أين انتِ يامثقفة ?
المرأة المثقفة غير المتعلمة فهي اكثر وعياً وادراكاً لحقائق
الحياة من حولها
عبد السلام حسن الفقهي
حاورتني إحدى الزميلات بالهيئة العامة للصحافة حول مفهوم نراه نحن الذكور او يراه الغالب منا فى شواسع رؤيته الخاصة فيما يتعلق بمسألة تحجيم المرأة عند سقف وضعي نسبي تتدافع عبر مدخلاته همهمات ولسعات حادة تنم عن انطباع تجريحي سيء وتجانفه الموضوعية , وبعيد كل البعد عن الاستقراء الداخلي العميق المكاشف لحقائق النفس الانسانية , الا وهو الانتقاص من مقدرة الانثي واتهامها بالسطحية واللامبالة بامور واقعنا المعاش على الصعيد المؤسساتي والتوعوي ومحدودية مهارتها المتعلقة بفهم فلسفة التأثير والتأثر داخل مجتمعها , وكذا مفازات الرأي الصائب لديها حداً جعلها تتقوقع فى دائرة صغيرة مرسومة بمفردات مجتمعاتنا الذاهبة فى لغطها الجنوني , وان عقدة الضلع الاعوج الذي لا تتوائم له الاستقامة مهما انبرت فيه يد الخبير او ذاهنته سوابغ الحظ لازالت تتربع فى اذهان الكثيرين منا بل هي صلب تكوينه الخاص وجزء لا يتجزاء من موروثه الثقافي الهش, فلما هذا التجني والصاق القصور والدونية بالانثى دون سواها ?
وللاجابة عن هذا السؤال يجب تصحيح بعض المفاهيم المترسخة عند بعض الفتيات وعند الغالبية منهن من المتعلمات بان الانتقاص لم يكن فى سحب الكفاءة او كشط الدور الذي اعطاه الله سبحانه وتعالي وكذا سر تلك الخاصية فى تكوينات جسدها الطرى او التعدى على صفة الافضلية التى اعطاها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله » امك ثم امك ثم امك « دوناً عن الاب , وان الجنة تحت اقدام الامهات وان وراء كل رجل عظيم امرأة ولكن معرض بحثنا يتناول جانب الادراك الآني والزماني بما آل اليه واقع الفتاة والشاب في جل مجتمعاتنا العربية , والحديث اسوقه وفق تجارب عينيه نعايشها ونسبح وسط تداعياتها المؤلمة فها هى فتاة العصر شاهدة على حالها تتخبط فى مشيتها وتسوق لها المفاهيم الوافدة من خارج حدود بيئتها فتتشربها دونما وعي منها اوادراك , وحديثنا ينصب بالدرجة الاولى على القاعدة الثقافية وعجين صقلها الاولى للكائن بداءً بتحسس الموجودات من حوله وحتى مراحل تمازجه الاجتماعي مع الاخرين وتمثله عضواً حقيقياً في جسد نواته الصغرى وهي الاسرة وعالمه الاكبر وهو المجتمع مدفوعاً بثقافة تحقيق غايته الوجدانية كإنسان ومحاولة استنباط اسمي صفات التغيير الوجداني لديه وعناصر التنوير الفكري والمعرفي كذلك ,فهل تتمتع الفتاة بهذه المدركات ام لازالت تحتاج الكثير ليتسني لها تكوين عالم من الرؤى والقدرات والملكات للمساهمة فى بناء مجتمعنا ? ولعل المسألة تطال الرجل ايضاً باعتباره النصف الاخر والذي تغيب عنه كثيراً قضية الفهم العميق لفلسفة التكامل بينه وبين الانثي حتى اذا ما توج الامر بالزواج يتوحش القالب التقليدي المتوارث ويحجب رؤى التناص والحوار بينهما وينتهى الامر الى زوبعة لا اول لها ولا اخر من المشاكل وكثافة اكبر من الضغط يمارس على الانثى فتصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار او كما يقول المثل الشامي » جت الحزينة لتفرح مالقتلها مطرح « وغول من الالفاظ يلاحقها كشبح » لا تدهوير ولا زيارات ولا طلوع من الحوش « وبالتالي ستصبح دوائر الوعي لديهامستسلمة تماماً ومستعدة للانغماس فى الثقافة الوافدة منهجاً وتطبيقاً وذلك ما ذهب بها الى درجة خطيرة من التحول والتمسك بالقشور وجعلها اسيرة الاخذ المعكوس فكانت طفلة في بيت اهلها وآلة في بيت زوجها .. ومع ذلك فنسرين تدافع عن نفسها وجراحها قائلة بان امور السياسة والاقتصاد والحديث عن ارتفاع سعر البورصة وانخفاض الاسهم وإشتباك هنا وترحيل قوات هناك وخبر فى صحيفة عن ندوة تعقد ومقال يسفه قضية وصندوق للتبرعات , ومسرحية نصها ضعيه , وكتاب عن سيرة فلان , ومسلسل يشوه صورة المرأة العربية , واغنية كلماتها متقاطعة , كل ذلك لايهمني فشواغلي واهتماماتي تقف عند محط الطبخ والغسل وتنظيف الفرش والتسوق وتصفح المجلات اذا ما تسنى لي ذلك ومعرفة اخر صيحات عالم الموضى , وما توصل اليه عالم التجميل فلمن نترك هذه الامور وما مصلحتي في الالمام بتفاصيل عالمكم المليىء بالمشاكل والهموم فانتم لكم ملكاتكم الخاصة ونحن لنا ميولنا الناعمة العسلية وما يتفق مع رقة اجسادنا وحساسية المشاعر وحنان العاطفة لدينا وفرضاً انني اصحبت كما تتمني وتشتهي فهل ستتقبلني ياسيادة المحترم .
مرأة ام رجل ?
سؤال وجيه ولكن اذا ما تعدت الحسناء الفاتنة خط الانوثة وتجاوزته الى مصاف الندية بإدارتها لشؤون البيت وامتلاكها امكانية النقاش الجاد والرد ومقارعة الحجة بل والتفوق على شريكها الابدي فى بعض اختصاصاته سواء اكانت على سبيل المهارة العضلية او العلمية فهل سيقبل السيد الرجل بهذه الوضعية ..
الجواب
مهارة الانثي تكمن في معرفتها الكافية والشاخصة لسلوك الذكر وكشف مواطن التحفز الهجومي لديه فيما لو شعر بانهيار مملكته ولذا فدراسة الخلفيات المختزلة لهيجانه الرافض لاي ندية امر لايمكن لغيه او استبعاده فى اولويات الادراك التوعوي لدي الفتاة اذاً يكون من الطبيعي جداً عدم تقبله لهذه الشخصية لاسباب عدة منها :-
1- اندثار امبروطوريته الذكورية بعامل الندية والتساوي في الكفاءة .
2- الجرعة المركزة من الموروث الاجتماعي والقبلي وكم لايستهان به من العادات والتقاليد ما يسوغ لمعادلة مشروعية الضغط وظهوره متجسداً فى طغيان كلمة الرجل وتهميش الرأي الاخر .
3- الحدود الدنيا والقصوى للاختصاصات وهو امر يتعلق بمفهوم مزاولة الحرية , غير ان اتساع هذه الدائرة قد اعطى الشكل السيء وعدم امكانية الاستفادة من الحرية التى اعطتها الثورة للمرأة فظل فهمها للحقوق والواجبات فهما ضيقاً وجزئياً .
لومو انفسكم ولا تلوموني
ولربما ترد احدى الاخوات علي ما جاء فى مقالنا بالقول ان عدم احترام الذكر لخصوصية الانثى افسد امكانية الاصلاح بينهما وخلق ضبابية وسوداوية وسماكة من سوء المعاملة , ومعادلة الخط المزدوج " خد وهات " الامر الذي يجعلني اقول : لماذا لايكون الرجل او الشاب مثقف ايضاً ثم اين ذاك المثقف الذي تحدثني عنه ويتحدى الجهل ويتشدق بمثاليته المنزه عن عيوب العالم باسره " وينك ياسيد " وكم عدد الذين يقرؤن الكتب ويتناقشون فى امور الادب ويحللون ذاك المقال وينتقدون تلك القصة اين هم بالله عليك الا ترى انهم متخصصون في معاكسة بنات الناس والتنطع على عتبات المقاهي والتفنن فىي شرب الكابتشينو والقيل والقال وتقول لي اين المثقفات .
اريد إنسانة لا الة
الرهان على الجانب الانساني يبقي هو المكسب الحقيقي والحلقة المفقودة فى دائرة ترابطنا الوجداني , فلماذا لا نختار وفق رؤية توفر لنا عمق الانسجام النفسي لدي الطرفين وحتي لايحدث الاصطدام كنتيجة نهائية للاختيار الخاطىء يجذر بنا خلق هذا العالم بكل ابعاده ورعايته من روافده الاولى "الاب والام " وباعتبارها اولى مرافي التلقي المعرفي لذا الفتاة والشاب وبالتالي فان حيثيات التنوع لديهما وامتداده يحرز اقصى شروط التعبئة بتجزيئاته الفسيفسائية , ذلك ان الذاكرة تكون فى اعلى مستويات الاستقبال والنشاط فى فترة الطفولة وقابلة للتشكل والتلقين لخلوها شبه الكامل من متناقضات عالمنا العجيب وتيارات الحياة المتشعبة , لذا فالطفلة عندئد ستمتلك قسطاً وافراً من المفاهيم والقواعد والاسس الهامة التى ينبغي على المحيط الاسري تلقينها اياها والتى ستصبح بمثابة صفقة تربوية تبرم لصالحها كفتاة فيما بعد .. ويقول الدكتور يحي الرخاوي استاذ الطب النفسي فى معرض بحث نشره بمجلة العربي العدد 536 تحت عنوان الصحة النفسية والنمو البشري " الصحة النفسية هى التوازن الفعال المتنوع المراحل الذي يمكن ان تتحقق به درجة من الاتساق الداخلي والخارجي مع قدر مناسب من الفاعلية التى تمكن من الاستمرار " فهل لهذا وجود فى واقع حياتنا اليومية وعن اي اسرة نتحدث ..
