عولمة الخوف وشرعية الغاب المرتقبة

عولمة الخوف وشرعية الغاب المرتقبة بدو ان العالم يعيش الآن فى خضم ترتيبات دولية جديدة ذات ابعاد متباينة ومختلفة من شأنها ان تقربنا اكثر من تجليات ومضامين غير واضحة وغير مرئية فى منظومة النظام الدولي الراهن والذى تنفرد بزمام اموره الولايات المتحدة الام

عولمة الخوف وشرعية الغاب المرتقبة


بدو ان العالم يعيش الآن فى خضم ترتيبات دولية جديدة ذات ابعاد متباينة ومختلفة من شأنها ان تقربنا اكثر من تجليات ومضامين غير واضحة وغير مرئية فى منظومة النظام الدولي الراهن والذى تنفرد بزمام اموره الولايات المتحدة الامريكية وهى ترتيبات سبق وان اميط اللثام عن بعض ملامحها وذلك عندما فرضت العولمة المأمركة على العالم فرضاً اشبه بعقد زواج ملعون فرض بسلطة الاجبار والقسر المادى على سكان قريتنا الكونية الحديثة التأسيس حيث بدأت تلوح فى الافق بوادر وابعاد سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية تكشف فى مجملها عن جوهر مخطط امبريالى جديد فى مظهر وصورته وقديم فى مضمونه ونواياه الهادفة لتحقيق وتعزيز رغبات ومصالح توسعية مالبت ان اخذت مسارها التطبيقى العملي حتى اصطدمت بموجات الرفض الشعبى العارم والتي عبرت عن حنقها وغضبها ومللها من مثل تلك الحيل والمكائد الامبريالية القذرة فكان من الطبيعى جدا ان يترجم ذلك الغضب لردود فعل رسمية عدة لعل ابرزها ذلك الرد اللطيف والمهذب والذي تمثل فى طرد امريكا راعية الديمقراطية الليبرالية من لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة ولردود فعل غير رسمية وارفة كان آخرها متجسداً فى ما يسمى باحداث الثلاثاء الاسود .

احداث 11/9 والتي ان كانت سوداء فانها بالتأكيد لاتزيد فى غبشها وحلكة ظلامها الدامس عن احداث 15 الطير 86ف فى ليبيا أو احداث زعزعة استقرار وامن الشعوب فى العراق والصومال والسودان وكوبا وبنما وكوريا وفيتنام وغرينادا وصربيا وغيرها من شعوب التي طالما عانت من وباء التسلط والتعجرف الامريكى الغاشم..

وبعيداً عن تفاصيل احداث 11/9 فان الكثيرين كانوا يتوقعون ان ترضخ الولايات المتحدة الامريكية للمنطق العقلاني الذي فرضته حتمية تاريخية تؤكد على ان هيمنة دولة واحدة على زمام الامور في العالم وقيامها بزعزعة استقراره وأمنه ماهي الا مجرد محطة وجيزة وكئيبة يمر بها قطار التاريخ الذي طالما تخلص من محطات عسف وجبروت الحكم الامبراطوري والحكم الاستعماري وتمكن من تجاوز جل المطبات التي اصطنعتها أنظمة الظلم والقهر والهيمنة , فالبقاء لن يكون للأقوى بل سيكون للأنقى وللأكثر تقبلاً لمفاهيم الاستقرار والعدل والسلم وللأكثر تفهماً واحتراماً لخصوصية وثقافة الاخر وللأكثر مراعاة للاخلاق والمعاهدات والمواثيق الدولية خاصة تلك التي تسير وتنظم العلائق الدولية بمختلف انماطها واطوارها المتعددة , هكذا هي حكمة التاريخ وهكذا كنا ننتظر ان تكون احداث 11/9 بمثابة المفتاح الذي يتمكن من خلاله الساسة الامريكان من فتح صندوق الحقيقة الآنفة ولكن وآسفاه على دولة لم تستوعب بعد معطيات وبديهيات منطق التاريخ , دولة بدلاَ من ان تستفيق من غفوتها ومن عنجهيتها ومن احلامها الامبريالية المرصعة باليوتوبيا والطوباوية الكاذبة والمزيفة , نجدها تصر من جديد على التلاعب بترتيبات الامن والاستقرار في العالم محاولة في ذلك الاستفادة من تداعيات احداث 11/9 وهي محاولة تذكرنا بالقول العربي المأثور ( رب ضارة نافعة ) , فالولايات المتحدة الامريكية التي لم تكتشف بعد ان الاحداث الانفة ما كانت لتحدث لولا اصرار ساستها على التلاعب بمتغير الأمن والاستقرار الدولي وعلى الإنتهاك السافر لسيادة وخصوصية شعوب دول العالم , تحاول الآن عولمة الخوف بين شعوب العالم وإضفاء صيغة أمريكية صرفة على مفهوم الشرعية الدولية , وذلك عبر سعيها الحثيث لنقل وتعميم حالة الخوف والذعر التي تختلج الاوساط الرسمية وغير الرسمية في امريكا لمختلف انحاء العالم , وعلى كل حال فإنه بالإمكان رصد أهم التجليات العملية لتلك المحاولة من خلال مؤشرات عدة منها على سبيل الذكر لا الحصر :-

1- حالة الذعر والخوف التي انتابت دول العالم عقب احداث 11/9 وتبلور تلك الحالة فى شكل اجراءات امنية صارمة اتخذها الكثير من دول العالم خاصة تلك التي يعتبرها الخبراء والمحللون فى منأى عن احداث مماثلة أو شبه مماثلة لاحداث 11/9 .

2- انتشار حالة من الخوف والذعر بين الاوساط الشعبية غير الرسمية وهي حالة تتجسد عملياً فى موجات القلق والتوتر التي انتابت معظم شعوب العالم من جراء اكتشاف حالات معدودة من المصابين بجرثومة الجمرة الخبيثة فى امريكا وهى عموماً موجات قلق وتوتر تعكس لنا مدى عمق وتناقض استراتيجية عولمة الخوف ففى الوقت الذي تم فيه تعميم انباء الجمرة الخبيثة كانت المصادر تشير لاستفحال امر حمى القرم والكونغو الشبيهة باعراض مرض الايبولا بين المئات من اللاجئين المتواجدين على الحدود الافغانية الباكستانية كما ان المصادر كانت تشير ايضاً لاستفحال مرض الايدز ومرض السرطان فى العديد من القارات وبين العديد من شعوب ودول العالم .

3- انتقال حالة الخوف والفزع من الاطار الرسمى القطرى (على مستوى الدولة) الى الاطار الرسمى الاقليمي حيث اتخذت عدة لجان ومجالس وهيئات امنية لتكتلات وتحالفات اقليمية عدة اجراءات امنية مشددة من اجل مواجهة الارهاب وذلك فى الوقت الذي لم يتفق فيه العالم بعد على ماهية محددة أو على مفهوم محدد لمصطلح الارهاب .

4- شمولية حالة الخوف والفزع وانتقالها من الوسط السياسى الى اوساط اخرى ومنها على سبيل المثال ( الوسط الاقتصادى ) حيث بتنا نسمع عن ترقب مجزم لحالة انهيار اقتصادى عالمى يسبب أحداث 11/9 وحالة الركود التي يعاني منها الإقتصاد الأمريكي, و((الوسط الرياضي)) حيث اتخذت في سياق ترتيبات عولمة الخوف كل من كوريا واليابان وهما الدولتان اللاتان ستقومان بتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2002 ف .

وعلى كل حال فإن المؤشرات الأنفة لعولمة الخوف قد ترافقت مع محاولة أمريكية مكشوفة تهدف لاستبدال الشرعية الأمريكية, فبعد سنوات عدة من التمهيد والإعداد لدمج العالم في ترتيب علائقي دولي يعد حيوياً وهاماً جداً لصانع القرار الأمريكي بأعتبار إن حلم التوظيف العملي الشامل لمفهوم (( الشرطي الأمريكي العالمي )) لن يتحقق إلابوجود شرعية تتناسب مع أهواء وأهداف ذلك الشرطي والذي ومن منظور أمريكي براغماتي من المفترض له أن يلعب دوراً محورياً ومركزياً في إطار مايسمى بالنظام العالمي الجديد ..وعلى كل حال فإن نظرة فاحصة في خصائص والملامح التالية :¯

1- إنها شرعية ديماغوجية فوضوية تماثل تماماً شرعية الغاب المبنية على منطق هيمنة القوى على الضعيف .

2- إنها شرعية ذات منطلق وأطمع توسعية أمبريالية تغذيها مصالح الطبقة البرجوازية المهيمنة في النظام الرأسمالي الليبيرلي الأمريكي.

3- إنها شرعية مصلحية مزااجية تخضع لمصالح وأهواء صانع القرار الأمريكي الشيء الذي يضفي عليها الصبغة الدكتاتورية الإستبدادية.

4- انها شرعية لا اخلاقية تنعدم فيها المساواة بين الدول ولاتضع وزنا لمفاهيم السلم والامن الدوليين..

5- انها شرعية تلفيقية متوشحة بمنظومة من القيم والشعارات البراقة التى تحاول من خلالها امريكا الحصول على رضا وقبول حكومات ودول ومنظمات العالم .. فاننا نؤكد على اهمية تدارك مثل هذه الترتيبات واعطائها الحيز الاكبر من الانتباه والتأمل والتحليل واتخاذ التدابير والاجراءات اللازمة حيالها سواء كانت تلك التدابير على مستوى الوحدة السياسية (الدولة) أو على صعيد الفضاءات والتكتلات الاقليمية أو على الصعيد العالمي .

عزالدين عبدالعاطي اللواج

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط