف وحسن السوسي وحسن بن عامر وآخرين وأخريات وكان آخر المكاسب اسناد مهمة رئاسة تحريرها لاخينا وزميلنا سعد نافو, ولقد ولدت على ايدي هؤلاء اجيال مهمة من الصحفيين الشبان الذين تخرجوا من قسم الاعلام بكلية الاداب بقاريونس وبعض الاقسام الاخرى امثال زينب شاهين وجابر نور سلطان وعادل جربوع وامال البراني وليلى النيهوم وتهاني دربي والهام بن علي وغيرهم الكثير وكانوا تواصلاً لجيل الثقافة العربية الاول الذي بدأ مع الدكتور احمد ابراهيم الفقيه ومن جاء بعده من المبدعين الرواد الذين يضيق المجال لذكر اسمائهم الكريمة .
ولكن بعد صدور الهيكلية الجديدة والغاء امانة اللجنة الشعبية العامة للاعلام والثقافة وتوزيع مهامها على امانات اعلام الشعبيات حلت الادارة العامة للثقافة وهي ادارة مركزية ولم توكل مهام هذه الادارة الى اية جهة اخرى الامر الذي سبب ربكة للمشاريع السوقية في الجانب الثقافي كرعاية الفنون والاداب والمسارح والمراكز الثقافية الاستراتيجية ومسألة التزويد المستمر لهذه المراكز ومن بين هذه المشاريع التي تضررت مجلة الثقافة العربية حيث لم تعد تتبع اية جهة وتوقفت عن الصدور وتوقف تسعة من الموظفين والموظفات عن العمل واوقفت مرتباتهم وضاع حلمنا الكبير باستمرار مجلة الثقافة العربية او يكاد .. ومع انهيار هذا الحلم الجميل انهارت مجموعة تطلعات صحفية واغتيل مشروع ثقافي جميل عمره مايقرب من ثلاثين سنة ,اي ثلث قرن من العمل الصحفي الابداعي المتألق الذي شهد به العالم باسره اينما يصل توزيع هذه المجلة التي شارك في استصدارها مئات الادباء والكتاب والشعراء العرب والتي صارت مدرسة مستقلة في مسيرة الصحافة الثقافية في الوطن العربي وصار جميلاً ومنجزاً ثقافياً عربياً حضارياً يسجل في المحافل الصحفية لليبيا والليبيين وحينما تذكر مجلة الثقافة العربية في اي مكان تذكر ليبيا بمنجزها الحضاري الثقافي العملاق "الثقافة العربية ".
ويظهر ان مصير هذه المجلة صار كمصير الامة العربية ولما لا.. أليست الثقافة هوية الامة ?! ومع ذلك فانه مازال في الوقت متسع لانقاذ هذه المجلة بالبحث بشكل عاجل وسريع عن جهة تكون الام الرؤوم تتبني هذه المطبوعة وتعيدها الى دفّة الحياة من جديد, تصارع امواج النسيان وترسم بالحرف غد هذه الامة الذي نتمنى هذه الامة الذي نتمنى ان يكون مشرقاً وضاءً ..ليس مهماً من تكون هذه الجهة , الصحافة , الاذاعة , اذاعة محلية , صندوق تنمية الابداع , حرس بلدي, امانة الزراعة ,جهاز الحدائق , الخطوط الجوية الليبية , الاسمنت , الحديد والصلب , مجمع ابوكماش الكيماوي .. المهم ان تعود المجلة للصدور وهي قادرة على تحديد معالم خطابها دون الاكتراث او الاهتمام لمن يصدرها الذي يعتبر راعياً كأي راع يموّل برنامج اذاعي او مباريات لكرة القدم .
ان المجلات الكبيرة في الوطن العربي والعالم بدأها اشخاص طبيعيين او اعتباريين واقيمت لها مؤسسات فيما بعد تقوم على رعايتها واستمراريتها ومن لاشىء صنع الاخرون شيئاً, فكيف بنا ونحن الذين نمتلك اشياء جاهزة ونماذج للتألق والابداع ونفرط فيها ?
ابحثوا لنا عن أم لهذه المجلة ..وان لم نجد فنكتفي بايجاد مرضعة .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!