قراءات تحت الشمس
الاقتصاد الأمريكي ..أزمة بلا انفراج
د . عابدين الشريف
على الرغم من احتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية بمكانة الدولة ذات الاقتصاد الأكبر في العالم فإنها كما تؤكد بعض المصادر المضطلعة في المجال الاقتصادي تعاني من تراجع متواصل وتاريخي وغير مسبوق في حصتها من اجمالي الناتج العالمي اذ تراجعت الحصة الأمريكية من اجمالي الناتج العالمي من 50 % عند انتهاء الحرب العالمية الثانية الى 22.5 % في الوقت الحاضر , وهذا ما جعل حالة الغضب والقلق التي تعيشها الطبقة العاملة الامريكية في ازدياد مطرد والتي يرجّع المحللون الاقتصاديون اسبابها إلى عدة عوامل نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآتي :-
1- تجميد المعاشات وارتفاع نسبة البطالة الى 6 %.
2 - ازدياد عدم الثقة بين العمال وارباب العمل .
3- الانخفاض غير المسبوق في معدلات الفائدة اذ وصلت الى ادنى مستوى لها منذ خمسة واربعين عاماً وهي لاتزال مرشحة لمزيد من الانخفاض الذي قد يصل الى الصفر أو إلى ان تكون بالسالب , مما يعني ان المصارف التى تقوم بإعطاء المودعين لديها فوائد على ودائعهم وربما طالبتهم بدفع أجور او مبالغ مالية مقابل قبول ودائعهم لديها .
4-انخفاض قيمة الدولار اذ توقفت تدفقات رؤوس الأموال الداخلة إلى الولايات المتحدة كرد فعل لانهيار سوق الأسهم .
5 - بيع أسهم الشركات الخاسرة قبل الانهيار الكامل بأسعار كانت لاتزال في ذروتها وكانت المصيبة ان هذه الشركات لم تحذر الآلاف من العمال في البلاد وخارجها من قرب الانهيار , ففقد هؤلاء صناديق تقاعدهم وتوفيراتهم التي استثمروها في أسهم هذه الشركات .
6 -خسارة الآلاف من موظفي الشركات المنهارة الذين تقاضوا رواتبهم ليس بشكل نقدي بل بشكل سندات مالية تابعة للشركة.
7 - معاناة الاقتصاد الأمريكي من ازمة المديونية وتراجع رصيد الموازنة العامة.
8 - غضب الناس الذين اصابهم اليأس والتشاؤم على نظام الشركات الأمريكية الرأسمالية.
9 -رفض الادارة الامريكية الحالية التأمين الصحي العام وزيادة المخصصات لشراء الأدوية.
10- منح الحكومة الامريكية اعفاءات ضريبية بقيمة تريليون دولار » ألف مليار « لأثرى الاثرياء في الولايات المتحدة الأمريكية.
ماسبق من عرض مركز لحالة الاقتصاد الأمريكي تعكس لنا بجلاء تفاقم الازمة الاقتصادية وزيادة تدهورها النابعة كما تقول بعض المصادر من طبيعة النظام الرأسمالي المبني على الانانية والايجار والأجرة والاستغلال والسخرة ومن فساده واستبداده ومن الهبوط في ارباح الشركات نتيجة ظاهرة الفائض الذي لاتنجح السوق الرأسمالية في استيعابه .ماسبق ادى الى التردي المستمر في مؤشرات البورصة الأمريكية والتي ادت بدورها الى انهيار عدد من الشركات الأمريكية بعد ان انكشفت أكاذيبها واختلاساتها والتلاعب المستمر بدفاتر حساباتها بغية تحقيق ارباح وهمية تسهم في دفع اقتصادياتهم الى الأمام وذلك كله يتم استنادا على تنبؤات مبالغة بشكل هائل في ارباح الشركات الرأسمالية الكبرى المتعددة والمتعدية للجنسية. التقارير الاحصائية قدرت الخسائر لخمس شركات كبرى فقط من الشركات التي أعلنت افلاسها 460 مليار دولار واضافت التقارير الاقتصادية انه على صعيد المنافسة العالمية تزايد الدين الخارجي الامريكي بصورة هائلة وارتفع