الأثنين 18 ذو القعدة 1378 و.ر 25 من شهر التمور 2010 ف العدد 5331
سياسة
اليسار في أمريكا الجنوبية يعيد الاعتبار إلى قيم الحرية والعدالة والمساواة
* سليم يونس
عندما انهار الاتحاد السوفيتي وتلاشى معه مسمى دول المنظومة الاشتراكية كقلعة من رمال ، ومن ثم انتقال تلك الدول إلى مواقع اليمين الاجتماعي والفكري والسياسي ، من خلال تبنيها للنموذج الرأسمالي ، نموذج القهر والاستغلال وتحكم رأس المال ، سارع منظرو النظام الرأسمالي إلى القول أن النموذج الرأسمالي قد انتصر في المباراة بين الرأسمالية والاشتراكية .
نموذج جديد
ووسط الفوضى التي أحدثتها الصدمة الفكرية التي أعقبت ذلك الانهيار على الأقل لدى أنصار الاشتراكية ، غاب السؤال الأساسي ، هل هذا الانهيار سببه قوة وصلاحية النموذج الآخر ، أم أن ذلك بسبب عجز الأدوات البيروقراطية التي تبنت النموذج الأول ، والتي مارست خداع الذات والآخرين ، فكانت النتيجة أن انهارت وانهار معها النموذج الذي كان يَعِدُ الإنسان بكل ما هو خير وتقدمي وإنساني ، في مواجهة تغول رأس المال.
ولذلك اعتقد البعض ممن كانت قناعاتهم هشة ، أن الرأسمالية قد انتصرت نهائيا ، وأن الاشتراكية لن تقوم لها قائمة بعد ، إلا أن أواخر العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من هذه الألفية شهدا حراكا سياسيا واجتماعيا متسارعا ، خاصة في أمريكا اللاتيينة والجنوبية ، يقول بعكس ذلك ، وأهمية ما جري في تلك الدول أنه تم في ما كان يسمى « الحديقة الخلفية « للولايات المتحدة الأمريكية التي استعجل مفكروها ؛ ومنظروا نظامها كثيرا في الاحتفال بانتصار نموذجهم الرأسمالي .
ومن ثم لا يمكن للمراقب إلا أن يلحظ الأهمية البالغة لما يجري من حراك سياسي واجتماعي واقتصادي لشعوب أمريكا اللاتينية ، باتجاه المواقع التقدمية الإنسانية ، التي طالما حاولت قوى التسلط والقهر الداخلية وقوى الهيمنة الخارجية وأدها ، عبر سياسات قمع الحريات والإفقار الجماعي وتسلط الفئات التابعة التي أنتجتها الشركات العابرة للحدود ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي كانت أمريكا اللاتينية والجنوبية قد شكلت منطقة عملها بامتياز ، باعتباره دعوة إلى إعادة قراءة نظرية نهاية التاريخ ، ومدى صدقية انتصار النموذج الرأسمالي باعتباره النظام الوحيد الصالح للبشرية .
في استحضار مبدأ مونرو
ولا يمكن هنا تجاهل أن ما جرى ويجري من إعادة الاعتبار للاشتراكية في أمريكا اللاتينية والجنوبية ، إنما أتي من خلال تنامي قوى اليسار الشعبي وتسلمه لمقاليد الحكم في العديد من تلك الدول ، وبالضد من رغبة وإرادة الولايات المتحدة الأمريكية ، بل وعلى وقع الرفض لسياساتها ، وهو الأمر الذي شكل منعطفا هاما في السياسة الدولية ، خاصة بعد « تهشم « النموذج « السوفيتي الكلاسيكي « ، وتكريس الولايات المتحدة كقوة أولى ووحيدة في العالم بعد انهيار المعسكر السوفيتي بذلك الشكل الدراماتيكي .
