قراءات تحت الشمس
الإعلام والأزمات والحرية
د . عابدين الشريف
( 4 )
بكل بساطة الحرية الاعلامية مفقودة بنسبة كبيرة الصحافة قد تكون حرة بعض الشىء ولكن ماذا ستفعل الصحافة مع الشعوب ? فبعض افراد الشعب كل مايهمهم من الصحيفة هو الرياضة والفن , أما القنوات الفضائية وهي الأداة الأهم والأكثر تأثيراً فهذه ممنوع فيها الحرية بنسبة كبيرة لأنه يسهل للناس الوصول اليها ويحاول مسؤولوها تعويض ذلك بكثرة المسلسلات والأعمال الشيقة التي تلهي الجماهير , أضف إلى ذلك أن القنوات الفضائية الخاصة تحتاج لصحن وجهاز استقبال وهذا غير متيسر لقطاع عريض من الجماهير بالاضافة إلى ان معظم تلك القنوات تحرص على علاقاتها بالنظم الحاكمة لمصالح كثيرة , اعتقد بأن المشكلة الرئيسية للاعلام في الوقت الحالي ليست الحرية بقدر ما هي المصداقية..
فما نراه من أوصاف وكلمات تستخدم من قبل الاعلام الغربي وخاصة الأمريكي لوصف الأوضاع في فلسطين والعراق وافغانستان والتعامل مع الاسلام وربطه بالارهاب يشير إلى ان هذا الاعلام والذي يدعي الحرية يفتقد للمصداقية تماما وينحدر في كثير من الأحيان إلى مرحلة الكذب العلني على الناس , الحرية في الاعلام سيظل لها سقف دوما ففي الغرب وأمريكا كل خبر ينشر أو يذاع فهو مسيس , وكل كلمة أو لفظ موجهة لغاية يبتغيها القائمون بالاتصال على هذه الوسائل ببساطة متناهية جدا الاعلام بصفة عامة وفي كل مكان وزمان سيظل مسخراً لخدمة السياسة وما شابهها أو في أحسن الأحوال يخدم عليها طالما ظل الاعلام خارج دائرة التسلط الشعبي ودليلنا في ذلك تقرير القاضي هاتون في قضية المبالغة من قبل الحكومة البريطانية في تبريرها الحرب على العراق واستخدامها ذريعة اسلحة الدمار الشامل لغزو العراق , باختصار شديد لا شيء في الاعلام لوجه الله لا أرى حرية حقيقية للاعلام خارج دائرة الجماهيرحتى في البلدان عريقة الديمقراطية والأسوأ ان حرية الاعلام تسير نحو حافة الانهيار لكونها اصبحت تتحكم فيها المصلحة واصبحت سلعة تجارية , حيث لاتوجد صحافة حرة أو بمعنى آخر صحافة مهنية فمحتوى هذه الصحف والمجلات تحكمه معتقدات وايديولوجيات تلغي أي شفافية او مصداقية مهنية.
واذا كان هناك انسان واحد في العالم يعتقد ان الاعلام الغربي والأمريكي نزيه هو مخطيء تماما , فالصحافة تدار بصورة مختلفة من قبل الدين أو المال أو السياسة حتى وكالات الأنباء لها نفس الهدف ونفس الطريقة عندما يعتقل مراسل قناة أو صحفي فهذا ليس بالضرورة مؤشرا لتقييد الحرية الاعلامي , وقد ندرك ذلك اكثر اذا ماحددنا اطارا على درجة من الوضوح لماهية الحرية فليس من معاني الحرية مثلا الاساءة إلى سمعة شخص ما أو الدخول في مكائد على الورق لاطائل من ورائها سوى الأذى وليس من الحرية كذلك تضخيم القضايا البسيطة والتي تهيج الناس فقط دون حلول حقيقية كي تزيد هذه الصحيفة أو تلك من توزيعها لتحقيق الارباح الطائلة , ومن ناحية اخرى فإن الصحافة تبدو مكبلة اذا ماانصاعت تماما لرأي السلطة من ذوي النفوذ المادي والاقتصادي لأن هؤلاء يهمهم بالدرجة الاولى حماية مصالحهم أما الوعي القومي ومشاركة الشعوب في صنع القرار أو حتى ابداء الرأي هذا مالايهمهم بل انه قد يكون مرفوضا لديهم من الأساس لاتوجد وسيلة اعلامية تعبر عن رأي السواد الاعظم من الناس او تنقل احاسيسهم أو حتى ما يشعرون به , فالاعلام غير الجماهيري ينقسم إلى قسمين لاثالث لهما الأول يمجد النخبة الحاكمة ويسبح لها والثاني لمن يدفع أكثر ليعبر له عن آرائه ويطبل ويرمز وينقلب عليه اذا مادفع غريمه دولاراً زيادة.
خلاصة القول انه بصفة عامة لايوجد في عالمنا اليوم وإلى حد كبير جدا ما يسمى باعلام حر فمثلا في قناة دولة كذا يصفون الهجمات الانتحارية بالاستشهادية وأخرى بالانتحارية وأخرى بالفدائية كل على حسب هوى وميل التوجهات السياسية او الدينية وهذا يجعلنا نعتقد جازمين بأنه لاتوجد حرية اعلام في العالم الغربي على الاطلاق أو حتى من يدعي الحرية منه والحرية ستظل مسألة نسبية ولكن مع ذلك أيضا سيظل السؤال أين الموضوعية ولكن ما هي الحرية التي نريدها ? لا نريد ان نكون فوضويين ومحبين للكلام لمجرد الكلام , بل نريد فعلا ينقلنا مما نحن فيه إلى ماهو افضل بالنسبة للاعلام بصفة عامة نتمنى ان يكون تحت تسلط وادارة الجماهير في كل مكان وان يكون قادراً على المواجهة ولا يكون فيه متحيزاً وان يكون في محتواه صادقا معبرا عن حقيقة مايدور حوله وليس ما يملى عليه ان يكون منبثقا من أعماق الضمير , أرى ان الاعلام سلاح يجب ان يستثمر في الطريق الصحيح , فتقع عليه مسؤولية كبيرة من جهة توعية الافراد ونقل الحقائق والوقائع دون زيادة أو نقصان وكذلك نشر العلم والمعرفة والاشراك في القضايا الاجتماعية وباعتقادي هذا ما ليس موجودا في الاعلام , ان توفر هذه الحرية لايعني سوء استغلالها , بل يجب ان تكون حرية مسؤولة وإلا غدت الصحافة منعا للكذب والتلفيق لأن الاعلام الحر دليل صحة وعافية في المجتمعات الديمقراطية وغيابها دليل قاطع على غياب الديمقراطية والحريات العامة وخصوصا وكما هو معروف ان مشكلة حرية الاعلام وليدة مشكلة الديمقراطية وانه لايمكن حل الاولى ما لم تحل الثانية بشكل نهائي وماعرضناه سابقا يؤكد لنا وبما لايدع مجالا للشك ان الهامش القليل من الحرية صار في خبر كان .
القول بأن هناك اعلاما موضوعيا او مستقلا مئة في المئة قول ينطوي على ادعاء باطل لاشك فيه فيمكن تحقيق شيء من الموضوعية او الاستقلال ولكن ليس الاستقلال التام ليس فقط لأسباب ترجع الى الممول والجهات الخفية التي تحرك الجميع , لكن لأن الاعلام يتأثر بمتغيرات المجتمع من حولنا سواء كانت سياسية او اقتصادية او عقائدية والاعلاميون عليهم مسؤولية اجتماعية وسياسية , وتحكمهم الظروف التاريخية فالحياد المطلق غير موجود فلا أحد يستطيع ان يتخلى عن ديانته أو انه عربي أو مسلم أو مسيحي أو يهودي أو بوذي أو هندوسي .. الخ فالحياد الموضوعي غير موجود . يمكننا القول ان مسألة الموضوعية بشكل عام تكاد تكون مستحيلة ولكن البعض يحاول ويجتهد ان مثل هذه الموضوعية غير موجودة إلا في أذهاننا نحن أما هم ( الغرب ) فانهم يعلمون عدم امكانية تحقيق هذه الموضوعية المطلقة بمعنى آخر ان الموضوعية التي نتحدث عنها نحن هي مجرد تصور وهي في اذهاننا نحن أما هم فلا يصدقون وجود هذه المصداقية او الموضوعية .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!