أضواءا ( الضاد ) وظلالها
لغة البخل في شهر الكرم
في شهر رمضان ,يكرم المسلم اخاه المسلم, فيقترب من قصعته المعوزون والفقراء ويحيط بمائدته الاهل والاقارب والجيران والاصدقاء, فهو شهر الخيرات والبركات والاعمال الصالحات, ولكن لاتخلو لياليه من السهر والسمر والتسلية والمؤانسة والملاطفة, لما في كل ذلك من ترويح على النفس من عناء الصوم نهارا ,ولنفسك عليك حق , وعندما كنا صغارا كان والدي يعود من صلاة التروايح وكلنا في انتظار حكايته المعهودة,وبعض الالعاب الشعبية المسلية الذي كان رحمه الله يتقنها, وكانت امي تلقى علينا الاحاجي التي نعجز غالبا عن حل بعضها وينتهي بعضها الاخر بالضحك كما لو كانت نكتة مقصودة , ومادمنا في رحاب هذا الباب باب لغة الضاد ومادمنا ايضا في رحاب هذا الشهر شهر الكرم وحسن الضيافة , نود ان نورد طرفة رواها الجاحظ في كتابه الشهير (البخلاء) وهي طرفة رمضانية رغما عما حوته من غموض في اللغة وغرابة في اللفظ وتعقيد في الاسلوب وتناقض مع كرم المسلم في الشهر الكريم
قال ابو كعب :دعا موسى بن جنَاح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في شهر رمضان, وكنت فيهم , فلما صلينا المغرب, ونجز(قضى حاجته) ابن الجناح اقبل علينا ثم قال: لاتعجلوا ,فإن العجلة من الشيطان, وكيف لاتعجلون وقد قال الله جل ذكره(وكان الانسان عجولا) وقال (خلق الانسان من عجل) ? اسمعوا ما اقول فإن فيما اقول حسن المؤاكلة, والبعد من الاثرة, والعاقبة الرشدة, والسيرة المحمودة, واذا مد احدكم يده الى الماء فاستسقى وقد اتيتم ببهطةالارز باللبن والسمن, او جحوذابة(سكر وارز ولحم) , او بعصيدة, او ببعض مايجري في الحلق ولايساغ بالماء, ولايحتاج فيه الى مضغ, وهو طعام يد ولاطعام يدين, وليس على اهل اليد منه مؤنة , وهو مما يذهب سريعا فامسكوا , حتى يفرغ صاحبكم , فانكم تجمعون عليه خصالا: منها , انكم تغصون عليه بتلك السرعة, اذا علم انه لايفرغ الا مع فراغكم(لا يفرغ من شربه الا مع فراغكم من الاكل), ومنها انكم تخنقونه ولا يجد بدا مع مكافأتكم (اي مجازاتكم على اغتنام فرصة شربه للماء والمسارعة الى الاكل دونه), فلعله ان يتسرع الى لقمة حارة فيموت وانتم ترونه, وادنى ذلك ان تبعثوه على الحرص , وعلى عظم اللقم, ولهذا مقال الاعرابي حين قيل له: لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد? فقال لأن اللحم ظاعن, والثريد مقيم! وانا وان كان الطعام طعامي فإني كذلك افعل, فإذا رأيتم فعلي مخالف قولي , فلا طاعة لي عليكم ..قال ابوكعب : فربما نسى بعضنا , فمد يده الى القصعة , وقد مد صاحبه الى الماء, فيقول له موسى: يدك ياناسي! ولولا شيء لقلت لك: يامتغافل! قال: واتانا بأرزة(قليل من الارز) , ولو شاء انسان ان يعد حبها لعده, لتفرقه وقلته , وقال: فنثروا عليها من ذلك مقدار نصف سكرة, فوقعت في فمي قطعة , وكنت الى جانبه, فسمع صوتها حين مضغتها , فضرب يده على جنبي, ثم قال:اجرش(اطحن باسنانك) يا ابا كعب اجرش! قلت: ويلك اما تتقي الله ! كيف اجرش جزءا لايتجزأ?(انتهى كلام الجاحظ).
لا اعتقد ان لغة البخل تلك لازالت متداولة بين بخلاء اليوم فابخل البخلاء عندنا قد يترك بخله جانبا في شهر رمضان على الاقل , وإلا كان ايمانه بخالقه ضعيفا, وثقته في نفسه ضئيلة, وصيامه بل ودينه مشكوك ومطعون فيه, فالفقير يجود بما عنده في سائر ايام السنة, مابالك في شهر رمضان الذي تنزل فيه البركة, ولو كنت مكان ابي كعب لآثرت الافطار علي كسرة خبز يابسة وكوب من الماء آسن بدلا من قبول ضيافة موسى بن جناح وكل ماحوته من حبات ارز متناثرة في قصعة لم تمتلئ مذ ان صُنعت أول مرة.
عبدالعزيز الصويعي
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!