دراسة....صورة عن قرب

دراسة....صورة عن قرب خليفة حسين مصطفى جابرييل غارسيا ماركيز في الجزء الاول من سيرته الذاتية ان تعيش لتحكي ..(...................) اذا كانت كتابة المذكرات او السيرة الذاتية هي فن التذكر وفن السرد الممتع الذي يضفى على هذه الكتابات قيمة أدبية كبيرة فإنن

دراسة....صورة عن قرب

خليفة حسين مصطفى

جابرييل غارسيا ماركيز في الجزء الاول من سيرته الذاتية

ان تعيش لتحكي ..(...................)

اذا كانت كتابة المذكرات او السيرة الذاتية هي فن التذكر وفن السرد الممتع الذي يضفى على هذه الكتابات قيمة أدبية كبيرة فإننا نجد ان القليلين من من الكتاب الذين خاضوا هذه التجربة الادبية قد تمكنوا من انجازها بنجاح يتفق مع مكانتهم الادبية كروائيين او شعراء متميزين , او حتى بعض النقاد الذين كتبوا عن مغامرة الحياة التى عاشوها و رأوا انها تستحق ان تروى للأخرين بكل تفاصيلها ومعاناتها ومكوناتها الشخصية والادبية .الكثيرون كتبوا مذكراتهم , ولكن احداً لم يتوقع ولا كان يفكر ان الكاتب الكولمبى جابرييل جارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل للآداب في عام 1982ف سوف يغامر بكتابة سيرته الذاتية لأكثر من سبب , يأتي في مقدمتها عدم اهتمامه بهذا النوع من الكتابة , اضافة الى ما كان يعلنه على الدوام من ان رواياته أشبه بالمرايا التى تنعكس عليها مراحل حياته وذكرياته وعلاقته الاسرية وطفولته التى قضى جزء كبيرا منها في بيت جده الكولونيل السابق في الحرب الاهلي , وهو الذي لدى تقاعده وتحوله الى الحياة المدنية ظل ينتظر حتى آخر نفس رسالة من حكومة بلاده تمجد شجاعته ودوره البطوى في الحرب , وان تكافئه في أسوا الظروف على قتاله الى جانب الثوار دفاعاً عن قيم الحرية والعدالة فتأمر بصرف معاشه التقاعدى الذي يوفر له شيخوخة مريحة , ويحفظ له كرامته ويبعد عنه شبح الفاقه والمهانة عند عودته الى قريته "اراكاتاكا" التى تقع على ضفة نهر "ثيناجا" في قلب مزارع الموز التى كانت الشركات الامريكية تسيطر من خلالها على مقدرات كولومبيا لعقود طويلة من الزمن .لم يعمد ماركيز الى كتابة مذكراته الى ان قادته الصدفة الى التفكير في هذه المسألة , يوم ان وقف امام الجمهور في مهرجان أدبي اقيم في المكسيك ليقرأ عدة صفحات وثيقة الصلة بحياته الشخصية , فاكتشف ان وقعها كان له مفعول السحر في نفوس الحاضرين , مثيرة لدهشتهم وانبهارهم , كان ماركيز يتحدث في هذه الاوراق القليلة عن انطباعاته وذكرياته حين كان مستغرقاً في كتابة روايته " الجنرال في متاهته" مشيراً الى ان تلك الرواية هى محصلة مذكرات محرر امريكا اللاتينية من الاستعمار الاسبانى وبطلها التاريخى , لكنه اعلن في نفس الوقت ان هذه الكتابات التى يعتبرها البعض مذكرات شخصية ليست سوى ملاحظات وهوامش ترتبط بحياته الشخصية بحسب ترتيبها الزمنى .وهكذا قرر ماركيز كتابة سيرته الذاتية , وقد بدأها بذكريات مرحلة الطفولة وقراره باحتراف الكتابة لينتهى به المطاف عند العام 1955ف عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره , وقد حمل الجزء الاول عناوين متعددة منذ بدء التفكير في الكتابة الى ان استقر على عنوان "ان تعيش لتحكى , ومنذ ان كتب الجملة الاولى في كتاب عمره لم يبح بهذا السر لأحد طوال ما يقرب من ثلاثة عشر عاماً , ولكن بعد ما رأى تأثير أوراقه الشخصية على الناس خرج عن صمته ليقول انه شرع في كتابة مذكراته فكان عليه في هذه الحالة ان يبدأ من جديد لايجاد الشكل الفني لهذه المذكرات التى تختلف عن كتابة الرواية .وقد عبر ماركيز في أكثر من مقابلة صحفية وتلفزيونية ان كتابة سيرته الذاتية في حاجة لاسلوب وطريقة في العرض والبناء والحكى او السرد غير هذه التى اعتادها في تأليف اعماله الروائية , والقصصية وقد اصبحت هذه المذكرات شاغله الوحيد منذ ان قرر الشروع في كتابتها , فكان لابد من استحضار زمن الطفولة واحياء مشاعر وطقوس الحياة في كنف جده , كان يجب ان يعيشها مجدداً ويمسك بخيوطها الدقيقة فلا يفلت منه خيط واحد .كان يفكر في زمن الطفولة وفترات شبابه الاولى فيما هو منهمك في كتابه روايته "الجنرال في متاهته" التى رجع فيها منقباً في أوراق ومذكرات الجنرال وما كتبه عنه "حاصروه في حرب التحرير التى قادها في مسيرة شاقة ومرهقة لتحرير امريكا اللاتينية من الاستعمار الاسبانى , فكان يتوقف لبعض الوقت عن كتابة الرواية ليسجل نقاط وملاحظات يحتاجها في كتابة مذكراته الشخصية .وقد يكون اطرف ما حدث عند اعلان ماركيز عن انتهائه من تأليف الجزء الاول من سيرته الذاتية هو تسابق دور النشر في تنافس محموم للفور بهذه الصفقة , وقد تحول الامر الى ما يشبه مزاد علنى , ذلك ان رواج مثل هذا الكتاب سوف يكون خياليا ومكاسبه قد تصل الى ارقام فلكية , وبرغم هذا الصراع الذي ظل ممتد ما بين دور النشر لفترة طويلة فقد فازت بطبع الكتاب دار نشر "فوندا دورى" التى تصنف على أنها دار متوسطة الأهمية , خصها ماركيز بهذا الامتياز اعترافاً بافضالها عليه , فهى دار النشر التى اكتشفته وغامرت بنشر أعماله الاولى , قبل ان تتحدد ملامح وصورة الكاتب الذي سوف يحقق شهرة عالمية مدوية , ويحوز على جائزة نوبل للآداب بجدارة .ومع ذلك فقد نشب صراع اخر عند البدء بطباعة الكتاب بين دار النشر وبين ماركيز الذي كان يصر على مراجعة كل صغيرة وكبيرة تتعلق بمخطوطه , والى تم تحديد موعد نهائى لاصداره وقعت منازعات وتراجعات من المؤلف احيانا ومن دار النشر في احيان اخرى , وأخيراً تم الاتفاق , وصدرت هذه المذكرات او السيرة الذاتية بمعنى اخر يوم 9 - اي النار - 2002ف في طبعة أولى من مليون نسخة تم توزيعها في كولومبيا واسبانيا والارجنتين والمكسيك في وقت واحد , لتكون اضخم طبعة لكتاب واحد في التاريخ وكما قيل فإنه لا أحد يعرف ولا حتى المؤلف نفسه عدد الاجزاء التى ستصدر لاحقاً حتى السطر الاخير فيها , ولكن دار النشر اعلنت للصحافة ان لديها جزئين اخرين تعدهما للنشر في وقت قريب , ويقول البعض انه قد يصل عدد اجزاء السيرة الذاتية لماركيز الي ثمانية او تسعة اجزاء بالنظر الى شخصية الكاتب وابعاد تجربته في الحياة وعلاقاته ودوره السياسى وممارسته لمهنة الصحافة وتنقلاته قبل وبعد حصوله على جائزة نوبل للآداب , وتعدد مواهبه التى تراوحت بين الرواية والتحقيق الصحفى والقصة القصيرة والكتابة للسينما . وقد يكون اهم ما يميز مذكرات ماركيز التى تمثل الجزء الاول من سيرته الذاتية ابتعاده عن الشكل التقليدى في هذا النوع من الكتابة التى غالباً ما تروى من طرف واحد , فلا يبدو هناك سوى صوت واحد يقول كل ما يعني له , ما يتذكره وما قد يتخيله احياناً ليقدم صورة مثالية عن نفسه وكأنه يقوم بنحت تمثال لشخصه يحوز على اعجابه هو أولاً قبل ان يمتد هذا الاعجاب الى الاخرين فقد ظهر ماركيز في كتابه ليكون كما هو , وكما اختار بارداته تقرير مصيره ودوره في الحياة دون وصاية من أحد , فنجده يتحدث بصوته ولكنه لا يحرم الاخرىن من التعبير عن رأيهم ايضا سواء كانوا من افراد عائلته او من خارجها , متمنياً لهم الفرحة لكى يصطفوا بجانبه ويشاركوه حتى في ألعاب الطفولية , معترضين في كثير من الاحيان على سلوكه الطائش , كان جده الكولونيل في الحرب الاهلية في مقدمتهم و قد تحدث عنه ماركيز باعجاب وحب كبير , مذكرا كيف ان هذا الرجل الذي ذاع صيته في الحرب الاهلية وكان برتبة عقيد كان يغمره بحنانه ويروى له الحكايات الاسطورية وذكرياته عن الحرب قد جسده في روايته "لا أحد يكتب للكولونيل" وكان لحضور أمه في حياته تأثيره عليه بما يفوق بكثير دور أبيه الذي كان دؤوباً على السفر والترحال من مدينة الى اخرى , فاصبحت علاقته بل بعائلته لاتجاوز رسالة من عدة اسطر او برقية يعلمهم فيها بأخر محطاته التي توقف عندها .لقد قرر ماركيز منذ البداية ان يكون كاتباً فحسب , وانه ما دام قد اختار هذه المهنة فليس هناك من ضرورة تحتم استمرار في دراسته النظامية بالجامعة وبذلك هجر الجامعة برغم معارضة ابيه ولذا فاننا نجد ان الفصل الاولى من هذا الكتاب يكاد يتمحور حول هذا التوقف الذي لم يوافق عليه احد .وكما جاء في الكتاب بهذا الخصوص فان الام تعاتب ابنها على تركه للدراسة وتقوله له :

"ابوك حزين جدا"

حلت لحظة مواجهة الججيم , انها تبدأ كالمعتاد في اللحظة غير المتوقعة بصوتها الواثق الذي لايهتز في مواجهة اي شيء وسألتها فقط حتى يكتمل الطقس لانني كنت اعرف الاجابة مسبقا .

- لم كل هذا ؟

- لانك تركت الدراسة

وفي نفس الوقت تحدث ماركيز عن كل ما يتعلق بتكوينه الثقافي وفهمه للقراءة في فترة مبكرة من عمره , واعداد نفسه لمهنة الكتابة بجهد كبير , اي ان ماركيز الذي تحول الى ما يشبه الاسطورة في عالم الادب فإننا ندرك من خلال سيرته الذاتية جذورها المتمثلة في المثابرة والتفاني.

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط