حديث
الاثنين
الحديث الخامس
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
في القضية التاريخية
قراءة فى كلمة الاخ قائد الثورة فى
العيد
الخامس والعشرين لقيام سلطة الشعب
ان الحديث عن القضية التاريخية يستدعي بالضرورة الوصول الى مفهوم للتاريخ وان كنت اقرر سلفاً التاريخ شأنه شأن الكثير من الاسماء خاصة تلك التى ترتبط بالعلاقات بين البشر أو بالموضوعات القيمة تقف دائماً مشكلة عويصة امام التحديد والاتفاق لان مفاهيم ذاتية قد تلعب دوراً فى عدم ايصالنا الى تفاهم موضوعى يقنع على الاقل الراغبين فى التفاهم بالاخذ ولنا ان نؤكد ان عدم الاتفاق على مرجعية ( موضوعية ) أو شمولية هو وراء عدم الوصول الى تعريف للمصطلحات فى اكثر الاحيان ويظل المحدود الذاتى هو الذى يلعب دوره دائماً فى الخلاف حتى اذا ما تم ظاهريا الوصول الى تعريف فانه في اكثر الاحيان يكون تحت تأثير الضغط والاجبار والاكراه الذي لايلبث ان يرفض اذا زال التأثير فتعود المشكلة من جديد وربما بشكل اكثر تعقيداً وقد تحولت المشكلة الى جملة من الاشكاليات اى الى مشاكل اخرى تتفرع عن هذه المشكلة الرئيسة والتاريخ كما اشرت احد هذه المصطلحات التى لم يتم الاتفاق حولها لانها ترتبط مباشرة بالموقف من التاريخ اصلاً على الرغم من توهم البعض ان لا خلاف فى تعريف التاريخ فحتى المختصون قد يعرفون التاريخ بانه ما مضى من الاحداث وهذا الرأي هو وراء الموقف الماضوى من حركة التاريخ وهو الموقف المعادى للتاريخ باعتباره حركة لاتعرف القهقرى .
بالضرورة ستتم تغطية هذا الموقف الميت بستار السلفية والسلف الصالح وقد رأينا نظريات بل وامما تتبنى هذا الادعاء تحت وطأة الاحباط وعدم القدرة على التقدم في التاريخ حيث تتم تغطية ذلك بحجب من الوهم قد تعلب دوراً فى خداع القائلين بها فاى منا لايحب سلفه خاصة اذا كانوا صالحين لا احد بالتأكيد سيقول بذلك الا ان حب السلف غير السلفية فالسلفية كما اشرت موقف من حركة التاريخ انها تماماً مثل تقع تماماً فى ذات الخلط الذى يتم بين الواقع والواقعية فنحن ندرك ان فى حركة التاريخ واقعاً وهو الذى وقع أو الذى يقع اما الواقعية فهى موقف من حركة التاريخ ذاتها اى اعتبار التاريخ فقط الان وهو ما نرفضه لانه يتعارض وابسط مفاهيم الفعل والزمن والحركة , نذكر ان اصحاب الموقف الماضوى اضافة الى التستر برداء السلفية كثيراً ما يصفون ما مضى باعتباره العصر الذهبى أو انه يقع موقع الصدر فى الجسم .
ان خطورة هذا الموقف علاوة على عدم قدرته ان يقف امام صيرورة الحدث التاريخى وسيرورته انه يحاول ان يقنعنا ان جزئية الحدث التاريخى بالامكان ان تشكل مطلقاً تاريخياً ومن هنا يلبس السلف الموصوفون بالصلاح كساء
(المقدس) اى يتحولون الى ( تابو ) ليس من السهل الاقتراب منه أو مجرد التفكير فى ذلك .
ان اولى خطوات الثورة البدء بالثورة على منهج التفمير القديم وان كانت هذه الثورة لاتنكر المتحقق من التاريخ ( الماضى ) ولاتنكر لما قام به الآباء والاجداد ولكن فى رفض ان يكون هؤلاء المطلق الذي يقاس عليه تحت شعارات
( لاجديد تحت الشمس ) , و( ما ترك الاول للاخر ) أو كما يقول عنترة العبسى ( هل غادر الشعراء من متردم ) فالتاريخ وان كان لم يبدأ من جديد فهو يظل دائماً يأتى بالجديد .
من هنا فان امة تريد ان تنهض لابد لها من جدلية في التفكير بالامكان ان تخلق هذة الوحدة المنهجية التي تنعكس على فهمها للحياة والتاريخ باعتباره سجل اعمال الاحياء فتاريخ الامة يبدأ ببداية وعي هذه الامة بذاتها ولاينتهى الا بانتهاء هذا الوعى الذي يصنع الارادة اى الفعل ثم فعل الارادة الذي نطلق عليه التاريخ ثم تحقق هذا الفعل الذي نسميه ( حضارة ) فالحضارة هى خروج هذه الارادة الي حيز التموضع أو المتحقق الذي هو نتاج الوعى أو الحضور على ان استمرار الوجود ( البيولوجى ) الأية امة لايعنى وجودها التاريخى فالامم التي تستمر كالقطعان ادوات فى مشاريع الاخرين هى امم ( بيولوجية ) لاتاريخية !..!..! .
