حديث الاثنين
الحديث الرابع والعشرون
( في نظرية خصوم الشعب)
ح : (يوتوبيا الجزئية(
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
في الاحاديث الثلاثة التى سبقت , تناولت موضوع المعرفة وكيف انها تؤثر في عمليات الادراك و الوعي , اي تؤثر في موقف الانسان بدءا من نظرته الى نفسه وحتى تجاوزه هذا المدرك , او ممكن الادراك , الى الغيبى الذي يتجاوز بداهة قدرة الانسان حيث لايتم القبول به الا عند مستوى الايمان , الذى شرطه ان يكون غيبياً . ولقد رأينا ان الموقف الماضوى من التاريخ ومن حركة التاريخ , والتى يحاول اصحابه اخفاءه تحت غطاء السلف , بحيث يتحول ذلك الى ما يعرف بالسلفية , هو موقف ميت , لانه يفترض ان حركة التاريخ قد توقفت عند جزء منه هو المتحقق ومن ثم لايعدو ما تبقى سوى كونه تكرارا لما تقدم , تحت مقولات , (ان التاريخ يعيد نفسه) , او حسب تنظير (العود الابدي للتاريخ).
فالماضوية , او اذا شئت ان تصفها بالسلفية , تقول بنهاية التاريخ , بل انها من اقدم نظريات نهاية التاريخ , وربما يكون الامر اشد خطراً عندها من غيرها , لانها تجعل من السلف او هكذا تحاول ان تبرر استمرار موقفها الميت الذي فقد علاقته بالتارخ اقول : تجعل من السلف وافعالهم مرجعية , بل ومرجعية مقدسة لايمكن المساس بها , حتى اذا ما حاولت ان تقترب من هذه الافعال , وجدت من الماضويين , او الذين يطلقون على انفسهم السلفيين رد فعل لايمكن لك ان تتوقعه , (من انت الذي تتحدث عن هؤلاء) ? (هل يمكن لك ان تصل الى ما وصل اليه فلان) , وهكذا على انه , والله يعلم , انهم لايدافعون عن فلان او فلان , بل عن انفسهم يدافعون وينافحون , ان موقفهم هذا , اذا جاز لنا ان نعتبره كذلك , اقرب الى تشنجات الموتى , وحشرجة النزع الاخير , بل اؤكد مرة اخرى انهم موتى حكما.
ان ثقافة السلفيين هي ثقافة الموت بداهة , حيث التشاؤم والحزن , وهل من يجعل المقابر سكنه بقادر عن يقيم عرسا على مقابر الموت , او ان يرقص رقصة الفرح على العظام والجماجم ? ان السلفية يوتوبيا بكل ما في الكلمة من معنى , الا انها يوتوبيا التراجع في التاريخ , حيث يصور هذا الذى يسمي بالماضى تصويرا يوتوبيا , باعتباره العصر الذهبى , وغيره من الصفات التى تجعله في القمة و الصدارة , على الرغم من ان الذهب لم يعد , كما اشرت في مقالة سابقة , العملة الافضل , مقابل اليورو , والدولار , واذا شئت غيرهما من المعادن الثمينة , هذا اذا شئت غيرهما من المعادن الثمينة , هذا اذا اعتبرنا ان اليورو عملة قابلة للاستقرار , اذ مع سياسة السوق , واوراق السوق المالية (البورصة) , لم يعد هنا من وحدة , ولا معدن بالامكان اعتبارنا مقياساً , او سعرا يمكن ان نصف به اى شىء , ناهيك ان نصف به زمناً او عصراً , او تاريخاً , واضعين في اعبتارنا ان البشر لايمكن ان يكونوا اشياء حتى يسعروا او على الاقل هكذا يجب ان يكونوا.
على ان الواقعية هي الاخرى اليوتوبيا الجديدة , وان كانت الواقعية ليست الواقع , (كما اشرت) فالواقع هو الذي يقع , او الذي وقع , ومثلما يجعل الماضويون السلف مبررا لموقفهم التراجعي من حركة التاريخ ويستغلون احترامنا وحبنا لسلفنا , اباء واجدادا وما يفرضه ذلك الاحترام من ثقل وجداني يفرض علينا في كثير من الاحيان الصمت تحت مقولة (اذركوا موتاكم بخير) فأن الواقعيين هم كذلك يحاولون ان يجعلوا جزئية الزمن الآتى مرجعية , واذا كان الماضويون , او السلفيون يملكون رصيدا قابلاً للعرض (انجازات مادية او معنوية) , فإن الواقعيين , اما صيرورة وسيرورة الزمن لايمكلون اى شىء من ذلك , فالزمن في حال حركة وسيولة , والواقعية تظل مصطلحاً يوتوبيا , لامعنى له , الا انهم يغلفونه بالعلمية بحيث يتحول العلم الى مقدس اخر, او تابو , اشبه بالعلامة التجارية لشركة ناجحة , فما ان تضعه صفة لاى شىء حتى تجعل من يرفضه في الصف المعادي للعلم , فالوصف بالجهل والعداء للعلم هو سلاح الواقعيين اى انه تكفير لا يختلف عن تكفير الماضويين , او السلفيين , لمن يرفض مقولاتهم.
