نافذة على التاريخ (4) يكتبها : على عبداللطيف

نافذة على التاريخ (4) يكتبها : على عبداللطيف ( انها مدينة ازلية البناء , حسنة الجنبات والافناء , وهى وافرة الثمر , كثيرة المزارع والقرى والعمارات , واهلها تجار مياسير يسافرون براً وبحراً ويقتحمون سهلاً ووعراً ولهم اسطول مخيف , ولهم معرفة بالحيل الحرب

نافذة على التاريخ (4)
يكتبها : على عبداللطيف


( انها مدينة ازلية البناء , حسنة الجنبات والافناء , وهى وافرة الثمر , كثيرة المزارع والقرى والعمارات , واهلها تجار مياسير يسافرون براً وبحراً ويقتحمون سهلاً ووعراً ولهم اسطول مخيف , ولهم معرفة بالحيل الحربية )

ذلك وصف اوجز به المؤرخ العربي - الادريسي - في كتابه الشهير ( نزهة المشتاق في اختراق الافاق ) ماكانت تتمتع به مدينة - جنوه - الايطالية الواقعة على الساحل الشمالي للبحر التيراني , وكان معروفاً عنها إنها ميناء بحري هام منذ عهد الرومان كما كان سكانها يفرضون سيطرتهم على القسم الغربي من المتوسط قبل ان يقطع عليهم سيطرتهم تلك وصول المسلمين الى كورسيكا وسردينيا وصقلية ومالطا .

وغير بعيد عنها وعلى نفس البحر التيراني تقع جمهورية اخرى هى - بيزا - والتي اشتهر سكانها ومنذ امد بعيد كتجار وقراصنة في نفس الوقت , كما تصفهم كتب التاريخ , ووصفها - الادريسي - في نفس المصدر السابق ايضاً بقوله ( انها مدينة مشهورة كبيرة القطر عامرة بالاسواق والديار , بعيدة الافناء والاقطار , كثيرة البساتين , ولأهلها مراكب وخيل واستعداد لركوب البحر وقصد البلاد)

وكانت كلا المدينتين تتمتعان باستقلال ذاتي , كما اشتهرت كلاهما بالتجارة وبشكل اكثر تحديداً استقبال تجارة مدن جنوب المتوسط على الساحل الشمالي لافريقيا واعادة تصديرها الى اوربا والشرق , وعندما سيطر المسلمون على اهم مناطق المتوسط وجزء كبير من ضفته الشمالية بعد احتلال صقلية وتوليهم امر التجارة في المتوسط ومع بلدانهم الاصلية كسدت اسواق المدينتين وتدهورت احوالهما الاقتصادية بشكل سريع الامر الذي ادى الي تنظيم سكان المدينتين معا وعبر تحالف تم بينهما في بداية القرن الحادي عشر الافرنجي لهجمات بحرية منتظمة استهدفت التواجد الاسلامي في كورسيكا وسردينا بشكل خاص انتقاماً من هجمات المسلمين على جنوة عامي 934 و935 وعلى بيزا عامي 1004 و1011 ( ف ) , غير ان تلك الهجمات لم تأتي بأية نتيجة حيث صمد المسلمون امامها وافشلوا كافة المخططات ضدهم غير ان قراصنة المدينتين سرعان ما اكتشفوا انه بالامكان تحقيق مكاسب اخرى اكثر اهمية من الحرب ضد المسلمين حيث وصف المؤرخ ( ارشبيالد لوبس ) في كتابه ( القوى البحرية والتجارية) انه ( سرعان ما اكتشف البيزيون والجينويون ان ثمة مغانم كثيرة يمكن الحصول عليها لو انهم غامروا في البحر ولهذا فقد اخذوا يحترفون القرصنة منذ اوائل القرن الحادي عشر وينهبون التجارة والموانئ الاسلامية الساحلية , وكانت مغانم القرصنة - لا التجارة - هى الدافع الاساسي لتحرك اساطيل هاتان المدينتان في القرن الحادي عشر ) .

وفي العام 1015 ( ف) ونتيجة لاتفاق بين المدينتين ومباركة البابا - بند كت الثامن - الذي اعطى الحق بإمتلاك سردينا وكورسيكا اذا ما نجحت اي منهما في طرد المسلمين من الجنوب الايطالي( وهو نفس الوعد الذي سنرى في حلقة مقبلة ان احد باباوات ايطاليا يمنحه للنورمان اذا ما تمكنوا من طرد المسلمين من صقلية ) وهكذا بدأت المدينتان وعبر قوة مشتركة بحرية بينهما في شن هجمات منتظمة وعنيفة ضد المسلمين في الجنوب الايطالي , تمكن على اثرها الجينويون والبيزيون في العام 1034 ( ف) من فرض وجودههما على كلا المدينتين ( سردينا وكورسيكا ) بعد طرد التواجد الاسلامي منها , وفي نفس العام بادر كلاهما وعلى إثر النجاحات التي تحققت في الجنوب الايطالي ضد العرب في توجيه حملات وهجمات بحرية واسعة النطاق على السواحل الشمالية لتونس الحالية سلب خلالها القراصنة الكثير من المغانم بعد ان عاثوا فساداً في المنطقة على مدى عدة ايام , وقد اهدى اولئك الغزاة اغلب مغانمهم الذهبية والفضية التي استولوا عليها لكنائسهم بعد عودتهم الى بلادهم .

وبين عامي 1062 و1063 ( ف ) شن البيزيون هجوماً ضخماً على ميناء باليرمو بالجنوب الايطالي بعد ان تمكنوا من تدمير السلاسل الحديدية التي كانت تغلقه وتمنع دخول اية سفينة اليه دون اذن مسبق من قبل العرب , والذي كان حتى ذلك الوقت لازال بيد المسلمين , وتمكن الغزاة من تدمير دار الصناعة الاسلامية بالمدينة كما احرقوا خمس سفن تجارية كانت راسية بالميناء وأسروا ست سفن اخرى قاموا ببيع احداها فيما بعد وبثمنها تمكنوا من بناء اساور لمدينتهم بكاملها .

وفي العام 1087 ( ف) وفي اوج ازدهار قوة جمهوريتي بيزا وجنوة شن اسطول بحري حربي مشترك أوسع وأجرأ هجوم على مدينة المهدية وزويلة على الشاطئ الشمالي لتونس , بمشاركة 300 سفينة واكثر من ربع مليون مقاتل , وهو هجوم تم ايضاً بمباركة الكنيسة الباباوية في روما , وعلى الرغم من تمكن الغزاة خلاله من احراز الكثيرمن المغانم المادية اضافة الى عمليات التقتيل الواسعة النطاق التي تمت ضد السكان الامنين الا انه فشل في تحقيق هدفه , وقد وصف - ابن الاثير - ذلك الهجوم بقوله : ( قطع جند الروم الى البر ونهبوا وخربوا واحرقوا كل شئ) وعندما عاد الغزاة الى بلادهم بعد فشل حملتهم على الرغم من ضخامتها وكل الامكانيات التي سخرت لها , توجه من عاد من المشاركين فيها الى مقر الفاتيكان بروما للتبرك ونيل صكوك الغفران من البابا شخصياً بسبب الجرائم المريعة والهائلة التي ارتكبوها في المهدية والمناطق المجاورة لها .

وعلى الرغم من نجاح البيزيين والجينويين في تنفيذ المذابح الهائلة في المناطق التي نكبت بغاراتهم تلك على الشواطئ التونسية الحالية ضد السكان الامنين وتمكنهم من الاستحواذ على ثروات هائلة من ايدي ابنائها , الا ان المفاجأة التي وجدوها امامهم كانت اكبر من كل توقعاتهم وهى التي افشلت بشكل رئيسي هجومهم وارغمتهم على انهاء الاحتلال والعودة من حيث اتوا

وذلك حديث مقبل بإذن الله .

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط