قراءات تحت الشمس
» فرنسا التي تسقط «
كتاب يجسد فرنسا بعيون مؤرخ ومحام فرنسي
د. عابدين الشريف
كتاب اليوم يتحدث عن أفول الدور السياسي والاقتصادي والعسكري لفرنسا في بداية الألفية ألا وهو مكانة وقوة فرنسا ومواقفها من بعض الأحداث والمتغيرات الدولية وتداعياتها مثل الغزو الأمريكي لأفغانستان واحتلالها للعراق وتأثير ذلك وتداعياته على النظام العالمي الجديد .. الكتاب بعنوان » فرنسا التي تسقط « لمؤلفه المؤرخ والمحامي الفرنسي نيكولا بافراز , وهو شاهد من أهلها يعرفها » أي فرنسا « معرفة جيدة . الكتاب عند صدوره أثار ردود فعل واسعة وجدلا في الأوساط الأكاديمية والاعلامية في فرنسا وأوروبا وحاز على تغطية اعلامية نادرة لكونه يتحدث عن احدى الدول العظمى والدائمة العضوية في مجلس الأمن ودورها في الأحداث الدولية الأخيرة. يستعرض مؤلف كتاب » فرنسا التي تسقط « أدبيات الأفول او السقوط من خلال تركيزه على ان فرنسا تسبح اليوم عكس التيار وحيث شرعت الدبلوماسية الفرنسية وعلى حد قول المؤرخ والمحامي الفرنسي نيكولا بافراز مؤلف الكتاب في تعميق شرخ الغرب وفي استنساخ الأحادية الأمريكية على مستوى اوروبا , ويبرهن المؤلف على صحة آرائه ووجهات نظره حول أفول أو سقوط فرنسا بذكر النقاط الآتية :-
1- المسار الفرنسي سعى لتأسيس الحرية على قطيعة كاملة مع التقاليد أو الدين ومنح أولوية قصوى للسياسي .
2 - إقامة مواجهة بين الدولة والمواطنين ترفض كل وساطة .
3 - فرنسا تبقى الدولة الوحيدة عام 2003ف من بين الدول الكبرى والمتقدمة التي لم تمتص آثار أزمة السبعينيات وكانت عرضة للتحولات النانجمة عن الحرب الباردة والعولمة وعمليات 11 سبتمبر الدامية .
4 - سمة الجمود التي تتسم بها بناها أي فرنسا وكانت النتيجة وعلى حد قول المؤلف تنامي التطرف السياسي وأزمة مؤسسات الدولة والنمو الهش لها .
5 - تفشي البطالة .
6 - عدم اكتمال الاصلاحات الكبرى مثل اللا مركزية التي شرع فيها عام 1981ف وفي عام 2003ف بقيت مبتورة بسبب غياب خيارات واضحة عن تبسيط المستويات الادارية وعمليات التمويل ويضيف مؤلف هذا الكتاب ان فرنسا تسبح اليوم عكس التيار فهو من العمل المشترك بين الديمقراطيات لمواجهة التهديدات الجديدة شرعت الدبلوماسية الفرنسية في تعميق شرخ الغرب وفي استنساخ الأحادية الأمريكية على مستوى اوروبا لاسيما عبر توبيخ متعال للديمقراطيات الجديدة.
كذلك يرى مؤلف كتاب »فرنسا التي تسقط « ان فرنسا تُعرّض نفسها للتهميش اليوم في اوروبا وفي العالم خاصة وأنها تبقى على خطاب قوة منفصل عن وسائل نفوذها وعملها الحقيقي .
وهذا يقودنا الى اعتراف المحامي والمؤرخ الفرنسي مؤلف هذا الكتاب الى ان الدبلوماسية الفرنسية لم تفهم مرحلة مابعد نهاية الحرب الباردة وبقيت سجينة عقلية الستينيات من خلال الآتي :-
1- مراهنتها على بقاء الاتحاد السوفييتي .
2 - اعاقتها إعادة توحيد المانيا .
3 - لم تر سقوط جدار برلين عام 1989ف .
4- عمليات أحداث11سبتمبر الدامية كأحداث ثورية غيرت العالم .
5 - استمرار فرنسا في تحديد موقفها والمراهنة على المحور الفرنسي الألماني كأفق واحد لأوروبا لكنها لم تتردد في اضعافه بموقفها ازاء اعادة توحيد المانيا .
وفي مقارنة سريعة بين فرنسا والمانيا يقول المؤلف ان فرنسا اكثر من المانيا هي اليوم الحلقة الضعيفة في اوروبا فهي تعاني ازمة نمو اقتصادي وأزمة تمثيلية ديمقراطية مما نتج عنه وحسب وجهة نظر مؤلف الكتاب انخفاض حاد لقدرة نمو فرنسا وللاستثمار المنتج واستمرار بطالة بنيوية واسعة وتضخم سلك الوظيفة العمومية اضافة الى قدم وسائل البلاد الدفاعية , ويضيف المؤلف: هكذا تتسع الهوة بين الخطاب عن القوة ووسائل ممارستها , فرنسا تعرف مالاتريده - هيمنة أمريكا على الديمراطيات أو زعامة بريطانيا على أوروبا لكنها لم تعد تعرف ماتريد. فهي تشهد بلا ريب ومن جراء ماسبق ذكره أفولاً أو سقوطاً مدويا في اوروبا على حد قول مؤلف الكتاب وهذا يعني ان تراكم ماسبق ذكره من ملاحظات قوَّض أو ساعد على تقويض موقف فرنسا على كافة الاصعدة المحلية والاوروبية والدولية وذلك راجع كما ذكرنا سابقا لتعرض فرنسا للتهميش ذاتيا في أوروبا وفي العالم خاصة وانها مصرة على بقاء خطاب قوة منفصل عن وسائل نفوذها وعملها الحقيقي . وحول الاحداث الأخيرة التي جرت في العراق والتي ادت الى غزوه واحتلاله من قبل أمريكا وحلفائها يرى مؤلف كتاب » فرنسا التي تسقط « ان ثلاثة شروط ضرورية لمحاولة احتواء انسياق امريكا نحو سياسة قوة خطيرة خاصة وانها اختارت الشرق الأوسط كحقل لها هي : مقابلة الانفعال بخطاب عقلاني, تقديم مقترحات بديلة فعالة لمعالجة المشكلة العراقية , تحييد الاحادية الأمريكية بنهج متعدد الأطراف والبحث عن تدعيم الأطر الجماعية للأمم المتحدة والحلف الاطلسي في أوروبا , لكن فرنسا وحسب وجهة نظر المؤلف فعلت عكس ذلك
أما بخصوص العوامل الداخلية لسقوط فرنسا يقول مؤلف الكتاب المؤرخ والمحامي نيكولا بافراز : ان تراجع نفوذها الخارجي خاصة في اوروبا يشكل لازمة لأزمتها الداخلية ويجعلها في الوقت الحالي من أبرز الخاسرين في بداية القرن الأول من الألفية الثالثة ويضيف الكاتب أما مؤسساتها التاريخية التابعة للدولة - فهي وعلى حد قوله - في الأزمة واقتصادها متدهور اذ لم يتعد معدل نموه 1 % عام 2002ف والناتج الداخلي الخام لفرنسا تراجع من 25 % اليوم إلى أقل من 9 % واصبحت وفقا لذلك وعلى حسب رأي المؤرخ الفرنسي ان فرنسا اصبحت تحتل المرتبة العاشرة داخل الاتحاد الاوروبي والتاسعة عشرة في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من حيث الناتج الداخلي - الخام لكل نسمة وبمعدل نمو يقدر متوسطه ب- 1.8 % منذ التسعينيات تأتي فرنسا في المرتبة الخامسة والعشرين فيما بين ال- 32 دولة عضو في هذه المنظمة . ويشير المؤلف الى ان فرنسا لازالت تعيش على انجازات البرامج العمومية الكبرى للسبعينيات وتوقفت عن النشاطات التي ستكون مصيرية من حيث القدرة على المنافسة في 2010- 2020ف , كذلك تحدث الكاتب عن تفاقم الفوارق الاجتماعية لاسيما بين عمال القطاع العام والخاص وعن تراجع أداء الصناعة الفرنسية وتدني معدل التشغيل فيها وهو الأضعف في البلدان المتقدمة كما يقول نيكولا بافراز وتفاقم حجم البطالة التي تمس خصوصا الشباب ( 26 % ) والمهاجرين على الأخص . ويقول مؤلف كتاب » فرنسا التي تسقط « ان فرنسا تحتل المرتبة الخامسة عشرة بين 32 دولة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من حيث اتقان القراءة , كما ينتقد عدم تحديث امكانات البلاد العسكرية وتراجع معدلات الانفاق العسكري والعناية بالردع النووي ويحث المؤلف على استدراك التأخر في مجال البحث والتكنولوجيا والاهتمام بالتهديدات الارهابية.ويؤكد مؤلف الكتاب السالف الذكر بأن الحكومات الفرنسية المتعاقبة لم تكن لها الشجاعة ووضوح الرؤى في تطبيق الاصلاحات البنيوية والتي منها التربية , العدالة , الادارة الضرائبية ,الوظيفة العمومية , نظام التقاعد وارشاد الانفاق العام وتحسين أداء القطاع العام .وفي الأخير يلح الكاتب بقوله ان الأولوية القصوى للحكومة الفرنسية يجب ان تعطى للانهاض الداخلي الذي هو القاعدة التي انطلاقاً منها سيكون ممكنا إعادة مصداقية فرنسا واسترجاع موقفها القوي دبلوماسيا واستراتيجيا على أساس هذه الأولية المركزية يحدد عدة أولويات ابرزها اصلاح الدولة الذي يعتبره مفتاح الاصلاح . ويؤكد انه على فرنسا ان ترفض المحافظية وان تضطلع بالاصلاح الذي من دونه تذبل الديمقراطية قبل ان تسقط ويختتم مؤلف كتاب » فرنسا التي تسقط « بالقول ان سقوط فرنسا يعتبر واقعاً قديماً وقائماً ويتسارع بوتيرة تسارع التحولات العالمية نفسها ويؤكد على ضرورة الاصلاح الشامل مؤسساتيا وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً لوقف السقوط والنهوض بالبلاد من جديد . الكتاب يقع في 134 صفحة طبع سنة 2003ف من قبل الناشر بيران بباريس .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!