عقدة الموروث
اذا ما تسنى لنا متابعة قضايا الزواج والطلاق بالمحاكم وعاينا عن كثب مسألة النظر الى الفتاة بشىء من الاستصغار وعدم احترام للخصوصية , فى مقابل استحواذ الرجل لسدة الرأي والمشورة وسحب هامش التعبير الذي اعطته الشريعة لها ونادت به الثورة من بعدها , وضمه لممتلكات السيد الرجل قد يرجع الي الكم غير العادي كما اشرنا فى المقدمة من المورروث الاجتماعي والعادات والتقاليد فمما لاشك فيه اننا اصحاب عادات بالدرجة الاولى وذلك ما تعدي في وعي الناس الي مستويات التقديس للاسف , ما يعد الاتيان بامر مخالف سلوك هجين وغير مقبول ولكم هذه القصة على سبيل المثال " اتت احدى عماتي فى بابا زياراتها المعتادة من المدينة الي بيتنا بالريف وارتأت بمشروعها الدائم والمستديم وكعادتها صنع عباءة , وحال احضار المسداة وادوا الغزل واتمام خارطة الهيكل الخشبي لادخاله الى البيت اشارت عمتي الى ضرورة اخراجي من البيت لو بالقوة وعند الاستفسار عن سبب ذلك قالوا لي وبلهجة حادة " هذا الامر يجلب لنا فالاً مش كويس وبعدين مرة واحد دار زيك بالتمام وسكر رأسه القوه ميت بالحوش لابيه ولا عليه " ولكم ان تقيسو على شاكلة هذه الترهات فذلك مرفق بسيط فى بحر لا ينتهى من القصص والخرفات , التى لم ينزل بها الله من سلطان , ولكم ان تتخيلوا ثقافة الفتاة المشبعة بعقلية متهالكة ومفاهيم وعادات لاتتوائم مع ابسط مفاهيم الحدس العقلاني واذا كنت انا الرجل قد اجبرت علي تنفيذ امراً تحيرت فى كنه مغزاة فكيف بالفتاة التى لا حول لها ولا قوة ولذا كانت الثورة ولازالت تستهدف لغي عامل التبعية المباشرة لتلك المعتقدات والخروج بالمرأة الي مرحلة استقرائية تستخلص التجربة وتقدم مفهوم الحرية , وحرية الرأي والتى لم تستوعبها المرأة بشكلها الكامل والحقيقي فكانت مراحل التمانينات والتسعينات هجين سلوكي بين الموروث المزعج والحرية التى اعطيت لها على طبق من فضة وشوهت بالتطبيق الخاطى وكذلك ما زاد فى الطين بلة من الطغيان الذكوري الذي لم يستوعب معنى النصف والنصف الاخر فكان فهمه للنصف المكمل على انه ضد له وند , وعند هذه النقطة نصل الى معنى التأثر بالثقافة الوافدة عبر الاقمار وتربعها علي مساحة المدركات المغبشة لدي الفتاة والمليئة بالتقليد الاعمي واغتنام اقرب فرصة لخروج والاستفادة منها قدر الامكان وذلك بعرض مفاتنها لكل من هب ودب ولعل فلان ينظر اليّ ولعل فلانه تعجب بي فتخطبني لابنها والباقي .. لايهم وبالتالي تأتي في سياق الفهم الخاطىء ومسألة الجلباب والحجاب على اساس انهما الشىء المكمل لشخصية الفتاة ونسيت ان البعد الانساني والجوهر الحقيقي كامناً في الرادع الذاتي والواعز العقائدي ومن بعده يكون الغطاء متمماً للجوهر ونرجع للقول ان الثقافة هي مفتاح الوصول الى عقد صفقة حقيقية مع المرأة ذلك انها كما يقول احد المفكرين الجانب الاخر من الحياة الانسانية , الجانب الروحي المعنوي القائم علي العقيدة وعلي التراث الفكري واللغوي والادبي والفني وما ينجم عن كل ذلك من ثوابت ورواسب ونوازع ودوافع وروادع نفسانية واخلاقية وسلوكية فى العادات والتقاليد ونمط الحياة لدي الفرد ولدي الامة بمجموعها وهو ما يبني ما يسمى ب " الهوية " او الشخصية لتلك الامة فيميزها عن غيرها من الامم..
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!