نحن أبناء تاريخ واحد وتراث واحد رغم تعدد اوجه التراث والتاريخ

أزمة اللغة .. نحن أبناء تاريخ واحد وتراث واحد رغم تعدد اوجه التراث والتاريخ اللغة شئ تجدر فى النفوس منذ الأزل ووعاء ربَّاني يمتزج فيه التفكير و الوعى , عاكسة فى مفرداتها شخوص عالمنا المادى بكل رموزه و تقلباته الإجتماعية و الفكرية , ترتقي ألفاظها مناز


أزمة اللغة ..
نحن أبناء تاريخ واحد وتراث واحد رغم تعدد اوجه التراث والتاريخ

اللغة شئ تجدر فى النفوس منذ الأزل ووعاء ربَّاني يمتزج فيه التفكير و الوعى , عاكسة فى مفرداتها شخوص عالمنا المادى بكل رموزه و تقلباته الإجتماعية و الفكرية , ترتقي ألفاظها منازل فوق ماتترجمه الشفاه , و أبعد مما تحمله موجات الأثير , و هى أداة التواصل الكلامى و الكتابى بين الناس

متجاوزة لكل ماهو مادى و محسوس , عاقدة صلة الترابط اللامحدود بين شعورنا كمتكلمين أو ككتاب من جهة , وشعور أولئك القراء و المخاطبين فى كتاباتنا هذه , و بها قهر الإسلام خصومه وأعداءه , إذ ببيانها و سحرها كانت أولى المعجزات , ولا تعادلها وسيلة للمخاطبة والإقناع وبلوغها شأناً من حيث التأثير والإثراء ..

ولا مجال للإذكار فى كون الحضارة الاسلامية وعلى إمتداد تاريخها بنت صرحاً عظيماً من القوة والتماسك مما جعل الأمم الأخرى تهابها و تحسب لها ألف حساب , و إنما كان الفضل فى هذا يرجع إلى كون اللغة العربية أحد أهم العوامل التى عبرت و لازالت تعبر عن حال لسانهم وتمازجهم الإجتماعى , وإرثاً ثميناً ينبغى ألا يتم الإستهانة به و التفريط فيه بأى شكل و بأى حال من الأحوال .ولو قلنا أن مدلول الصراع الدائم بين الإنسان و متطلباته الحياتيه هو فى حد ذاته ثقافة سواءٌ كان فى البيت أو المدرسة , فى الشارع أو فى المؤسسة , فإن اللغة هى العمود الفقرى الذي تبنى عليه هذه الثقافة بأبعادها و خطوطها العريضة المتمثلة فى إعطاء المفردات نطقها الصحيح , و التعامل مع المصطلحات بالقدر الذى يحفظ لها إنتماءها وجذورها الأولى .

بالإضافة إلى أن الثقافة و إنتشارها يجعل اللغة تحيا و ترتقى , فكلما أكد المثقفون على أهمية دورهم وبرزوا فى النهوض بمهامهم إرتفعت اللغة بدورها و إنتشرت معلنة أنها المكمل لإنتشار الأول ( الثقافة ) و لأن الرقى الحضارى بمشاربه الفنية و العلمية هو نتاج لإسهام اللغة فى تأصيله و الحفاظ عليه , كمنظومة للتعبير عن تلك الأسس و ترسيخها فى أذهان الأفراد , و لا أعتقد أن الثقافة سيبقى منها ما يستحق الذكر لو أسقطنا اللغة منها , ففيها سيختفى الأدب بفنونه الجميلة وتمتحى كل ما للشعر من آثار و نعوز للبيان و العالم الإنسانى بأسره .