ومن ثم فإن أهمية ما يجري في أمريكا اللاتينية والجنوبية من حراك هو في كونه قد جاء في وقت كانت فيه الولايات المتحدة في قبضة إدارة أمريكية ،هي الأكثر معاداة لآمال وطموح الشعوب في التحرر ، ليس في أمريكا اللاتينية فحسب ، بل في شتى بقاع الأرض، حيث كان المحافظون الجدد يعملون على رسم خريطة العالم وفق النتائج التي أسفرت عنها الحرب الباردة ، بانتصار ما يسمى بالمثل الرأسمالي والقيم الليبرالية على حساب قيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية . وقد ضاعف من وقع ما جرى أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت دوما تعتبر أمريكا اللاتينية « حديقتها الخلفية « ، باعتبارها نوعا من الملكية الخاصة ، سكن ذلك العقل الأمريكي عبر « مبدأ مونرو» الذي يمكن تلخيصه في كلمتين « أمريكا للأمريكيين « ، ولكن أي أمريكيين ؟!! لتبقى تلك القارة وقفا على الولايات المتحدة دون غيرها .
وهذا المبدأ يعني في جوهره تبني الولايات المتحدة مفهوما واسعا للمصلحة ، ليتم استخدام ذلك المبدأ كغطاء واسع لسياساتها ، بأن حاولت من خلاله جعل أمريكا اللاتينية والجنوبية منطقة نفوذ خاص لها ، تنطبق عليها صفة المحميات الأمريكية ، فاستخدمت تجاهها سياسة العصا الغليظة لقهر شعوبها .
وسياسة التدخل هذه مثلت سياسة مستمرة قام بها الرؤساء الأمريكيين تحت شعار الدفاع عن المصالح الأمريكية الواسعة وغير المحدودة في مناطق أمريكا اللاتينية والجنوبية، وهي سياسة ممتدة في التاريخ الأمريكي تجاه تلك الدول ، مما دفع بالقائد الفنزويلي سيمون بوليفار إلى التعبير عن ذلك في 17/12/1830 بقوله « يبدو أن الولايات المتحدة قد عينتها السماء من أجل قهر أمريكا اللاتينية باسم الحرية « .
وبسبب من ذلك حاولت شعوب أمريكا اللاتينية والجنوبية على مدى قرنين من الزمان ، عبر محطات مختلفة عديدة ، التخلص من النفوذ والهيمنة الأمريكية ، فكان أن مثلت الثورة الكوبية أحد النقاط الهامة في سفر الثورة والحجر الأساس في هذا التوجه نحو مغادرة ذلك الواقع الذي تحاول أمريكا فرضه على شعوب تلك المنطقة ، ليشكل من بعد الثائر تشي غيفارا مثلا ونموذجا لبعث الثورة من جديد بين شعوب أمريكا اللاتينية والجنوبية ، والتي تشكل امتدادا للإرث الثوري للقائد الفنزويلي سيمون بوليفار ، الذي قاد عام 1830 الثورة التحررية الوطنية من أجل تحرير وتوحيد شعوب القارة .
إعادة الاعتبار لقيم العدالة
وعلى الرغم من الإخفاقات التي عانت منها قوى اليسار في أمريكا اللاتينية في العقود الأخيرة من القرن الماضي بفعل قوة النفوذ والهيمنة الأمريكية ، من خلال التدخل العسكري المباشر وغير المباشر ، إلا أن ذلك النفوذ بدأ بالانحسار بفعل عوامل موضوعية ، لتشهد القارة الأمريكية الجنوبية ، وصولا لقوى اليسار الشعبي إلى مقاليد السلطة عبر الانتخابات ، بعد أن كانت الإدارة الأمريكية تقف عائقا أمام ذلك .
وربطا مع التاريخ يمكن هنا اعتبار صعود اليسار في أمريكا اللاتينية عبر النضال السياسي هو امتداد لتجربة سلفادور الليندي في تشيلي التي ارتكزت على الانتقال للاشتراكية عبرالنضال الديمقراطيي وتحقيقها من خلال التعددية السياسية ، والتي كان من نتيجتها فوز الليندي عبر صناديق الاقتراع في عام 1970 من خلال تحالف ثوري, وقاد نظاما منحازا لجماهير الشعبية ، سجل خلاله نهاية لسطوة الاحتكار الرأسمالي المحلي وكسر للهيمنة الأمريكية ، وذلك عبر تأميم مناجم النحاس والحديد والبنوك الأمريكية. وعندما تصدت الجماهير بعناد للدفاع عن مكاسبها وسقطت كل المحاولات السياسية لإسقاط برنامج سلفادور الليندي لجأت الرجعية المحلية لتنفيذ إنقلاب عسكري قادة بينوشيه بمساعدة أمريكا.
