علم النفس فى الأدب والكتابة
ليس من الضرورى أن يكون الأديب قد أصيب بالكأبة كى يصورها لنا
والعين الفنية (الرسم ) او الحس الادبي ينقل الاحاسيس لنا باكثر مما نتصور فالرسام يلحظ بريشته دقائق في الحياة قد تمر بها زمناً طويلاً دون ان نلحظها او تستوقفنا وعندما تظهرها لوحة فنية قد تتعجب من روعتها او عظمتها وكذلك يفعل الادب شعرا اكان ام نثرا متجولا في مجاهل النفس البشرية يرصد ويصور لنا الاحساس والمشاعر والانفعالات ومايرتسم على الوجه او في بريق في العينين ناقلا خلجات النفس صورا وكلمات نبضة من القلب الى القلب او آهة نشاركه جميعاً التأوه . اما في الشعر العربي القديم فقد وصف ابو الفرج الاصفهاني عام 967 ف حالة قيس ابن الملوح وقصة عشقه ليلى العامرية وما آلت اليه حاله بعد ان رفض والد ليلى ان يزوجها قيسا فاهمل مظهره وغرق في حزن دائم ورفض الطعام والشراب مع حالة التشتت الذهني والعقلي حتى لقب ب"مجنون ليلى "يقول ابو الفرج الاصفهاني واصفا تلك الحالات التي يمر بها قيس
وان يفيق ماثل اللون ذاهلا وكان يهيم في البرية مع الوحوش ولاياكل الا ماينبت في الارض وطال شعره وترك الطعام والشراب وجعل يهيم حتى بلغ حدود الشام وسأل من يمر به من احياء العرب عن نجد فيقال له واين انت من نجد قد شارفت الشام فيقول : اروني وجه الطريق فيرحمونه يعرضون عليه ان يحملوه ويكسوه فيأبى وقد وصف قيس نفسه :
ولم يبق الا الجلد والعظم عارياولا عظم لي ان دام مابي ولاجلد
وفي حياتنا المعاصرة قصائد تصف بدقة حالة اليأس والاحباط النفسي والالم الذي يولد اللذة : لشاعرة معاصرة " انيسة عبود "
برأيك كيف اخرج من حزني ياشجر السنديان
كيف ادخل باب البهجة وارمي ورائي اعقاب الفجيعة
وامشط قلبي من الفراغ
حتى تصل الشاعرة الى داخل النفس تنادي الغيوم الظمأ الشديد للحب :
مري بي ايتها الغيوم
امطري على تلال روحي
قحط هذا الزمان اتلف قلبي .
فذلك وصف رائع للمعاناة النفسية الذي وصل (حد) قول اتلف قلبي
والاكتئاب ليس مرضا عصريا ويصل المصابون به في العالم 120مليون شخص وكان هذا الرقم عام 1993ف اي ان يرتفع لاسباب كثيرة فمنها زيادة الانفصال والطلاق وافتقاد الفرد الانا الكثير من الدعم والحماية وفقدان التواصل بين الاباء والابناء والانشغال الدائم بالعمل وتأمين الحاجات الحادية المتزايدة والتي لن تعرف حداً اضافة الى التلوث البيئي من ضجيج واز دحام يبعث العنيف وما يمر به العالم من خواء فكري واحساس الفرد بالفخر عن التأثير في اي شيء فيه كتب عباس محمود العقاد : تحجمت المتاعب دفعة واحدة وبدا كأنني مريض بكل داء معروف وغير معروف ولا حرض هناك غير الركود والعجز باجماع الاطوباء وتمتلكني فكرة الموت العاجل فادهشني انني لم اجد في قرارة وجد اني فزعا من هذه الفكرة وكدت اقول في نفسي انني اطلبها ولا انفر فيها ويتابع قائلاً : واخال ان صدمة اليأس كانت على عزيمتي من صدمة الحرص او على الاصح من صدمة الاعياء فقد صور الكاتب انه خال من اي مرض جسمي و عضوي وانه راجع الاطباء كثيراً ولم يتبين انه مصاب بأي مرض عضوي انما حالة الكآبة والتي عانى منها جعلته يعتقد ان مصاب بداء عضال فهو يعاني من اعراض كثيرة دون ان يعثر على مرض وعلى حال او شفاء ثم سيعرت عليه فكرة الموت لكن دون ان يجزع او يخاف بل تمتاها
ويتابع العقاد : واشد ما اصابني من هذا اليأس او كان يأساً من جميع الامال ولم يكن يأساً من أمل واحد كان يأساً من معنتى الحياة ومن كل غاية في الحياة فقد وص لت به الحال الى اليأس الكامل مع ضياع لكل رجاء في الحياة وكأنه يمشي مسلماً لقدره في النهاية هو الموت كما استقر في خلدي وبلا خبر ولا اثر .
هو الموت امعنى ال يه صفر اليدين من مجد الادب ومجد ال دنيا
ومن كل مجد يبقى بعد ذويه
ان الكاتب محمود عباس العقاد يصور في هذه المقاطع حالة الكآبة القصوى بأروع وادق من اي مرجع طبي نفسي يتحدص عن الكآبة الفيلسوف الالماني (غوته) يصور حياته :
لم تكن الا الما وعبئاً و,انني اؤكد خلال الخمس والسبعين سنة من العمر التي عشتها حتى الان لم اختبر الصحة ولو لاربع اسابيع متصلة .
ويقول رهين المحبسين ابوالعلاء المعري : -
الذي يمر به تعب غير نافع واجتهاد يكتب عن اليأس الشديد وقوله وانصرفوا والبلاء باقٍ/ ولم يزل داؤنا العياء .
ويقول الشاعر محمد الماغوط : في الفرح ليس مهنتى هناك نحل وهناك ازهار ومع ذلك فالعلقم يملأ فمي هناك طرف واعراس ومهرجان ومع ذلك فالنحيب يملأ قلبي .
وان كان الادب هو انعكاس للمشاعر الشخصية وتسجيل للقطات من حياته فقد اشار الدكتور يحي الرمنادي بالتحليل لما كتبه نجيب محفوظ الكاتب الكبير( قراءات في نجيب محفوظ ) .
1992ف ففي رواية الشحاذ قدم نجيب محفوظ رؤية اجتماعية من خلال فاجعة عمر الحمزاوي والداء الذي الم به .عمر الحمزاوي في رواية الشحاذ لنجيب محفوظ يتصف منذ البداية بالحساسية الشديدة فهو محام ناجح وثري ومتزوج وله ابنتان من النوع الضخم الممتليء وهو في عيادة طبيب نفس لانه شعر ( فجمود غريب ونتيجة لهذا الجمود ماتت رغبتي في العمل ) يخيل الى انني مازالت قادراً على العمل ولكننى لارغب فيه لم تعد لى الرغبة فيه على الاطلاق وكثيراً ما اضيف بالدنيا واليأس وبالاسرة نفسها لاريد ان افكر او اشعر اواتحرك كل شيء يتمزق ويموت .ياإلهي إنما شيء واحد زينب زوجته والعمل والداء الذي زهدني بالعمل هو الذي يزهدني بزنيب هي القوة الكامنة وراء العمل .فبعد المال والنجاح والثراء واخيراً جاء المرض والشاعر صلاح عبدالصبور يصف باكثر من موقع حالة وجدانية هى في عرف الطب النفسي رسم دقيق لحالة الاكتئاب قلبي المليء بالهموم المعيشة .
وروحي الخائفة المضطربة ووحشة المدينة المكتئبة ..هكذا واقع الابداع الادبي مليء بمواجع الكتابة وشجونها حتى تصير الكتابة بحاراً كل امواجه محفوفة بالحزن والتطلع ..
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!