حدث هذا قبل مجيء الفجر العظيم
الجزء الاول
اعداد /عثمان اسماعيل
كذبوا على السكان واعلموهم بان القاعدة ستكون مصدر خير لهم ولأسرهم
رسالة مكتوبة بالليمون السري من قائد السفينة فيلادلفيا يطلب غزو طرابلس
لم يكن ذلك اليوم الذي استيقظ فيه سكان القرى المستهدفة من طرف المساحين والمهندسين الامريكيين يوماً ككل الايام ولكنهم أعتبروه ندير شؤم لهم وقد ازدادت قاتمة سواده عندما شاهدوا الجرافات الضخمة والمتاريس التي تغرس في الأرض التي يصلها ببعضها شريط أحمر .. لقد استمر غرس هذه المتاريس لاسابيع طويلة وسكان تلك القرى شيباً وشباباً يتابعون بنظراتهم واحياناً بخطواتهم تلك الحركة الدؤوبة ويستمعون إلى احاديث وقهقهات هؤلاء الاغراب الذين يقومون بفعل أشياء هي مثار احاديثهم واستغرابهم ... كثر عدد العلامات أو المتاريس التي تم غرسها على شكل دائري واحياناً عمودي بحيث غطت مساحات شاسعة من أراضي تلك القرى من الاتجاهات الاربعة .
من الشرق والغرب والجنوب وكذلك الشمال الذي يقع فيه جانب من البحر المتوسط ... هذا البحر الذي كان مصدر رزق لمعظم سكان تلك القرى وذلك بما يستخرجون منه من سمك على مختلف انواعه واسفنج , بل انه مغسلة لملابسهم واغطيتهم وحيواناتهم حيث كانت درجة الملوحة العالية في مياه البحر تحل محل مادة الصابون المفقودة لديهم آنذاك .. إنه فقر مدقع يعاني منه هؤلاء السكان فهم يعيشون على زراعة البرسيم والقليل من جني الزيتون والبلح في موسمه وبعض الفواكه الموسمية الأخرى مثل البطيخ والرمان والتفاح العربي والمشمش وغيره ... حدث مرة وان جاء شهر رمضان المبارك أثناء موسم الرمان وصادف هذا العام بأن المنطقة باكلمها عانت من الجفاف بسبب قلة تساقط الامطار وقد قضى على المزروعات وكذلك اشجار الفواكه القليلة ولم يبق إلا بعض اشجار الرمان التي شكلت لهم مصدر اعاشة في ذلك الشهر الكريم يفطرون عليه في المغرب وأيضا يقومون بتناوله اثناء السحور .
أعداد كبيرة من الطيور التي يطلق عليها سكان المنطقة طيور (الخطيف) ولا أحد يعرف مصدر هذه التسمية أو حتى المكان الذي تهاجر منه هذه الطيور لتصل في نهاية فصل الصيف إلى غرب ليبيا ... أعداد كبيرة منها حجبت جمال غروب الشمس الذي عادة مايطلق اشعاعه الذهبي على حقول البرسيم ليمتزج بلون زهر البرسيم البنفسجي ليشكلا مزيجاً لونياً متجانساً قريباً من لون لهيب النار .. ازداد عدد الاغراب بشكل كبير خلال اسابيع قليلة ,وكذلك إزداد عدد الآليات وحجمها ومهامها .. نصبوا الخيام وكذلك بعض البيوت المتنقلة حيث يقوم باستعمالها المهندسون والمساحون الذين جاءوا من أمريكا لوضع حدود للقاعدة الجوية الامريكية التي ستكون اكبر قاعدة عسكرية لأمريكا في الخارج .. بعد أن اكتمل مسح المهندس والجغرافي للقاعدة وأصبحت معالم حدودها واضحة من الاتجاهات الاربعة تم استدعاء أصحاب الاراضي والمزارع التي وضعت عليها حدود القاعدة الجوية الامريكية وابلغوا بالأمر بعد أن المحوا لهم بأن الأمر واقع لا محالة ولا ضرورة للنقاش أو الرفض باعتبار الاراضي قد تم تأجيرها من قبل المملكة الليبية للحكومة الامريكية لتقيم عليها قاعدة جوية وسوف تقوم الحكومة بتعويضهم ماديا عن هذه الاراضي والبيوت الموجودة عليها .... عاد أصحاب الاراضي المغتصبة إلى بيوتهم وهم يحملون خبر المأساة ... لقد اخبروا أهلهم وذويهم عن السر الكبير الذي بقى لغزا لهم طيلة اسابيع طويلة وهم في حاجة ماسة لمن يفشي لهم محتواه ... الآن عرفوا سبب وجود هؤلاء الاغراب ذوي البشرة البيضاء والشعر الاصفر , إنهم جاءوا من أجل قطع قطعة من القلب الكبير الذي يسكنه كل الليبيين للفصل عنه وليجثم عليها هؤلاء الاغراب الذين جاءوا من قارة أمريكا الشمالية إلى هذه القطعة من الارض التي تقع في