ومن الواضح أن خبرة الشعوب قد راكمت خلال تلك السنوات تجربة مكنتها بعد ذلك من إنجاز هذا التحول الديمقراطي والذي ما كان له أن يحدث دون وعي الجماهير لمصالحها ، ومن يعبر عنها ، وقد ظهر هذا النضوج والوعي في التجربة الفنزويلية عندما وقفت الجماهير مدافعة عن مصالحها الحقيقية وتصدت للإنقلاب الذي دبرته أمريكا لإسقاط حكومة تشافيز منذ سنوات ، فخرجت الجماهير الشعبية وحاصرت القصرالرئاسي حتى تراجع الانقلابيون.
وذلك يعني أن الأكثرية الكادحة وعت أنها لن تنعم بالرخاء إلا من خلال برنامج يتوجه لحل قضاياها ويوقف النهب الذي تمارسه أمريكا وأدواتها لثروات المنطقة. وتؤكد الشواهد أن رهانهم على توجهات تشافيز رغم التعثر بسبب الحصار الأمريكي لم تخب ، فبنيت المدن لتحل محل مجمعات الصفيح وأممت الكهرباء والهاتف ونفذت برامج محوالأمية. ولإنهاء الهيمنة الأجنبية أمم تشافيز شركات خدمات النفط وشركات إنتاج الحديد ، وبفضل الوقفة الصلبة للجماهير فاز تشافيز في الإنتخابات للمرة الثانية بأغلبية مكنته من إعلانه للدولة الإشتراكية عبر البرلمان.
ولعل السؤال هنا هل يمكن تصور انتخاب أو إعادة انتخاب الرؤساء اليساريين دون توفر هذه الحاضنة الشعبية ؟ ، التي هي في محصلتها عبارة عن مد تغلغلت جذوره في وعي الجماهير ، ويؤكد أن المسألة ليست مجرد حماسة يقودها زعماء راديكاليين وإنما هو انحياز الجماهير لمصالحها بعد سنوات طويلة من القهر والحرمان.
ميزة تنوع اليسار
ومع ذلك فإن القراءة المتأنية لما يحدث في أمريكا اللاتينية والجنوبية ، تقول بأن حركات النهوض الثوري في أمريكا اللاتينية والجنوبية قد اتسمت بالتنوع ، كون التجارب لم تكن متماثلة تماما ، وهذا يعني إثراء مضاعف لهذه التجربة التي أعادت الاعتبار مجددا لقيم الحرية والعدالة والمساواة .
ولا شك أن هذا التحول التقدمي الجاري في أمريكا اللاتينية والجنوبية عبر صناديق الاقتراع ، ووصول تيار التغيير «العريض» في هذه القارة إلى سدة الحكم، يطرح الكثير من العبر والدروس للأمريكيين وغيرهم أيضاً، وعنوانها كيفية الوصول إلى السلطة انتخابياً.. وتزداد أهمية هذه المتغيرات في قارة صنفت حتى وقت قريب بـأنها كانت «الحديقة الخلفية» لواشنطن هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن هذه التحولات تجري في ظل غياب الثنائية القطبية وتفكك الاتحاد السوفييتي.
