تحت الشمس
لماذا مبادرة باول شراكة مضللة ?
د . عابدين الشريف
بعد طول انتظار كشف وزيرالخارجية الامريكي كولن باول عن مبادرة للشراكة بين امريكا ودول وشعوب الشرق الاوسط بدعوى دفع عجلة التنمية الاقتصادية والديمقراطية في الوطن العربي في الواقع ان المدقق في اهداف هذه المبادرة والموارد المالية المحدودة التى رصدت لتنفيذ برامجها ومشروعاتها سرعان مايصل الى قناعة مفادها انها خطة وضعت على اساس التدخل المباشر في الشؤون الداخلية والخارجية لدول وشعوب منطقة الشرق الاوسط تحت غطاء المساعدات ومراجعة المعونة الامريكية لاستخدامها في الضغط على حكومات وشعوب المنطقة وذلك بغية تحقيق اهداف مبادرة الشراكة دون ان تترك للحكومات في المنطقة المستهدفة بالمبادرة والمتلقية لتلك المساعدات نفس الهامش من حرية التعرف التي اعتادت به
واوجه التضليل في هذه المبادرة عديدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الاتي :
1- المبادرة لم تتعامل مع المشكلة الرئيسية التى تعد السبب الرئيسي في كل المشاكل السياسية الاخرى في الوطن العربى ألا وهي القضية الفلسطينية .
2- التناقض الاهم في هذه المبادرة وهو أننا لاندرى كيف يتحدثون عن اصلاح المجتمعات العربية وهم يساعدون اسرائيل على إبادتها ? وما الذي فكر فيه صانعو القرار في امريكا وهم يرشقون العرب بورود مبادرة باول فيما اجساد العرب وبيوتهم في كل من فلسطين والعراق تتفتت وتتهدم بقتالهم وحلفائهم من اسرائيليين وبريطانيين .
3 المبادرة وسيلة للضغط والابتزاز والانتهازية اكثر من كونها خطة للاصلاح وهي وبدون اى أدنى شك خاضعة لقانون المساومات وسوف ترتبط صعودا وهبوطا بمؤشر السياسة الخارجية الامريكية وفق ما تمليه عليها مصلحتها وامنها القومي فهى أي المبادرة تركز على المزعومة اسرائىل كمثل اعلى للديمقراطية !! وهذا مناقض للواقع وكذلك استشهاد باول بآراء لحكام عرب هم ابعد ما يكونون عن الديمقراطية !!
4- ان معالجة مشاكل التنمية الاقتصادية والديمقراطية في المنطقة تحتاج الى نهج خاص لا يعتمد على الاملاء من الغير أياً كان وخصوصاً واشنطن !! اوتصدير الافكار من جانب واحد.
5- ان المتأمل في هذه المبادرة واهدافها التى تسعى امريكا لتحقيقها مع شعوب وحكومات الشرق الاوسط سيدرك على الفور انها جاءت لتعالج مشكلة الانتهازية السياسية الامريكية التى اعتمدت في الماضي على تجنب العمل على تعزيز الديمقراطة في هذه المجتمعات مقابل ضمان تدفق مستمر للنفط العربي او الحصول على تسهيلات اقامة قواعد عسكرية امريكية في بعض دول المنطقة او الترويج لاتفاقيات سلام منفردة مع الكيان الصهيوني .
6- يرى بعض من المحللين ان مبادرة باول هي محاولة لتحويل فكرة حوار الحضارات الى نموذج جديد في العلاقات الدولية يعتمد على فرض الحضارة الامريكية على شعوب منطقة الشرق الاوسط من خلال الضغط لتقييم القيم لتتناسب مع مقومات الثقافة الغربية خاصة الامريكية منها .
7- في تجاهل متعمد مع سبق الاصرار والترصد هذه المبادرة تتوجه بالمساعدات رأسا وبشكل مباشر الى منظمات المجتمع المدني وفي تجاهل كامل لحكومات هذه المنطقة .
8- بعض المراقبين والمحللين العرب يشددون على ان المبادرة الامريكية في حقيقتها ليست إلا محاولة لاجهاض اي تجربة عربية مستقلة .
9- هذه المباردة تهدف لخلق طبقة سياسية عملية حاكمة ذات خلفية ثقافية وفكرية امريكية ومرتبطة اقتصاديا بالمشروع العولمي الامريكي .
10- ان المبادرة الامريكية لتحرير المرأة و تحديث التعليم منفصل تماما عن المشروع التحررى الحقيقى الذي يرى ويؤمن بأن نهضة النساء والشباب والطلاب لايمكن فصلها عن نهضة المجتمع بأكمله وهذا يعني ببساطة ان استقلال نصف المجتمع لايمكن ان يتحقق من دون استقلال المجتمع كله وتملكه لمقدراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية والاعلامية .
11- ان هذه المبادرة تعني تدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد العربية والاسلامية لانها تفرض تصورا مسبقاً للديمقراطية لايتناسب مع أوضاع هذه البلدان وخصوصا ان الديمقراطية تعد قضية داخلية لكل شعب في بلده ولايمكن فرضها من الخارج بواسطة دولة تمارس ابشع انواع القمع والاضطهاد والكيل بمكاييل مختلفة مثل امريكا .
12- ومما يفسح المجال لمساحة اكبر من النقد ويجعل هذه المبادرة متناقضة في مبادئها وضعيفة في المنطق والاساس ما تضمنته من دعوة لافساح الحريات السياسية واعمال مبادئ الديمقراطية وفي الوقت نفسه الاصرار على تغيير القيادة الفلسطينية رغم كونها قيادة منتخبة شعبياً وحسب المعايير الامريكية .من العرض السابق يمكننا القول ان هذه المبادرة ما هى الا متاجرة سياسية تقوم بها امريكا من خلال الترويج للديمقراطية الامريكية ويمكن وصفها بالاستعمار السياسي الرامي الى فرض سيطرة امريكا على العالم لتصل منه وكما تقول التقارير عبر مراحل زمنية قد تطول او تقصر الى حكم العالم في ثوب انتهازى يخفى الهمجية الامريكية تحت شعارات الديمقراطية والتقدم والحداثة وما بعد الحداثة كذلك يتضح لنا عدم وضوح الرؤية عند باول وعدم التوافق بين الاهداف والسبل والوسائل المخصصة لتحقيق مبادرته وكذلك وجود تنافر عجيب بين اهدافها والامكانيات المتواضعة التي خصصتها امريكا لانجازها لان المبلغ الذي رصد لها كان 29 مليون دولار وهذا يكشف جانبا آخر من جوانب الضعف في بنيتها وهو مبلغ مالي هزيل ومثير للشفقة لهذا المشروع الطموح !! كما تسمية امريكا فاذا ما وزع المبلغ على المواطنين في الدول العربية لوحدها سوف لن تزيد حصة كل فرد على سنتين يراد بها تغيير حياته من تعليم وصحة واقتصاد وواقع سياسى على نحو جذريعموما هذه المبادرة قدمتها امريكا في محاولة منها للتغطية على الانتقادات العربية تجاه سياساتها في المنطقة والتى تكيل بمكيالين وفي الوقت نفسه مسعى لتحقيق تأييد عربي لدور امريكي للتدخل في صميم التطور الذاتي لكل مجتمع عربي واسلامي
واخيرا وفي شكل واسلوب متضارب الاتجاهات هذه المبادرة نجدها تدعو الى التغيير السلمي عبر بناء نظم تعليمية جديدة و اشاعة مفاهيم واجراءات تتعلق بالحريات السياسية واعادة بناء الاقتصاد في الشرق الاوسط مع مساحة اكبر للقطاع الخاص والاقتراح مع آليات العولمة الاقتصادية من جانب ومن جانب آخر تحاول امريكا ان تبرز كشريك في عملية التغيير في المنطقة العربية وكطرف محفز وليس كطرف يحمل خططا وعلى الاطراف الاخرى ان تقبلها.كذلك وفي تناقض صريح وواضح لتوجيهات السياسة الامريكية في المنطقة يقول عنها بعض المحللين ان مجمل التصورات الامريكية المطروحة على المنطقة يتجاوز هذا المضمون السلمي التدريجي الى مضمون قهرى وقسرى في آن واحد كما يبدو في حالتي فلسطين والعراق وغيرها !!.عموما الامر الذي يجب ان يعرفه الساسة الامريكان انهم فاقدو المصداقية في الوطن العربي بكل المعايير والمقاييس وانهم لن يحققوا شيئا مهما عملوا وان صورة امريكا المنحازة بالكامل للكيان الصهيوني ستظل ماثلة امامهم .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!