و لوجاز للمرء أن يتقن التحدث بأكثر من لغة ففى كل الأحوال يعتبر مكسباً كبيراً له , و قد يجد القدرة فى شرح و تحليل ضروب من أركانها , إلا أن عجزه يبقي ماثلاً فى عدم إستطاعته صنع تأليف واحد فى لغة واحدة ذلك و ببساطة شديدة أنه إبن تاريخ واحد وتراث واحد رغم تعدد أوجه التاريخ و التراث , ولأن المعرفة باللغة تماماً كالمعرفة العلمية , فلا تخلو معرفة إلا وكان لها مرور باللغة , و ما بلغه العلماء الأوائل منذ عصر صدر الإسلام مروراً بالعهد الأموى والعباسى من التعريب والتدقيق وصقل المفردات مستقين منابعهم الأولى من القرآن الكريم , الشئ الذى أبهر علماء الغرب و جعلهم يدرسون ماتوصل إليه نحاتنا و علماء اللسانيات و إعتباره مرجعاً ظل ومازال يعتمد به فى جامعاتهم حتى وقتنا الحاضر , و الذى جعل أسماءً كأبى الأسود الدؤلي , وسيبويه , والجاحظ , والسكاكي والجرجاني وغيرهم لصيقة هذه العلوم والذين لم يغفلوا جانباً واحداً من جوانب علم اللغة الحديث وكما يقدمه فرديناندى سوسير مؤسس علم اللغويات الحديث فى القرن العشرين , ولم يصبح كتاب امريكا اللاتينية اساتذة فى فن الرواية الا باشتغالهم على اللغة من امثال ماركيز ويوسادو اليزابت الليندي .

إذ تناولوا بالشرح والتنظير مسألة التعريب باعتبارها من اهم المسائل واكثرها حساسية , والتى لا يجوز لنا ان نعزلها بالتالي عن سير التاريخ الانساني وعن الدور الذي لعبه هؤلاء فى علم اللغة والحقيقة ان الاصول اللسانية عرفها العرب القدامى قبل أن يعرفها علماء العصر الحديث كشومسكى وسوسير وغيرهم فى القرن العشرين فما عبر عنه شيومسكى بالطاقة والإنجاز له جذور عند عبدالقاهر الجرجانى, عدا أنهم تناولوا مسألة الدلالة الصوتية , و ثنائية الكلام و اللغة , و أيهما أسبق للآخر , و توقف الكثير منهم عند هذه النقطة و أيها يقبل التفصيل و أيها لا يقبل , مما يؤكد أن تراثنا اللغوي هو المادة الخام التى إتكأ عليها الغرب و إستقا منها نظرياتهم إلا أنه و للأسف فإن اللغة العربية اليوم تعانى إستلاباً يحرمها الصيرورة و الإلتحاق بالتجدد و التفتح مما جعلها رهينة الخطب المنبرية , والأمسيات الشعرية .

و يبدو ماثلاً للعيان أن الإلتصاق بالغرب و محاكاتهم إلى حد الفردية و إدارة تراثنا اللغوى خلف ظهورنا و الهرولة خلفهم بدعوى التجديد قد بات أمراً غير عادى , زد على ذلك غياب النظرية اللغوية مما دفع البعض للإتجاه نحو اللغويات الأوروبية شرقها و غربها و لا يمنع كون أى شخص يملك الإزدواجية فى اللغة سواءً كان بين الفصحى والعامية أو بين الفصحى أو اي لغة أجنبية شريطة أن يكون إنطلاقه من الأصالة من لغته العربية وثقافته الوطنية.

فالبرغم من الركود الطويل الذي مر بأمم عريقة كالصين و اليابان إستطاعت بعدها أن تنهض و تجارى جاراتها من الأمم و تلحق بركب السباق الحضارى , و السر فى هذا أنهم حافظوا على المعالم الرئيسية و جذورهم التى تمثل شخصيتهم لساناً و ثقافةً , فلغتنا هى الأقدر على إعطائنا الشحنة المعنوية و العاطفية عاقدة صلتنا بالتراث اللغوي الغنى و المطعم بالبلاغة و البيان , فلا يكفى أن نمجد الأجداد و نظل واقفين نراقب مايفعله الأوروبيون و مايطال قدسية لغتنا من لغو و تشويش , فلا بد من محاولة لتطويع ما يمكن تطويعه و مايتلائم ويتناسب وواقع اللغة العربية دون خدش فى خصوصيتها الفريدة , والوقوف عند هذا التراث ومقارنته إلى جانب النظريات العلمية التى تتسابق على مستوى العالم لفهمه .

و بالتالى فإن الحمل والمقارنة المقصودة هنا يجب أن تكون نقدية فى صميمها , لإظهار العيوب والأخطاء فيه . و إستدراكها .

فالوقوع فى شرك التخلف و اللحاق بركب الإبداع فى العالم , مبدأه التخلى عن لسانه اللغوى , و هذا لا يعنى أن لايتعلم الإنسان أو يكتسب لغة بيد أن مسألة الإستيعاب للأنماط المعقدة لا يكفى لتفادى تأثير اللغة الدخيلة على الأصل , بل أن يستوعب إلى جانب ذلك كل الخطاطات الذهنية و البيانات التاريخية و الثقافية , و حتى لايقع فى فك التضليل غير المقصود , فمحاولة إرجاع كلمة أو مصطلح إلى أصله ربما يزاحمه القاموس الدخيل و ما تشربه الشخص المترجم من ثقافة غربية ليقضى على البقية الباقية من ثقافته و معرفته بالتراث العربى اللغوى فيعطى للكلمة المدلول الخاطئ و إنسابها إلى غير الأصل , و تنتهى المأساه فى الشعور بالغربه داخل الثقافة الوطنية , و هى غربة لا تعوض .

و لا شك أن مسألة إزداوجية الفصحى والعامية هى إحدى المشاكل التى تعيق تقدم لغتنا وإشكالية التأرجح بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية , طالب الكثيرون بوضع حد لها . وإيجاد الحلول المناسبة فى إبطال إحداها و إبقاء الأخرى .

و لربما طالب البعض بإبطال الفصحى هذا إن وجد من يتحدث بالفصحى أصلاً وإعتماد العامية بحجة أنها اللغة الحية المعاشة , فهى العامة والتى نتداول الحديث بها فى أمورنا الحياتية , وبالطبع فإن هؤلاء ربما لا يبالون بالإجهاز على ما تبقى من تراثهم و ما يعقد الصلة الثقافيه بين العرب , فهو المطلب الذى لا يرضي إلا العدو و الحاقد , ولم تربح لبنان مثلاً معركة الكتاب فى إحدى الفترات إلا لإعتمادها على المرجع الأول و هو لغة الأجداد التى عملوا على تطويرها و تحديثها لصالح الإنسان العربى .

والإشكالية الأخرى والتى تمثل أحد الأمراض التى تصب فى جوهر الموضوع ألا وهي الصناعة اللفظية الجوفاء وكثرة الخرافات , وصعوبة إستعمالها بالدقة المطلوبة ناهيك عن الحشو المنتشر إنتشار النار فى الهشيم فى الكتب والرسائل والمقالات والدروس والأحاديث على إختلاف أصنافها الناتج عن التعلق المفرط بشكليات الصياغة .

وقد يطالب البعض الآخر بإيجاد الحل الأجدى للعثور على حل وسط متمثلاً فى تدريج الفصحى كلما جاز التيسير و تفصيح الدارجات . إلا أن المشكلة الأخرى أن لكل دارجة شعراؤها و ناطقوها القائمون بها ..

إذ لابد من الإنتباه لهذا الخطر على مصير اللسان العربى فالشاب يعى ويستمع ويستمتع بالأغنية الحديثة الدارجة , و الفيلم العامى والذى لا يرقى حتى إلى مستوى التقييم , و بالقصة الغرامية العامية و ما تلعبه أجهزة الإعلام اليوم من فضائيات و غيرها مما زاد في الطين بله ..

و نسأل الله أن لا يأتى اليوم الذى نطلق فيه لغتنا طلاقاً بائناً فاللغة العربية و تحدياتها أحد أهم المعارك التى يجب على العرب أن يخوضوها بجانب معركتهم المصيرية , وما ينفى ذلك هو من عمل الشيطان الرجيم .

عبدالسلام حسن الفقهى

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط