صورة المرأة
الفلسطينية في رواية الانتفاضة
ثانيا : المرأة الجديدة المقاتلة
تقدم رواية (بقايا) للروائي أحمد حرب شخصية (وديعة) نموذجاً للفتاة الفلسطينية المثقفة , طالبة في جامعة بير زيت برام الله , تعرفت على زميلها (ماجد) أثناء الدراسة , وذلك العضو البارز في العمل الوطني , ورئيس التنظيم العسكري, يجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية بطلاقة .
اختارت (وديعة) الانتماء إلى ذلك التنظيم المسلح , لكنها سرعان ما اكتشفت أن ثمة عوائق تفصل بينها وبين علاقتها برئيس التنظيم , لتجد نفسها محاصرةً ومسحوقةً , ومختنقة , يقمعها المألوف والموروث من أعرافٍ وتقاليد , ورؤى سلفية في مجتمعٍ سلطوي يستخف بالمرأة ويعتبرها (تابو) للحرام , (ياوديعة) ثلاثة أمور ليست في صالحك في العمل الثوري : الأول هو أنك فتاة , والثاني أنك فتاة جميلة , والثالث هو (أنني أحبك ) عند هذا الحد تجسد (وديعة) نموذجاً لنوعية الحياة البشرية التي تحيط بالمرأة المقاتلة , ورؤية الرجل الثوري لعملها في هذا المجال , وهي في مجملها محظورات غير مقنعة , وتُعدُ إدانة للطبقة المثقفة التي تسعى لطمس هوية المرأة الثورية , وحريتها , وتُقر على تهميشها , ليس لشئ إلا لأنها امرأة .
من هنا تطغى بنية ( الانفصال ) على العلاقة التي تربط ماجد بوديعة , لكنه انفصال يجمعه الهدف المشترك في مقاومة الاحتلال , ولعل الروائي هنا يتفق مع مفهوم (أرفولد بريخت) التغريبي من أن (عنصر التغريب قصد به طرحُ المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع في صورةٍ مغربةٍ ينتج ُ عنها ايقاع صدمة للمشاهد تجاه ما يقدم له من احداث تبدو غريبة وبعيدة عنه وعن واقعة اليومي , فيدعوه هذا إلى التفكير فيها , ونقدها بشكل ٍ موضوعي بعيدٍ عن العاطفة (26) وهذا في حد ذاته تقصير من الروائي تجاه هذه القضية (المسألة ليست مسألة ثقة , فأنا أثق بك , ولكني أشعر دائماً بأن دمي يحترق حين تشاركين في أعمال ٍ جماهيرية , فيلتف حولكِ الشبابُُ والصبايا ويتركونني , ويستمعون لكِ أكثر مما يستمعون لي .
إن تفتيث ثقافةٍ سلفية بأخرى جديدة مخالفة لها , لابد أن يقود إلى الثورة والتمرد , يكون فيها التمردُ السياسي والاجتماعي معادلاً للتفرد البطولي (فوديعة) ترفض علاقة الحب التي تربطها (بماجد) سعياً وراء التحرر من القيود والشروط , فتعيد صياغة المرأة المقاتلة من جديد , وتصححُ مسارات تقليدية خاطئة , إيماناً منها بأن العلاقة بين التحرر والثورة , هي علاقة جدلية لا يمكن أن تنمو احدها دون الأخرى , ولهذا المفهوم تنخرطُ في المقارنة , وتصبح عضواً فاعلاً ومشاركاً , تضحى بمستقبلها من أجلٍ غيرها (وهاأنذا ياجدتي أشارك في الانتفاضة , فراشة تحوم حول ضوءٍ تعشقه فيحرقها ) (27)
إن هذه الرؤية تبرز صعوبة المسيرة النضالية التي اختارتها وديعة , ولكن وعيها وذكائها يشفعان لها لتجاوز العقبات التي تعترض طريقها , وهذا مالمسناه من خلال تصرفاتها وعلاقاتهابالوسط المحيط بها , يقول (لوكاتسن) في هذا الصدد , (الفنان هو الذي يخلق أوضاعاً ووسائل تعبير , يمكن بواسطتها زن يظهر حباً وهنا يكمن سر نهوض الشخصية الفردية إلى المستوى النموذجي دون أن تسُلب منها السمات الفردية , بل بالتشديد على السماتِ الفردية بالذات (28)
وفي موضع آخر من الرواية , تظهر شخصية (سلفيا) طالبة في الصيدلية , ومحررة لصحيفة (الرأي الحر) تجيد الفرنسية بطلاقة , ومن عرب فلسطين 1948 سنة , ومن الطبيعي بحكم تجربتها الحياتية اليومية , أن يكون لها دراية واسعة بخصائص الشخصية اليهودية الاسرائيلية .
تظهر هذه المعرفة حينما يطلب ماجد مساعدتها .
(شايف هؤلاء المتبطحين حولك مثل الكلاب (وكانت تشير إلى المتعاطين اليهود , كل واحد منهم عنده سلاح , ومستعد أن يبيعه بخمسة وعشرين جرام حشيش )(29)
انطلاقاً من هذا المفهوم , تكشف سيلفيا عن أهم قضيةٍ مطروحةٍ على السلاح الفلسطينية , وهي إمكانية توفير السلاح للتنظيمات الفدائية , وخلايا المقاومة رن هذه الاشكالية التي يمتد خطرها إلى توتر الصراع الفلسطيني / الاسرائيلي تضفي على موقف عرب فلسطين صفتهم الحقيقية , وتضعهم في الإطار الصحيح من القضية الفلسطينية , وهو اجتماعهم في المعاناة , واشتراكهم عندما تتولى (سيلفيا) إدارة عقد صفقة المتفجرات مع المجندة الاسرائيلية ومن ثم تقوم (وديعة)بنقلها إلى التنظيم بحسب الخطةٍ المتفق عليها : (جاءني أبو الرائد وقال : بأن التنظيم يكلفني بإحضار ثلاث قنابل ٍ من منطقة (بيت عود) ووصف لي الزمان والمكان , والسيارة التي يجب أن أراقبها , وتترك سائقتها القنابل في حقيبة جانب الطريق , وقال : بأن التنظيم اختارني لهذه المهمة لأنه لا يقدر أن يقوم بها بأمانٍ إلا وحدة ست (30)
وهكذا يصبح التاريخ ليس مقصوراً على الرجل فحسب , بل يصنعه الأفراد الذين يؤمنون بالقضية التي يدافعون عنها (وكما تتاحُ الفرصة للعمل أمام الرجال العظام , تتاح الفرصة أمام جميع الناس ) مما يجعل إمكانيات خلق عظماء (قادة جدد) موجودة دائماً ,إن ميدان العمل الواسع لا يفتح أمام البادئين والرجال العظام وخدهم , إنما يفسح أمام جميع الناس , أما الذين يملكون عيونا للنظر وآذانا للسمع (30) .
إثر هذا المفهوم ترفض (وديعة) تسليم الحقيبة , وتطلب من (أبي الرائد) إكمال المهمة بنفسها : (أنت قلت بأن هذه مهمةً لا يقدر عليها إلا (واحدة ست) وأنا أضيف أنه لا يكملها الا واحدة ست ) (32)
وهنا تتحدى (وديعة) قرارات التنظيم وشروطه , ونصر على الإحتفاظ بالحقيبة والانتقام , من جنود الاحتلال الذين قتلوا ماجد ولم يبق من جثمانه سوى بقايا عظام , وقتلوا والدها , ودفنوه جثة بلا رأس , كما قتلوا خالها (سالم) ولم يبق من جثمانه سوى يدٍ بخاتم خطوبة ,(وعمران) أحد أعضاء التنظيم , الذي أصابته الجرثومة الخبيثة في مستشفى المقاصد وتحول إلى مركز (أبو ريا) للمعاقين , أما أمها فقد ضعف بصرها من شدة البكاء والحزن , فأصابتها لوثة في عقلها , وهكذا تتأكد مقاربة الموت في إطار هيمنة المكان , ومفردات خصوصيته ليجد أهل القرية (وديعة) مقتولة وفي يدها (قنبلة) إثر كمين نصبه لها جنود الإحتلال , ليبقى جسدها مصلوبا ومستلباً في عراءٍ موحش وبذلك , تقع حياة المرأة الفلسطينية بين مطرقة الإحتلال وسندان الواقع المرير , والأمل بتغييره , وفي ضوء ماسبق , نلاحظ أن الروائي الفلسطيني , لم يركز على علاجِ قضية المرأة المقاتلة علاجا شمولياً , ولم يفرد لها مساحة واسعة من الحوار , في الوقت الذي كان نموذج الأم , وهو الغالب على مشاهد الرد لهذا كانت المرأة الفلسطينية المقاتلة , تمارس حرية المقاومة من خلال ارتباطها بالرجل .
وفي ختام هذه الدراسة , لايسعنا إلا أن ننحنى إجلالاً واكباراً لصمود أهلينا في فلسطين , قيادةً وشعباً , ورجالاً ونساءً وأطفالاً وشهداء , ونخص بالذكر المرأة الفلسطينية المجاهدة , الصابرة الصاعدة , التي اكتسبت بجدارة , لقب (قديسة القديسات) إلى هؤلاء جميعاً تحية مقدسية عطرة , مفعمةً بالشرفِ والكرامة.
صبحية عوده
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!