وفقا لذلك عجز الميزان التجاري , أما العجز المالي فقد تجاوز 106 مليار دولار. والازمة الاقتصادية الامريكية او بمعنى اخر مرض الاقتصاد الامريكي وصفها الرئيس الأمريكي بكلمات سطحية فتارة » وصف الاقتصاد بالتفاحة الفاسدة التي أفسدت كل الصندوق وتارة بصداع السكير الذي قام لتوه من النوم , ولكن المحللين يجمعون على ان مرض الاقتصاد الامريكي وازمته مزمنة وعميقة وليست بسيطة أو عابرة على الاطلاق , والدليل على ذلك ازدياد الفضائح المالية والمحاسبة الادارية في بعض الشركات الامريكية الكبرى , فبعد شركة انرون وورلدكوم يأتي دور كسير وكس الشهيرة وغيرها لتدخل جميعها في ملف الفضائح المالية السوداء الناتجة عن انعدام الشفافية خلق ازمة ثقة في الاقتصاد الامريكي .اذا وحسب وصف المحللين الاقتصاديين الاقتصاد الأمريكي بعكس الظاهر هو في وضع صعب » والحال واقفة « في اسواق الاسهم والمستثمرون يضربون كفاً بكف بعد سلسلة الفضائح المالية التي بلغت كلفتها مئات البلايين من الدولارات .باختصار شديد الاقتصاد الأمريكي بالرغم من المحاولات المحمومة لانقاذه يدفع اليوم وكمحصلة طبيعية للنظام الرأسمالي يدفع اليوم جشع وفساد ذوي رؤوس الاموال والشركات الضخمة التي وكما اشارت التقارير الاقتصادية الواردة في وسائل الاعلام الأمريكية إلى استمرار افلاس بعض الشركات والمؤسسات الامريكية التي بلغت حوالي (401306) حالة افلاس في المنشآت الاقتصادية , مما حذا ببنك الاحتياط الفيدرالي ليخفض في سعر الفائدة لتنخفض نحو 11 مرة خلال عام 2000 لتصل بعد 11 سبتمبر 2001 إلى 1.75 % مما قاد اليوم إلى عجز في الميزانية الامريكية مابين 2 و3% وعجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات والذي وصلت نسبته الى 5 % من الدخل القومي , هذه الأمور قادت الادارة الأمريكية الحالية الى تقديم موازنتها لعام 2004ف بأرقام عجز قياسية بلغت 307 مليارات من الدولارات ويفسر الاقتصاديون هذا العجز إلى انخفاض معدل الضرائب وارتفاع نفقات الأمن الداخلي والدفاع الذي خصص له للعام المقبل لوحده 400 مليار دولار بدون العراق وبمعدل 17 % من الميزانية خصصت لأمن السفارات الامريكية بالخارج.وكنتيجة كما يؤكد الخبراء الاقتصاديون لتباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي وزيادة الانفاق فإن موازنة امريكا ستشهد عجزاً ماليا لأول مرة منذ سنوات مما يعني واحدا من أمرين : إما فرض ضرائب جديدة وهو أمر ستحاول الشركات الكبرى الافلات منه كالعادة بحيث ينتقل العبء الى كاهل المواطن المسكين او اللجوء الى سياسات نقدية متهورة تقود في النهاية الى التضخم والى المزيد من الانهيارات المالية وإلى المزيد من البطالة والتي ترجع إلى مشكلة في النظام الرأسمالي وليست مشكلة انتاج .الواضح من العرض السابق ان مايسمى بالرأسمالية الحرة ليس بمقدورها ان تلجم نفسها وتمنع الكوارث , فالسوق الحرة التى سيطرت على العالم حولت الربح إلى المثل الأعلى وجعلت الانسان عبداً والاقتصاد وسيلة لخدمة رأس المال وليس لخدمة المجتمع , ومن يقول من المسؤولين الامريكان ان الربح اساس تقدم البشرية عليه ان يستنتج ان السعي المحموم وراء الربح هو الذي دفع الشركات للاختلاس والتهرب الضريبي وتضليل الجمهور .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!