ومثلما يرفض الماضويون التقدم في التاريخ باعتباره جهلاً وجاهلية , ويحرمون كل ما يحققه الانسان من انجازات في مسيرة التقدم الانسانى هذه , يرفض (الواقعيون) المتحقق من التاريخ فالواقع هو مطلق التاريخ , والناس قياسا بهذا الواقع هم صفحة بيضاء , او هم في عصر ما قبل التاريخ , الذي يوصف بانه عصر الوهم , او الخرافة او الميتافيزيقا , فكل ما لايمكن ادراكه الان , كما اشرت في مقالة سابقة , او لايخضع للتجربة , او للعملية (البراغماثية) , هو وهم وضلال , ومن هنا تحول العلم , الى علمانية , خارج فذلكة البعض , التى تحاول او تفتح العين , وليس (العلم) بكسر العين , وان كان الفتح او الكسر لايغني من الموقف (العلماني) شيئاً , فالعلم بالفتح في نظرهم هو هذا المحدود الخاضع للادراك الحي , والتجربة وفورية الدفع , فلا غرو قول الواقعين كذلك بنهاية التاريخ , ورفضهم للمتحقق منهم تماما مثل رفضهم للاتي , او الغيب , لان كليهما يقع في اطار غير القابل للادراك والخضوع للمقاييس (العلمية) ومن ثم سيوضع الغيب تحت احكام (الوهم والخرافة) , وفي احسن الاحوال , الفصل بين ما يسمونه (الحقيقة العلمية) , و(الغيبي) , وهو ما أدى الى ما عرف بنظرية الفصل بين الدين والحياة , لان الدين يقدم معرفة قبلية , واخرى اخروية , بينما العلم حسب قولهم مجاله الانى , والواقعى , والعملى.
موقف يوتوبى اخر لابد من الاشارة اليه , وهو ما نسميه يوتوبيا الاتي , مقابل يوتوبيا الماضى (السلفية) , ويوتوبيا (الانى) الواقعية , فالعجز كما اشرت عن إيجاد فلسفة شمولية تستوعب حركة التاريخ , فلسفة تتجاوز الشرك المنهجى الى الوحدانية , وبذلك ترفض تجزئة الانسان , او المكان , واو الزمان سيؤدى الى ان يكون الاتى او المستقبلى من التاريخ هو الاكمل او الابهى, ومثلما يرفض السلفيون الان والمستقبل , ويرفض الواقعيون المتحقق والاتي يرفض هؤلاء كل الزمن عدا الاتي منه فهم يرسمون عالمهم الكامل و الامثل في (لامكان ولازمان) , وبالاحرى (لا انسان) , و اذا كانت الجنة في اللسان العربي تعني هذا الغائب وغير المنظور , وان الاسلام يجعلها نتاجا للفعل اي للوعى والارادة , أو قل للتاريخ حيث يكون الانسان في حال الشهادة وفي وسط المعركة , وتكون صلاحية الانسان صفة تتعلق به وتتحرك معه حسب حركته في الزمان والمكان لا معيارية ثابتة تجعل من هذا الجزئى مطلقاً , و بعبارة اخرى فأن الغيبي او الاتى هو الامل الذي دفع الانسان دفعا الى تجاوز المحدودية الى حيث الاخرة , التى هي اخر مدى الفعل الانسانى ليخرج الانسان في الجنة , وفي الجنة فقط من اسار المحدودية , اذن فالايمان بالغيب يرفض بداهة الموقف السلفي, والواقعي والطوباوي, اي يجعل الاتى دافعاً للاستمرار في الحياة , او قل للاستمرار في التاريخ , حتي العلم بهذا المنظور سيكون في الغيبي , فالعلماء الكبار سيكونون بداهة , غيبيين كبارا , ليتحقق قوله تعالى (انما يخشى الله من عباده العلماء) , فهم وحدهم الذين يكون العلم بالنسبة لهم هو علم بمدى جهلهم.
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!