فالتغيير الذي شمل، حتى تاريخه، غالبية دول أمريكا اللاتينية والجنوبية أوصل تحالف أحزاب اليسار بتلاوينه المختلفة إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية عبر جبهات عريضة ضمت أحزاب اليسار ويسار الوسط والقوى والرموز الديمقراطية والتقدمية.. وانعكس هذا التحول على التوجهات الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان لصالح الطبقات والفئات الأكثر اتساعاً أولاً، وعلى طبيعة علاقاتها الخارجية القارية والدولية ثانياً، وصولاً إلى قيام تحالفات وروابط مستقلة لقوى التغيير والتقدم في القارة، خلافاً لحالة الارتهان والتبعية لسياسة البيت الأبيض الأمريكي التي لازمت أنظمة هذه الدول عقوداً طويلة.. ففي الوقت الذي كانت فيه الغالبية الساحقة من الأنظمة الحاكمة في أمريكا الجنوبية واللاتينية ترتبط بعلاقات تبعية للإدارة الأمريكية ونهجها، ومثلت الدول المناوئة لواشنطن أقلية قليلة، أصبحت خلال عقد ونصف العقد الغالبية الساحقة من بلدان القارة إما مناوئة ورافضة لنهج الارتهان للإدارة الأمريكية، أو مطالبة بعلاقة متكافئة ومتوازنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وهذه البلدان. ومثال ذلك إعادة انتخاب قائد الجبهة الساندينيستية دانييل أورتيجا لرئاسة نيكاراجوا بعد ستة عشر عاما من الإطاحة به من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سواء بالتدخل المباشر أو عبر عصابات الكونترا التي وفرت لها أمريكا كل إمكانات الدعم العسكري واللوجستي من خلال دولتي هندوراس وكوستاريكا ، لتحاول حينها ضرب فكرة وحلم التحرر من النفوذ والهيمنة الأمريكية وأنظمة الحكم الدكتاتورية التابعة ، ليعيد الاعتبار للقوى الشعبية ويفتح نافذة للحلم والحرية ليس في أمريكا اللاتينية فحسب ، بل وأمام العديد من شعوب العالم .
وإذا كان ما جرى في نيكاراجوا ، قد شكل إضافة نوعية في مغزاها ، تضاف إلى سلسلة النجاحات التي تحققت في العديد من دول أمريكا اللاتينية الأخرى في العقد الأخير ، فإنها تأتي في سياق تنامي القوى ذات التوجهات التقدمية الإنسانية التي تهدف إلى إرساء قيم الحرية والعدالة الاجتماعية ، بعد أن عملت الولايات المتحدة خلال عقود من السيطرة على مقدرات تلك الدول في منع التطورات الإيجابية في التحرر والاستقلال التي تصب في مصلحة تلك الشعوب ، وذلك من خلال دعم الانقلابات العسكرية والتزوير والغزو على اعتبار أن مصلحة أمريكا تعلو كل مصلحة .. ومن ثم لا يمكن الحديث عن النفوذ والهيمنة الأمريكية ، إلا وأن يتم إعادة استحضار المشهد الدامي الذي نفذته الإدارة الأمريكية وأجهزتها وعملاءها في تشيلي منذ أكثر من ثلاثة عقود ، من أجل إسقاط النظام اليساري وقائدة سلفادور الليندي الذي وصل إلى سدة الرئاسة عبر انتخابات ديمقراطية ، وذلك من خلال الطغمة الفاشية في المؤسسة العسكرية التشيلية .
ورغم ذلك استطاعت تشيلي كما نيكاراجوا أن تنتصر للقيم التي ضحى من أجلها اليسار التشيلي وقائده ، وأن تطوي صفحة النظام الفاشي ، بل وأن تقدم قائدة الجنرال بينوشيه إلى العدالة كمجرم ، في الوقت الذي قام فيه الشعب التشيلي بانتخاب قوى اليسار بزعامة السيدة ميتشيل لتولي المسؤولية الأولى في تشيلي.
نموذج كوبا وفنزويلا
وهذا الذي يتم في أمريكا اللاتينية ، لا يمكن عزلة عن الدور الذي مثلته فنزويلا وقائدها تشافيز ، أو الإرث الثوري للنموذج الكوبي الصامد في وجه الحصار ، ومع ذلك فقد مثلت فنزويلا رافعة ومثلا للعديد من الشعوب والدول في أمريكا اللاتينية والجنوبية ، بعد أن استطاع الشعب الفنزويلي أن يحبط عام 2002 المحاولة الأمريكية للتدخل في الشؤون الداخلية الفنزويلية عبر القوى اليمينية ، وبعض أركان المؤسسة العسكرية الإطاحة بالنظام الثوري في كاراكاس الذي اشتق سياسة مستقلة مناهضة للتدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية لشعوب أمريكا اللاتينية ، لتبقى إرادة الشعوب أقوى من التسلط الأمريكي .
ومع ذلك فقد بدا واضحا أن التطورات المتنامية لحركة الشعوب في أمريكا اللاتينية والجنوبية ، إنما تعكس اتجاها شعبيا عاما يتعدى الدولة الواحدة ليشمل كل فضاء أمريكا اللاتينية والجنوبية ، ويتمثل في مناهضة الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية ، وهو من ثم ناقم على كل ما تحاول التبشير به أو فرضه ، بما يعنيه ذلك من رفض للعولمة كونها في الجوهر ضد جماهير الفقراء أينما كانوا، فالسياسات الأمريكية التي لم تستطع أن تنال من الجزيرة الصغيرة كوبا طوال عدة عقود ، رغم الحصار والتآمر ، إنما أكدت وتؤكد عقم سياساتها ، بعد أن بدأت العديد من الشعوب تظهر عداء واضحا للسياسة الأمريكية ، التي مارست القهر والإفقار لتلك الشعوب على مدى قرنين من الزمان ، ومع أن الولايات المتحدة نصبت من بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نفسها حاكما عالميا ، إلا أنها فشلت في تسويق نموذجها الليبرالي لدي شعوب المنطقة التي كانت تعتبرها حديقتها الخلفية ، وذلك من خلال إعادة إنتاج مبدأ مونرو في شكل جديد عبر الدعوة على إقامة سوق مشتركة تكون واشنطن محورا لها ، إلا أن القوى اليسارية في أمريكا اللاتينية واجهت تلك الدعوة ، بالتوجه نحو التعاون الإقليمي بين دول أمريكا اللاتينية بمعزل عن أي مشاركة أمريكية .
ضد العولمة وسياسة القوة
بل إن سياسة التعاون بين الدول اليسارية التي وصلت إلى السلطة تمكنت من محاصرة سياسة صندوق النقد الدولي الذي يمثل ذراع وزارة الخزانة الأمريكية و تخليص الأرجنتين من عبوديته ، بعد أن تم شراء الدول اليسارية لسندات خزينة بالمليارات، وهو الذي أعلن قبل سنوات قليلة عدم قدرة الأرجنتين على سداد ديونها ، ولتسدد تلك الدول بذلك ضربة موجعة للسياسة الأمريكية عبر صندوق عبودية الشعوب «مرابي العصر الحديث « ، الذي لا يعدو أن يكون سوى مجرد اسم لسلاح الهيمنة الأمريكية .
وهذه الرؤية السياسية الناضجة لتلك القوى في أمريكا اللاتينية والجنوبية كشفت مأزق السياسة الأمريكية المتمثل في نظرية القوة « الهوبزية « التي كان قد تبناها المحافظون الجدد ، بعد أن استفحل حضورهم في الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن ، وهي السياسية التي أثبتت عقمها الكامل في معالجة العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية، والجنوبية لتتوالى إخفاقات واشنطن ، وتتنامى في أمريكا اللاتينية بالمقابل ظاهرة قوى اليسار الشعبي الجديد التي اكتسبت شعبيتها والتفاف الجماهير حولها على خلفية موقفها المناهض للسياسات الأمريكية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
وتشير المعطيات أن أمريكا بدأت تخسر وبشكل متواتر نفوذها التي كانت تفرضه كرها في أمريكا اللاتينية في ظل تنامي الشعور بالعداء للسياسة الأمريكية بين تلك الشعوب التي استطاعت أن تنتصر لذاتها، وتكتشف زيف « الليبرالية الأمريكية « وهو الأمر الذي دعا المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي إلى القول إن هناك أفول للثقافة « النيو ـ ليبرالية « التي تبشر بها أمريكا .
حواة الإدارة الأمريكية
إن قوى اليسار الشعبي في البرازيل والأرجنتين وفنزويلا ، والأرجواي وبوليفيا وتشيلي ونيكاراجوا ، والإكوادور تستهدف وضع الفقراء من الناس في دائرة الضوء ومعالجة قضايا الفقر والرعاية الصحية ، بما يعني ذلك من الصدام مع حفنة محدودة من الشركات الاقتصادية والطغم المالية التي تم إنتاجها في تلك الدول تحت الرعاية الأمريكية ، وهو الأمر الذي يؤدي إلى المواجهة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع واشنطن .
ولأن واشنطن اليوم ليست واشنطن الأمس ، بعد كل تلك التغيرات الدولية التي عصفت بالعالم بعد انتهاء الحرب الباردة ، الأمر الذي جعل وبشكل موضوعي قبضة الأنظمة العسكرية والدكتاتورية في أمريكا اللاتينية تضعف وتتهاوى، بما يعنيه ذلك من رفع الغطاء الفج والدعم السافر من قبل واشنطن عن تلك الأنظمة، حيث تسنى لشعوب القارة لأول مرة في تاريخها أن تقرر خيارتها المستقبلية ، حيث أعلنت غالبيتها رفضها للعولمة ، التي تعني الهيمنة الأمريكية ، ويحدث الانعطاف نحو اليسار في غضون سنوات قليلة بتجلياته الراهنة ، ليبدأ من بعدها بداية أفول الهيمنة الأمريكية وصعود قوى اليسار الشعبي في العديد من الدول .
وهو الصعود الذي لم يستطع كل حواة الإدارة الأمريكية من المحافظين الجدد في الإدارة السابقة وقفه ، رغم محاولة تلك الإدارة الأمريكية إحياء مبدأ مونرو بإعادة أمريكا اللاتينية قرنين من الزمان إلى الوراء ،إلا أن ذلك التوجه قد قابلته إرادة وفعل أمريكي لاتيني شكل محوره الأساس الرئيس الفنزويلي الذي دعا إلى تمتين التعاون الإقليمي بين دول أمريكا الجنوبية بمعزل عن أي مشاركة أمريكية .
وبعد
من الواضح أن دول أمريكا الجنوبية تشتق نموذجا يساريا تقدميا جديدا ، لا يتكئ كثيرا على الأيديولوجيا والأفكار المعلبة ، بقدر ما أنتج آلياته الخاصة به ضمن ظروفه الذاتية وشروط الزمان والمكان ، التي استطاع من خلالها أن يشكل بؤرة ضوء ، ليس لفقراء أمريكا اللاتينية والجنوبية وجماهيرها الشعبية بفلاحيها وعمالها ومثقفيها ورأسماليتها الوطنية غير التابعة وحسب ، بل إن تلك الدول أرست تجربة إنسانية يجب أن تستفيد منها الكثير من شعوب العالم في مواجهة أدوات القهر والتسلط ومصادرة إنسانية الإنسان .
مشـروع قانون رفع سن التقاعد
لعبة عضّ الأصابع بين ساركوزي والطلاب والنقابات
كذبة خروج القوات الأمريكية من العراق
الوطن العربى الكبير
مابين عوامل الانكسار.... ورد الاعتبار
وجهة نظر
شراكة استراتيجية عربية أفريقية
هل يتحررون من التبعية ويبنون الوحدة العربية ؟
العرب بين تراجع المشروع القومي.. وتكريس الدولة القطرية
القمة العربية الأفريقية
الفضاء العربي الأفريقي المحقق
مع الأحداث
كذبة خروج القوات الأمريكية من العراق
انطلاقتان جديدتان.. عربية ـ عربية ، عربية ـ أفريقية
فصل المقال
دروس تاريخية في نقد الذات
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الأثنين 25/10/2010
12:54 الظهر 15:58 العصر 18:26 المغرب 19:47 العشاء 05:54 فجر غداً 07:19 الشروقحالة الطقس
22 طرابلس 21 بنغازي 26 سبها 24 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!