رؤية في الثقافة والأدب( 40 )
أفكار ضد الموت
ما الإرادة ?
ط: إرادة الإنسانية
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
مفهوم الارادة الذي تم تناوله في رؤى سابقة , سواء ارادة المعرفة كما هي عند افلاطون , وارادة اللذة كما قدمها الابيوريون, وارادة الاتحاد ,او( النرفانا), او الانطفاء , كما سعى لها المتصوفة الهنود , والايرانيون والاورفيون, والفيثاغورثيون والرواقيون والغنوصيون , والتي يسعى اصحابها الى الاتحاد بالروح المطلق, ومحاربة الجسد باعتباره سجن الروح الذي لا بد من التخلص من سلطانه حتى ارادة الحياة عند شوبنهاور وارادة القوة عند نيتشه وارادة المنفعة والربح في الفكر البراغماتي (الانجلوسكسوني) هذه التفسيرات للارادة وما اليها , بما في ذلك التي لا تفرق بين الارادة والرغبة والامنية, كلها تعبر عن معطيات ذاتية تخص القائلين بها, وان كانت في نظري مفاهيم قاصرة لموضوع الارادة , سواء في تحويل الانسان الى مخلوق ادنى مما هو عليه ناهيك عما يجب ان يكون عليه ,ام الوصول الى حد التجاوز به حدود هذه الانسانية , الامر الذي يقتضى اهمية ان يطرح موضوع الارادة على بساط البحث وان كان ذلك يقتضى بداهة محاولة تعريف الانسان ذاته, فالانسان الذي يحاول الخروج من المحدود وتجاوز الحدود يظل دائما قاصرا عن معرفة (اناه) بل ان يعرف (ذاته) ومن ثم فان قصور هذه التعريفات انما يأتي من قصور الانسان وعجزه على ان يعرف نفسه . ان نظرية المعرفة عند افلاطون على سبيل المثال , تؤسس على نظرة اخلاقية باعتبار ان الانسان خير بطبعه , وان هذا الخير مؤسس في النفس الانسانية قبل ان تتحول الى الجسد, وان مشكلة الانسان في ارتكاب الشر انما تكمن في نسيانه بهذه المعارف الاولى عندما كانت النفس جزءا من النفس المطلق اذن فإن كل ما يحتاج اليه الانسان ان يتم تذكيره بهذه المعارف وهذا دور الفلاسفة الحكام فاذا ما عرف الانسان فانه لن يفعل الشر, فالارادة اذا مرتبطة بموضوع المعرفة.
ولاننا تناولنا المعطيات الموضوعية لنظريات الارادة التي سبقت الإشارة اليها فإن هذه الرؤية وما سوف يتلوها تركز على موضوع ارادة الانسانية وان كنت اؤكد منذ البداية ان الانسان على الرغم من ادعائه ان يعرف الكثير عما حوله فإن الادعاء هذا جعله يغفل واقع كونه اعجز من ان نظريات كثيرة وقديمة وحديثة انصبت حول تعريف الانسان وان كانت كلها لا تزال , نظرا لاحادية النظرة, عاجزة على ان تعرف الانسان , ولا اظن انها قادرة على هذا التعريف لسبب بسيط وهو ان الاسماء من الصعب ان يتم تعريفها وان محاولات تعريفنا انما تعكس ما نعرفه نحن عنها لا ما هيتها وقد سبقت الاشارة الى الحكمة من تعليم آدم الاسماء كلها كما جاء في القرآن الكريم , حيث تجاوز بذلك كل المخلوقات بما فيها الملائكة وان كان آدم قادرا على التعلم فانه كذلك يتميز بخاصية النسيان!!..
افلاطون وهو يقدم نظريته في الفضيلة جرت الى البحث في المعاملات وفن الحكم كانت تقسم الانسان ثالوثا هو العقل والعاطفة والغرائز , وقد ادى هذا التقسيم الثالوثي في تفسير الانسان الى ايجاد نظريات تبرر تسلط القلة كالفلاسفة عنده , ثم تجعل لهذا التسلط مبررات التميز التي لازلنا نقرأ ونسمع تنظيرا وممارسة لها.والارفيون والفيثاغورثيون يخرجون الانسان من اطار الظاهر الى الباطني والرقمي فتكون الجماعات السرية والباطنية وان كان افلاطون ذاته متأثرا ببعض افكارهم , التي كان لها صدى في فكر الشرق القديم, ثم تمتزج كلها في الافلاطونية الجديدة ومن ثم الغنوص الذي يطالب بإلغاء الجسد لحساب الروح التي هي ذاتها لاتزال مجهولة , اي تسليم الانسان لسلطة مجهول (علمها عند ربي) .
وكانت نظريات الصوفية بعامة , التي تأتي غالبا رد فعل عن المادية التي تحاول ان تلغي كل شىء لحساب المادة , والجسد , وتحول الانسان الى مخلوق فيزيقي خاضع لسلطة الفيزيقا او الفيزوقراطيا , كما هي عند الليبراليين الذين يترجم البعض مصطلح الليبرالية هذا الى الحرية مع الفارق الكبير بين الليبرالية والحرية ذلك ان النظرية الليبرالية تؤسس على ان الانسان مخلوق فيزيقي خاضع لقانون الجبر المادي , ومن ثم يجب ان يترك دون تدخل خارجي , فالقوانين الفيزيقية سوف تحكم سلوكه , وان مهمة الاطار السياسي , او الدولة هو الحراسة , اي التدخل اذا تجاوزت الحركة حدودها الفيزيقية , ثم يتضح ان الانسان هو الفيزيقا حتى عند الليبراليين انفسهم , حيث نجدهم يتدخلون الان في سياسة العالم وبالقوة اي اجبار الناس على احادية الفلسفة والثقافة , او مايسمى بالعولمة ثم تكون عن اعلان صراحة عن وجود المصالح الكبرى للنظام الليبرالي العالمي , وتكون القوة هي المرجعية كما يتم تقسيم العالم الى ذات التقسيم الافلاطوني , العالم الاول عقل , تفكير , علم , نور , ابيض , شمال ,وعالم ثاني عاطفة يقع في المنتصف , ثم عالم ثالث جسد غريزية جهل , ظلام جنوب , انهم على الرغم من ادعاء الدفاع عن حقوق الانسان عاجزون حتى على تعريف الانسان نفسه , ثم ان القول بالحقوق ذاته انما يقع ضمن الموضوع الحقوقي (القانوني) اما الإنسان الذي هو صانع القوانين فانه يحتاج الى ماهو اكبر من القانون فإذا ماتم الاحتكام في تعريف الانسان للقانون فان هذا القانون بحكم الجزئية والمحدودية سيجعل واضع القانون هو القانون , او المرجعية ثم ان اكثر مما يسمى مايوصف بالحقوق هي في الواقع حاجات , فالحرية هي حاجة وليست حقا , ولانها حاجة لايشعر بها الا الانسان الواعي الذي له ارادة الفعل والذي يحتاج الى فضاء للحركة , فإذا توقف الانسان عن الوعي والارادة والفعل فإنه سوف لن يحس بالحاجة الى هذا الفضاء الضروري للحركة ومن ثم للحرية , فكم من عبيد هم أسرى المحدودية , ولايحسون بالحاجة الى الحرية .
ان البحث في الانسان هو الخطوة الاولى لمعرفة حقوق الانسان , ومن ثم تحول الانسانية الى مطلب يتركز حوله الوعي والفعل , اي تتحول الانسانية ذاتها الى ارادة .
وللحديث بقية
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!