مستويات الحوار الثقافي
بعيدا عن منطق الصراع تتجلى صيغ الحوار وابعاده وتتعدد مستوياته , وهو المدخل الصحيح للتفاعل والتلاقي من واقع رؤية الانا والاخر , ايا كانت درجة الاختلاف او طبيعة التباعد المبدئي بين اطراف الحوار والحوار هو الوجه الصريح للجدلية وقد امرنا بالجدل بالتي هي احسن بعيدا عن التشرد والفظاظة والغلظة والعنف , فالجدل له اصوله ومقوماته وصورته الحضارية التى تضمن اتساع مساحة اللقاء الانساني ورحابته وبقدر جدية الجوار ومرونته تأتي نتائجه ايجابية فاعلة على عكس التسلط والتصلب والجمود , مما يشي بنتائج اخرى مختلفة تماما.. ذلك ان تعددية الاراء والتصادم المؤقت للمواقف ينتهي عند تجلي الحقيقة القطعية في كل القضايا ولذا تتعدد مستويات الحوار الثقافي بتعددية اطرافه ومستوى عطاءاتها ومصداقية مصادرها ودقة مرجعيتها , الامر الذي يمكن تصنيفه ورؤيته من خلال عدة زوايا :
- تبدأ من الحوارالفردي , وهو ما يستند الى لغة المتحاورين ودرجة الوقوف على طبيعة القضية موضوع النقاش , وهو ما ينسجم مع الاراء بالحجم والبراهين والبحث عن الادلة , واختراق وسائل الاقناع وصولا الى الحد الادني من القناعة من كلا الطرفين المتحاورين .
- حوار فردي جماعي وهو ما تحكيه ندوة او محاضرة يترأس فيها الفرد المجموع ويلعب دور المرسل لكل ما صنفه وجمعه او الفه واعده عبر قراءاته ومناقشاته وحواراته , عنذئذ يغلب عليه منطق العطاء وتحكمه درجة الوعي والثقة بمقولاته واطروحاته واستعداده للمداخلة والحوار والمناقشة والجدل الجماعي .
- حوار جماعي : وهذا له خصوصية ويحتاج الكثير من الضوابط التي تضبط مساره حتى لاينزلق الى مجالات الفوضى والسطحية او شيوع التعددية غير المتوازنة مما قد يجني على القضية موضوع المناقشة وربما تضيع الاصول وتبقي الهوامش والفروع مما يؤثر على خلافات الجماعات المتحاورة في الموائد المستديرة وحلقات الحوار ..
- حوار فكري ادبي ابداعي ينهض على اساس من الفهم واعمال الذائقة الجماعية والوعي بابعاد النص المقروء والوقوف عند تحليله وتفسيره قبل اصدار الاحكام حول تقويمه استحسانا او استهجانا .
- حوار مذهبي وهنا تختلف الملامح والقسمات بين المذاهب في اطار دين واحد حيث يجب التلاقي على الاصول الكبرى وربما وقع الخلاف في اشياء صغيرة تظل على هامش الدائرةاكثر من قدرتها على اختراق مركزها بما يشي بالتجاوز او الانفلات غير المبرر .
وربما امتدت المذهبية عبر مدارس الفكر واتجاهاته المتباينة على غرار ما قد يقع من حوار بين الاديان او الافكار او التفسيرات , وهو ما يعكسه الحوار الاسلامي المسيحي او الاسلامي العلماني , او غير ذلك من صور المجادلة للوصول الى كلمة سواء دون امتهان لعقيدة او استخفاف بمقدمات وصفوة القول في امر الحوار ومستوياته تظل عاكسة لنا ضرورته في هذا مرجعية هذا الاطار المرحلي الذي نعيشه بكل مشكلاته وابعاده فنحن في حاجة ماسة الى حوار عربي عربي يحكمه حسن النوايا والرغبة في التصافي والمكاشفة ليتحول الحوار في افضل مراحله الى مدخل لوحدة عربية شاملة تبدأ من محور اقتصادي يستهدف التكامل والتفاعل والتكافل والتلاقي بين الاشقاء وهو ما بدأت القيادات العربية الواعية تضعه في الاعتبار بشكل علمي يرقي بعطاءتها وتفاعلها الى حد رفيع المستوى الامر الذي يحتاج المزيد من التأصيل والتعميق على الجوانب الاخرى سياسة كانت او ثقافية او اجتماعية او عسكرية .. ففي حوار الاشقاء تتقارب المسافات وتتفاعل الافكار ويبدأ مسار الوحدة كما لو كان الخيار الاوفق في ظل كثرة التكتلات وشيوع منطق القوة والهيمنة او عودة منطق الاستعمار الى التفرقة بين الشعوب او محاولة تمزيق ما بينها من روابط الفكر والحضارة والمصير فهلا تقودنا لغة الحوار الى اختزال الكلام والاكثار من الفعل وتحقيق الانجاز وصولا الى الحد الامثل من الامل المرتقب في اكتمال نموذج متميز لمشروع عربي وحدوي اصيل يجمع صفوف الشعوب مع الحكام في ظل رؤى المثقفين العرب بعيدا عن التصانيف المفتعلة في مواجهة العدو الواحد بكل افكاره وعتاده ..وهل يمتد هذا الحوار فيشمل مناهج التعليم العربية بعيدا عن الاقليمية المصطنعة وليجتمع وزراء التعليم العرب لانتقاء الوحدة المنهجية المنتجة للمثقف العربي في ظل المشروع النهضوي لبناء مستقبل الامة شاخصا في طموحات شعوبنها ووحدتها ..
د. عبد الله التطاوي
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!