شمال افريقيا ... أحد سكان المنطقة قال معلقاً عن هذا الحدث المأساوي بأن الفأس وقع في الرأس ولم يعد الأمر يحتمل إلا حلين إما مقاومة هذا الغزو برفضنا الخروج من أرضنا أو الرضوخ للأمر الواقع والتسليم بما يفرض علينا ... بدأت زيارات متصرف المنطقة وشيخ القبيلة وبعض ضباط البوليس تتكرر للقرى المحيطة بقطعة الارض التي تم تخريطها لتكون القاعدة الجوية الامريكية المتفق عليها ولم تعد القصة خافية عن أحد لأنها أصبحت مدار حديث سكان تلك القرى خاصة عندما استدعى المتصرف أحد المواطنين الذين ضمت حقولهم إلى القاعدة ولاعلمه بأن هذه القاعدة سوف تكون مصدر خير للجميع حيث سيتم القضاء على البطالة والفقر وسوف يفتح الامريكان المدارس والمستشفيات ودور الرعاية .. لم يشاطر المواطن المتصرف رأية هذا وانما اكتفى بالاستماع إلى أن غادر مكتبه .. أما ضابط البوليس فقد استدعى مواطناً آخر مماثلاً للأول وهدده بالقول بأنه لامناص له من ترك أرضه لأنها ضمن المساحة الجغرافية التي حددت لتكون القاعدة الجوية الامريكية .... تغيرت أمور تلك القرى بعد أن بدأت أوصالها في التقطع واحتار سكانها في أمورهم , بعد أن اخذوا على حين غرة حيث احتلت ارضهم بين يوم وليلة .. زهر البرسيم البنفسجي اللون لم يعد كذلك بعد أن قطعوا عنه المياه وحوصر داخل الاراضي التي اختيرت لتكون القاعدة الامريكية , حتى صوت المؤذن للصلاة بمسجد المنطقة لم يعد مجلجلاً قوياً كما كان .. لقد اصيبت الحياة بشكل عام بالوهن والذهول وعدم القدرة حتى على التفكير .
عودة إلى الوراء
لم تعد نتائج الحرب الكونية الثانية بخافية عن أحد فهي تبعد عن خط أوزارها قاب قوسين أو أدنى وكان ذلك في مطلع عام 1943 إفرنجي عندما أصبح مصير هذه الحرب التي انهكت العالم باسره معروف بين قادة دول الحلفاء وخاصة فوق الارض الليبية , والتي تخلصت هذه الدولة من الاستعمار الفاشستي الايطالي ليحل محله مباشرة استعمار جديد لايقل عنه ضراوة وشرا واعنى به الاستعمار الانجليزي الذي باشر مهمته الاستعمارية الجديدة دون أي تأخيرحيث سيطر على مدينة طرابلس بشكل مباشر إدارياً ومالياً وعسكريا , ناهيك عن بقايا الفاشيست الذين بقوا في البلاد وهم يرتدون ملابس مدنية ولكن في واقع أمرهم هم جزء لايتجزأ من حيث الاحتلال الفاشستي الايطالي , لقد سيطر هؤلاء الفاشيست على جميع مقدرات البلد الاقتصادية والمالية والتجارية وذلك بالتشجيع المباشر والمخطط له من قبل الاحتلال الانجليزي , أما فيما يتعلق بوضع بنغازي فإن المصادر التاريخية تقول بأن أمرها قد أوكل إلى (الملك إدريس) الذي جئ به آنذاك لهذه المهمة , أما فزان فقد عين بها أحمد سيف النصر , ورغم كل هذه التعينات والتقسيمات إلاداريه والجغرافية التي شهدتها ليبيا آنذاك , فإن واقع الأمر يعود كله إلى لندن التي تقوم بتصريف الأمور بالكامل , فهي مصدر القرار والإجراء المراد اتخاذه سواء في طرابلس أو بنغازي أو فزان , علما بأن الشعب الليبي المغلوب عن أمره لم يكن له خيار , فيما يجري على أرضه وأمام عينيه , فبالاضافة إلى كونه أنه اعزل من السلاح فهو يعاني من الفقر والجهل والمرض واغلب الاحيان لايعرف مايدور حوله فهو بالكاد يجد مايسد به رمقه , وعندما جاءت هذه القوات صاحبتها دعاية محمومة تم التركيز فيها على نقاط الضعف التي يعاني منها الشعب الليبي آنذاك وهو الفقر والجهل .. لقد صورت لهم هذه الدعاية بأن ليبيا سوف تصبح جنة بفعل هذا التواجد الاستعماري الجديد الذي سيشرع بفتح المدارس وبناء المستشفيات وتحسين الاراضي الزراعية والقضاء على الامراض والجهل , وبالرغم من عدم وجود الوعي السياسي لدى غالبية الشعب الليبي فإنه لم يصدق هذه الدعاية الاستعمارية وبقى ينظر إلى وجود هذه القوات نظرة الشك والريبة .
(امريكا اختارت ليبيا بسبب صراعها الطويل معها)
لقد اختير موقع قاعدة الملاحة الجوية بناء على آراء الخبراء الامريكان , ولم يتم بشكل عشوائي أو مصادفة , والمتفحص الخبير لموقع قاعدة الملاحة فإنه لاشك سيكتشف بأن اختيارها قد تم بناء على آراء قالها استراتجيون عسكريون , فهي تقع على شاطئ البحر ولا تبعد عن مدينة طرابلس سوى بضع كيلو مترات وتحيط بها مجموعة من القرى قد تتخذها أحزمة بشرية تقيها من أي هجوم عسكري من قبل حلف وارسو آنذاك ولم يقتصر هذا الاختيار على موقع القاعدة فقط ولكن وصفته التقارير والدراسات الاستراتيجية باعتبار ليبيا البوابة الشمالية لافريقيا وهو وصف له مدلولات تعكس الاهمية الاستراتيجية لهذا الجزء من الوطن العربي وافريقيا .
والاهتمام الامريكي بليبيا لم يكن جديداً ولكن له جذور تاريخية تمتد إلى حقب تاريخيه طويلة ويعود إلى بدايات القرن التاسع عشر منذ أن بدأت عين الولايات المتحدة الامريكية تنظر إلى العالم بجشع لكي تسيطر عليه وذلك عندما غزت قوة بحرية أمريكية عام 1803 إفرنجي بقيادة (الجنرال ويليام أنون) ميناء درنه الذي يقع على القطاع الشرقي من الساحل الليبي من الحدود المصرية , وقد استعانت قوات الجنرال الامريكي آنذاك بعملاء من مماليك مصر وبالوالي التركي على برقة (أحمد القره مالي) ولقد توجهت الحملة البحرية الامريكية إلى درنه من الاسكندرية , ويشير تاريخ هذه الواقعة إلى أن الاسطول الاميركي الذي شارك في الغزو كان يتألف من مائة سفينة وكان ذلك يوم احتجز فيه الليبيون سفينة أمريكية تدعى (فيلادلفيا) واسروا 308 ضباط وجندي بحري كانوا على متن السفينة علما بأن هذه السفينة قد اشتركت في حصار مدينة طرابلس بحجة ايقاف القرصنة البحرية .
وتقول الرواية وفق ماجاء في كتاب المؤرخ الامريكي (سيتون ديردن) عنها أن الليبيين عاملوا الضباط باحترام إلا أنها اتهمتهم باساءة معاملة البحارة , وتضيف هذه الرواية بإن قائد السفينة فيلادلفيا أرسل رسالة مكتوبة بعصير الليمون غير المرئي إلى واشنطن للمساعدة في عملية غزو في الظلام لطرابلس أدت إلى حرق السفينة المحتجزة ولكنها لم تحرر بحارتها الاسرى ولم يفرج عن السجناء إلا بعد أن قام جنرال اميركي يدعى (وليام اينون) بحشد جيش جابه به الليبيين في درنه حيث وقعت معركة استنزاف طويلة.
إذن فالاهتمام الامريكي بليبيا ليس جديدا , ولم يكتم هذا الامر خبراء الاستراتيجية الامريكية والغربية بشكل عام بل أن هذا الاهتمام فاق كل تصور ويستطيع المرء أن يلاحظ ذلك دون أدنى عناء من خلال التنافس الاستعماري على احتلال ليبيا والمحادثات والمؤتمرات والمداولات الدولية التي صاحبت كل ذلك مدى التشبت الاستعماري بهذا الجزء العربي الافريقي ونهاية باقامة القواعد العسكرية فوق التراب العربي الليبي خاصة منها الامريكية لدرجة يمكن القول عندها أن ليبيا قبل قيام الثورة عام 1969ف كانت قاعدة عسكرية اجنبية كبرى وأن تقاسمتها عدة دول غربية استعمارية .. وإذا كانت أمريكا والغرب استطاعوا أن يقبضوا بأيديهم على البوابة الجنوبية لافريقيا آنذاك من خلال فرض النظام العنصري في جنوب افريقيا وتدعيمه ومؤازرته والدفاع عنه وتبرير كل ممارساته العنصرية اللا انسانية ضد المواطنين الافارقة السود هناك , فإن هذه الحلقة الامريكية الغربية لن تكتمل إلا بالسيطرة على ليبيا وجعلها موضع قدم أمريكي لتصبح افريقيا بالكامل مستعمرة امريكية غربية وهو الأمر الذي يعكس لنا سر الاهتمام الامريكي بليبيا ....
وللحديث بقية
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!