لقد نعى القرآن على الكفار والمعاندين لتغيير الموقف التراجعى أو الرجعى من حركة التاريخ المتستر وراء ادعاء حب الآباء والاجداد ( السلف ) ( ان وجدنا آباءنا على امة ) كما رأينا فرعون وهو يحاول مواجهة الحقيقة الالهية التي جاء بها موسى بخداع قومه على اعتبار ان موسى يريد ان يذهب بطريقتهم الاولى .
ومن ثم فالحقيقة هى الشمولي والمطلق الذي يتجاوز محدود المكان والزمان انها تلك التي تصلح لكل زمان ومكان واذا كان اباؤنا واجدادنا قد صنعوا الاحداث التاريخية وفق مرجعية الحقيقة فان الصلاح يأتى من جهتين الاولى صلاحية الحقيقة لان تكون قابلة للتطبيق بما لاتتنافى والجزئي المحدود اذ المطلق يستوعب الجزئى ويشمل عليه بداهة وصلاحية ابائنا واجدادنا وفق محدودهم لا يكونوا فى حالة ( الامتلاء ) اى القدرة على ملء الوسع الذي هو مناط التكليف ( لا يكلف الله نفسا الا وسعها ) فلكل نفس وسع اى ان الوسع هو دليل المحدودية ولا يمكن للمحدود ان يسع المطلق والشمولى .
لقد رأينا شعوبا غيرنا من أولئك الذين كان مشروعهم أو قل ملامح مشروعهم قد استنفذت مداها وطاقتها في الجزء المتحقق من التاريخ ( الماضى ) ينظرون لذات الموقف السلفى: الصينيون مثلا وفق المعتقد ( الكونفوشوسى ) والايرانيون وفق عقيدة ( المنتظر ) وكذا الرومان ومن ثم الطليان المحدثون كما رأيناها فى مقولة ان التاريخ يعيد نفسه وكل تلك المحاولات انما تقع فى اطار التحليل النفسى ( السيوكلوجى) لا التحليل ( الايديولوجى) .
لقد رايت ان تناول موقفا واحدا من التاريخ وهو الموقف الماضوى وربما ساتناول مواقف اخرى تؤكد على التباين فى تعريف التاريخ وفى نظريات التاريخ وفلسفة التاريخ فى مقالات اخر , ذلك هذا الموقف يأتى مرتبطا بما جاء فى حديث الأخ القائد فى الذكرى الخامسة والعشرين لقيام سلطة الشعب وفى اعتقادى ان الاحتفال بهذه الذكرى انما يعطى دلالة مرتبطة بموضوع الوعى بالفعل التاريخي فان تكون السلطة للشعب يعني ان يوضع الشعب في اطار الوعي بالتاريخ و الفعل التاريخي انه احتفال بذكرى بداية المشروع الحضاري او الحضوري للشعوب في مقابل المشروع الاستعماري الذي يعني تحويل الشعوب الى ادوات في مشروع الاخر الاستعماري اي تغييب الشعوب و تحويلها الى ادوات و ارقام و عبارة اخرى وضع المشروع الحضاري للشعوب مقابل المشروع الاستعماري .
ولان الحدث كما اشرت يقع في اطار التاريخ و الوعي التاريخي فان الحديث عن فلسطين باعتبارها قضية تاريخية يظل ضروريا وفق التحليل الجماهيري لحركة التاريخ فالقضية التاريخية هي قضية تستوعب حركة التاريخ و الفعل التاريخي الذي هو نتاج وعي الامة و ارادتها و استيعاب قدرة الامة وفق الظروف الموضوعية ( الواقعية) لا يعني تحول الحقيقة التاريخية الى الواقع فالنظرية الجماهيرية نظرية غير واقعية و ان كانت لا تنكر الواقع انها نظرية تقوم على الحقيقة والتي تشكل الواقع جزءاً منها لا كلها و من ثم فان التعامل مع الواقع هو غير الواقعية كما ان تقديم تصور واقعي لا يعني الغاء الحقيقة التاريخية فالقضية الفلسطينية باعتبارها تاريخية هي ليست ملكا للاحياء فقط بل و الموتى و كذا الذين سيولدون في المستقبل و حل القضية على اساس الواقعية لا الواقع يعني احتقار و تسفيه ما تم فى المتحقق من التاريخ ( الماضى ) واهانة كفاح الآباء والاجداد اضافة الى انه يلغى حق الاجيال القادمة في تصحيح الوضع وفق الحقيقة التاريخية وهذا يتم بان يجعل الجزئي مطلقاً: الجزئى المكانى ( الضفة والقطاع ) مقابل المطلق والكلى فلسطين والجزئى الانسانى ( الاحياء ) مقابل الكلي والشمولى ( الذين ماتوا والذين سيولدون ) والجزئي الزمانى ( الان ) مقابل المطلق والشمولى الزمانى ( التاريخ ) ان المسألة اذن مسألة وعي بالتاريخ او قل وعى الامة بذاتها واذا كان الوعى هو بداية الفعل التاريخي الحضارى فان غياب الوعى وان كان لايلغى الوجود المادى للامة الا انه يخرج الامة عن مسار التاريخ ويحولها الى مجرد جماعة أو قل قطيع اى مجرد ارقام واشياء .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!