بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش

رؤية في الثقافة والأدب ( 66 ) أفكار ضد الموت الليبرالية وثقافة الفظاعة المرعبة بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش [email protected] أشرت في رؤى سابقة الى ان الليبرالية تعتمد القوانين الفيزيقية , اي انها تتعامل مع الانسان وفق قوانين الفيزيقا , ف

رؤية في الثقافة والأدب

( 66 )

أفكار ضد الموت

الليبرالية وثقافة الفظاعة المرعبة

بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش

[email protected]

أشرت في رؤى سابقة الى ان الليبرالية تعتمد القوانين الفيزيقية , اي انها تتعامل مع الانسان وفق قوانين الفيزيقا , فالانسان مخلوق فيزوقراطي, خاضع لسلطة او (قراطية)الفيزيقا , وبعبارة اخرى ان الانسان مخلوق جبري تماما , منزوع الوعي , ومنزوع الارادة . فالاداتية , اي كونه اداة والآلية اي اخضاعه لقوانين الالة سمتان من سمات الايديولوجية الليبرالية اذا اعتبرنا ان الايديولوجيا تعني وجود نسق للافكار او (لوغوس) (Logic) , ينظم هذه الافكار بناء على فلسفة , اونظرة للكون والحياة , ومن ثم الاحياء والاشياء .ويظل وصف الليبرالية بانها مذهب , او ايديولوجية "الحرية"وصفاً من باب التضليل والتشويه , فالليبرالية لاتعني اكثر مما اشرت اليه , اي عدم التدخل في الانسان لا لانه حر وواع وارادي , بل لانه خاضع لقوانين الحتمية والجبر .فلا غرو وفق هذا المفهوم ان وظفت الليبرالية قوانين الارتباط الشرطي واعتمدت مايسمى علم نفس اللا شعور الفرويدي , وغيرها من الاطروحات والنظريات التي تؤكد فلسفتها ورؤيتها . فاطروحات الكف عن القيام بالسلوك ضمن قانون الارتباط الشرطي اساس من اساسات الاطروحات الليبرالية , ومن ثم يكون الكف بالرعب مما يقع ضمن هذه الاطروحات , وهو ما يذكرنا بالمثل الليبي المعروف (الضرب للقطوس والمعنى للعروس ), او قصة جحا في ضربه الحمار المربوط , وتركه الحمار المنفلت من عقاله الذي اتي على زرعه فهذه الاطروحات مما يعطى درسا في الرعب يجبر الطرف المعني على الكف عن القيام بسلوك ما , وذلك يأتي من ادراك من يقوم بالارعاب ان خطراً يلحقه اذا قام من يواجهه بفعل الرد . ولنا هنا ان نوضح الفرق بين دلالة الارهاب والارعاب فالرهبة لاعلاقة لها بالرعب الذي يقترب من دلالة المصطلح الانجليزي (terrorism)والذي يترجم عندنا في العربية الى ارهاب ذلك ان الرهبة وضع نفسي مصدره الدهشة والاعجاب الشديد فنحن اذا دخلنا مكانا مقدسا او مقبرة , او رأينا شيئا عظيما يثير اعجابنا او دهشتنا اوجد ذلك فينا الاحساس بالرهبة , ولكن هذا الاحساس ليس الاحساس بالرعب الذي يأتي من الفظاعة , وان اصبحت الفظاعة وهي وصف لمكروه من الافعال او الاشكال صفة محببة عند الكثيرين عندنا في زمن العجمة حتى انه اذا اراد الواحد ان يصف منظرا جميلا قال عنه انه فظيع !! .الليبرالية اذن تعتمد الرعب لاحداث رد فعل الكف عن السلوك وخير شاهد على ذلك ما قامت به الادارات الامريكية المتعاقبة من افعال ارعابية فظيعة في حق الشعوب مثل ما حصل في هيروشيما ونجازاكي , وفيتنام وافعانستان , وما يجري الآن في العراق فهذه كلها سياسات الرعب التي من شأنها ان تمنع الآخرين من غير هؤلاء ممن تخشاهم هذه الادارات وان تكفهم عن القيام باي فعل ارادي لايقاف السياسة الامبريالية الامريكية التي اسست على فلسفة الليبرالية .كتب الفيلسوف الالماني المعاصر "سلوترجك"منبها الى ان جهود المفكرين بعد الحرب الامبريالية الثانية او ما يسمي (بالحرب العالمية الثانية ), كانت تنصب على محاولة فهم المأساة التي تعيشها البشرية الا ان هناك كتابات لفلاسفة ومفكرين توظف حجة لاقتراف المزيد من الفظائع , ولذا فقد دعا " سلوترجك"الى وضع حد لتلك الكتابات التي توجد ما اسماه (المواخاه مع الفظاعة المرعبة) (Fraternity with horror) .ان ما يجري اليوم ضمن سياسات ودعايات اجهزة الاعلام الليبرالي هو تماما ما نبه الفيلسوف الالماني "سلوترجك", اليه , وما اكد على مدى فظاعته وخطورته . ولنا نشير مؤكدين على ماذهب اليه من ان الفلسفة الليبرالية لاحتقار الانسان والقيم والاخلاق , فلسفة اسست على ازالة كافة حدود الثقافات التي تحدد الذوات الثقافية , او مايعرف (بالهويات) الاجتماعية للامم والشعوب , والتي تستهدف من خلال ازالة الحدود والثقافات الشرائع والاديان ومرجعيات المجتمعات الانسانية كافة التي تؤسس لهذه الثقافات هذه الفلسفة التي تعتدى بالجملة على الانسان والحياة والكون وظفت واوجدت كتابا وفلاسفة غير اخلاقيين يبررون العدوان على الشعوب بل وسحقها, وما ادعاءات نهاية التاريخ وصدام المدنيات ودعايات الانسان الاخير واعادة تشكيل العالم الا نماذج لهذه الفلسفات التي تحاول ان تجعل من الفظاعة المرعبة ثقافة تعمل في العمق البشري , بما تحدد السلوك والافعال . اننا نعترف ان الليبراليين قد استفادوا من حوادث التاريخ وكفاح الشعوب من اجل تأكيد ذاتها وادركوا انه من غير الممكن السيطرة على العالم مادام هناك محركات للفعل الانساني ابعد من ( اللاوعي , والارتباط الشرطي ) بالامكان ان تجعل الانسان متجاوزا قوانين الجبرية والحتمية والاداتية والآلية لتضعه في رحاب الشهادة والحضور والوعي والغيب الموجب الذي يتجاوز بالانسان اسارات الواقعية والمادية وهو مايخيف الماديين بعامة والليبراليين باعتبارهم يقعون ضمن فلاسفة المادة . اذن يظل من الاسهل عليهم ازالة كل المكونات الثقافية والفكرية للامم ازالة حدود الثقافات , مثلما ازالة حدود المكان تحت شعارات ( نهاية الجغرافيا ) اذ نهاية الجغرافيا تعني بداهة نهاية التاريخ , ومن ثم نهاية الانسان وتحويل الانسان الى مجرد شيء او رقم بالامكان التنبؤ بسلوكه ضمن قوانين السلوكية التي بشر به الليبرالي الانجلوسكسوني (جون واطسن 1878- 1958), اعتمادا على نظرية (بافلوف الروسي 1849- 1936) في الارتباط الشرطي على ان ذلك لايتم الا باعتماد جرعات الفظاعة والارعاب , بحيث يتحول ذلك كله الى ثقافة توفر على الليبراليين مغبة ارسال الجيوش ونشر القواعد , وسياسات الحصار فعلم النفس الليبرالي الذي يتم التبشير به هو علم نفس التكيف , وبعبارة "سلوتروجك"(الفظاعة المرعبة), والبركة تظل دائما في اساتذتنا الانتلجنسيا المزروعين في معاهدنا وجامعاتنا , من المبشرين بالاطروحات الليبرالية , ونظريات التكيف والارتباط الشرطي.

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط