اضواء الضاد وظلالها
رمضان بدون جواز سفر
عندما يزورك صديق حميم , لم تره منذ سنة كاملة , ولم يجد أهلك في البيت. قطعا ستشعر نحوه بالحرج الشديد, اذ لاتستطيع وحدك القيام بكرم الضيافة وتقديم الخدمة اللائقة به , هكذا حال من يقيم خارج حدود وطنه بين أناس لاينتمون لقوميته ومجتمعه ودينه بأية صلة, وهو في ذاك الوضع قد يتعبر مجاهدا , سواء أكان طالبا للعلم أو متلقيا لغة قوم ليأمن شرهم أو ساعيا وراء لقمة العيش أو مرتحلا للبحث عن الذات أو سفير غير مفوض لبلده وقومه ودينه.. تصوروا أن شهر الصيام أقبل على إنسان في واحدة من هذه الحالات, ولأول مرة يستقبله خارج حدود بيته وأسرته , قطعا سيواجه ارتباكا مهما كان حجمه , قبل أن يعتاد على ذلك ويألفه.
لقد عشت تلك التجربة شخصيا , عندما دخل الضيفد الكريم الى الجزر البريطانية بلا جواز سفر ولاتأشيرة دخول ولاحتى إذن من قصر(باكينغهام) , وكنت يومها عاجزاً عن إقامة المراسم الخاصة باستقباله ولم استشعر المعالم والملامح المعتادة في الشوارع وعلى الوجوه, وهي تبشر بمقدمه فكل شيء حولي جامد كعادته, ومؤشر الحياة لم يرتفع شعرة واحدة عن اتجاهه , فبقى مستقرا في جهة الغرب, بينما تحركت جميع مؤشرات جسمي وتزعزعت من مكانها وارتفعت ثم اتجهت جهة الشرق, وزرعت بداخلي عالما فسيحا شعرت بأنه أوسع وأضخم وأعظم من بريطانيا العظمى التي لاتغرب عنها الشمس , غير ان شمسها انطفأت فجأة في نظري ولم تعد تضيء الطريق أمام هذا القادم الجليل, حتى يراه الطائفون بجزيرة دوران (بيكاديللي) وميدان (الطرف الأغر) وبقية ميادين لندن, وكان عزائي الوحيد وأنا في هذا الوضع اللامتوازن هو لغة الخطاب التي فرضت علي وعلى ضيفي المبجل, فبدلا من أن نتخاطب باللغة العربية الفصحى واللهجة المحلية الليبية كالعادة , إلتجأنا هذه المرة الى أكثر من لغة وأكثر من لهجة, فإلى جانب العربية كانت الانجليزية والاردية والفارسية, والى جانب الليبية كانت الخليجية والشامية والمغاربية, ولاتتوحد كل تلك اللغات واللهجات إلا في أوقات الصلاة , خصوصا العشاء والتراويح, أو صلاة الجمعة اذا سمحت ظروف الدراسة والعمل, ولكن رغم الاحترام الذي يكنه الانجليز للصائم إلا أن سوادهم الأعظم لايعلم أنني صائم فيطلقون العنان بحسن نية لمغرياتهم أن تهاجمني من كل حدب وصوب, تلاحقني أينما حللت , فأصير أنا وضيفي غريبين.
البعض من أبناء جلدتي كانوا صما بكما عميا, مغلفة قلوبهم , لم يجد فيها الضيف المبجل إنشا واحداً خاليا من أتفه ماينويه أرذل الانجليز من فعل المنكرات والجنوح للملذات, وعندما ناقشتُ بعضهم وجدت تجاوبا من القليل, ونفر مني ومن ضيفي الكثير, فأيقنت أنني لا أستطيع أن أهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو وحده أعلم بالمهتدين.
وأهم النتائج التي توصلت إليها في تلك التجربة تلخصت في كون الصائم بين أهله وذويه وضمن أفراد مجتمعه وفي ربوع وطنه, يستطيع تحمل مشقة الصيام حتى وإن كان في عز الرمضاء وموسم الحصاد وجمع السنابل اليابسة, أما الصائم في بلاد الغربة والمحاط بكل المغريات وتصرفات غير الصائمين, سيكون صيامه محفوفا بالخطر خصوصا إذا كان ضعيف النفس حتى وإن كان صيامه في موسم تساقط الثلوج, إذ يبقى ذلك مرهونا في درجة الإيمان ومستوى الثقافة الدينية والصبر والعزيمة , لافي درجة الحرارة ونزولها تحت مستوى الصفر.
عبدالعزيز الصويعي
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!