حديث الإثنين
الحديث الخامس والأربعون في
نظرية خصوم الشعب السوقية وقوانين السوق
في أحاديث سابقة تمت الاشارة الى ان القانون هو غير الشريعة أو
العرف , فالقانون هو مواد ومعنى كونها مواد فإنه لابد ان تكون
له خاصية الامتداد , أي قابليتها لذات خواص المادة , نقصا
وزيادة , ذلك لان القوانين تأتي لتنظيم حركة المجتمع افرادا
(ذواتا) ومجتمعا (موضوعا) ولان هؤلاء فاعلون ومتحركون فإن
القوانين ذاتها لابد ان تتميز بالفاعلية والحركة فإذا تحولت
القوانين الى حال (جامدة) اصبحت بذلك دوغما اى تكون القوانين
عامل موت حكمي لحركة المجتمع وافراده ان المجتمع الذي يصدر
قرارات كما هو الحال في المجتمع الجماهيري تتحول هذه القرارات
التي هي روح القوانين الى مواد قانونية وبالطبع فإن من يدرك
روح القانون سيكون مدركا لهذه المواد بل ان التعبير بروح
القانون مما يعطي القانون بعداً اوسع من تمثله في شكل مواد
وبعبارة فلسفية نستعيرها من ارسطو فإن القرارات هي ارادة
المجتمع الموجودة بالقوة كي تتحول الى وجود وبالفعل من خلال
تحولها الى مواد وتكون العلاقة طردية بين الارادة والفعل
والقانون لقد عبّر القرآن في هذا الاطار عن قوة العرف الذي هو المعروف,
فالرسول مطلوب منه ان يأمر بالمعروف فالمعروف قبل الشريعة
بداهة لانه لو لم يكن كذلك لما كان معروفاً وان قوة الامر به
لانه معروف ولان حركة الشعب عبر تاريخه اذا اعتبرنا الشعب هو
الشمولي وان الجماهير هي الجزئي فحركة الشعب اثبتت قيمة العرف
وصلاحيته كي يتجاوز المحدود المكاني الزماني اى ان يكون العرف
مرجعية تأتي الشرائع لتؤكدها , اما المفكر فهو كذلك ما انكره
الناس لعدم صلاحيته , أي قدرته ان يلبي الاوسع من مجرد منافع
(الانا) الفردية ومن ثم فإن الشرائع والاعراف تتعامل مع الصلاح
, بينما قد تحقق القوانين المنافع والفوائد والارباح مثلما
تجنب الضرر والخسارة , ان قوانين الصالح تعني امتداد الصلاحية
, بينما قوانين الضرر والنفع والربح والخسارة تعبر عن الحال
الآنية المؤقتة مثل شيء صالح هو بالضرورة سيكون نافعاً ومربحا
ولكن ليس بقانون النفع والربح الآني . ان الشرائع والاعراف
تقدم للانسان فكرة الاستمرار في الزمن , ولذا فإن القوانين
التي تستند على العرف أو الشريعة سوف تتميز كما اشرت بخاصية
هذه القابلية للامتداد في اطار الصالح الشمولي حتى ان توهم
الافراد بحكم (الانا) انها قد تضرهم , أو تسبب لهم خسائر
مؤقتة ان صراع الشرائع والاعراف مع الاستناد لاحكام (الانا) هي
صراع لمفاهيم الخير والشر , في مقابل مقاييس وموازين ومكاييل
(المحدود المكاني الزماني) فالمقاييس والموازين والمكاييل
والمقادير والاسعار وما إليها تتطلب ان يكون موضوعها الآني
والمحدود , اما القيم التي تقدم الشرائع والاعراف منها معنى
القيام والاستقامة وكل الدلالات التي تغيبها هذه الدلالة
الاصلية لمادة (قام) وما يشتق منها من دلالات , كلها سنجدها
ايجابية وان كان هناك من يرفض الاشتقاق والتقويم ويبغونها
(عوجا) ان المجتمع الحضاري يعني حالة الحضور للشعب الذي هو
امتداد وتراجع , امتداد للامام وتراجع للجذور أي هو الحال
الكلية أو الشمولية, كما اشرت فإذا انعدم الاحساس بالحضور أي
الحضور التاريخي للشعب أو الامة فقد المجتمع الذي هو الآني
للشعب وجزؤه , هذه الصفة التاريخية فالتفكير الآني والجزئي
يخرج الشعب من التاريخ أي من المجتمع الواعي الارادي ليدخله
حال القطيع والرقمية أي يتحول كل شيء الى سلعة تدخل السوق
واسعار البورصة ,اذا كانت اسعار البورصة وثقافة السوق تتعامل
بمفهوم الربح والخسارة والنفع والضرر الآني والاناني فإن القيم
الحضارية تعطى مفاهيم ابعد من مجرد ان تخضع للغة الامام
وحسابات السوق ومن ثم تصبح التجارة في نظر الشريعة والعرف ابعد
من مفهوم السوق السوقي للتجارة , فالقرآن الكريم , مع
الاعتراف بإن الكثرة غير قادرة على ادراك معنى الامتداد في
الزمان والمكان وانها تحت النهر التجارة فإنه يقدم (الايمان)
تجارة اخرى لاتعرف (البوار) المحكوم بقانون السوق والايمان هو
اقتناع غيبي بما هو آت , وان كان يستوعب الآن بداهة من هنا فإن
القوانين التي تراعي مضامين الشريعة والعرف وان تعاملت مع
الواقع (الآني والمتحرك) فإنها ستجعل من المواد , كما اشرت
قابلية للامتداد بل ان القانون بحكم جزئيته من يصدر (روحه) ,
القرار أو من يصوغ مواده (القانوني) لايمكن ان يكون مطلقا , ان
الجماهير هي الجزئي قياسا بالشعب وهي المتغير حتى قياسا بذاتها
والقانوني هو انسان له القدرة على صياغة القرارات , فإذا تحولت
الجماهير الى ان تكون كل الشعب بل الى ان تكون هي ذاتها الثابت
الذي لايتحرك فقدت القدرة على الحياة ومن ثم خرجت من التاريخ ,
الذي هو فعل وارادة وحيوية والدليل ان الجماهير تغير القرارات
ليس بالضرورة نفياً بل اكتمالاً وتطويراً , واذا تحول
القانوني الى واضع قوانين حكم المجتمع بهذا القانون وتحول
المجتمع الى ادوات في مشروع القانوني لا العكس
ان العودة للشريعة والعرف باعتبارهما مرجعية هو العودة للشمولي
والكلي الذي يخرج المجتمع من الموت حكماً , وربما حقيقة , أي
يخرج المجتمع من التاريخ , ويحوله الى ارقام في معادلة السوق ,
وهو ما تسعى إليه دوائر السوق ومروجو ثقافة وسياسة السوقية وللحديث بقية.
بقلم الدكتور :المهدي مفتاح امبيرش
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!