قراءات تحت الشمس
وداعاً أيها العام
محمد عمر بعيو
شاء حظي او هو سوء حظي ان يصادف مقالي الاسبوعي اخر ايام العام لاجد نفسي مضطرا الي توديع عام يمضي الى غياهب الزمان واسفار التاريخ ولكن ليس الى غيابات الذكرى ومجاهل النسيان فقد كان عاماً ليس ككل الاعوام ليس بالنسبة لكاتب هذه السطور فقط بل ربما لجميع من ينتمي اليهم وينتمون اليه وطنا وثقافة ووجودا وذاتا وكينونة ومصيراوان كان العام الذي نودع اليوم ساعاته الاخيرة قاسٍ على ومولماً لي لانني فقدت فيه امي وبالمرارة ان يفقد المرء امه حتى وان يكن تجاوز الاربعين ولم يعد في المهد صبياً لكن الاقسى والادهى والاشد مرارة انني فقدت فيه 0أمتي) التي لم نعش لاجلها - فماتت -ولم نمت في سبيلها فماتت
ان تكتب في اليوم الاخير من العام فكأنما تكتب تأبيناً لانسان عشت معه وعايشته ثم رحل تاركاً لك لوعة وحسرة في نفسك وتاركاً بين يديك امانة ان ترثيه وتؤبنه وان كان في الرثاء والتأبين تعداد للمآثر والمزايا والصفات وتجاوز عن الاخطاء والخطايا والعثرات فان في توديع العام او هذا مايجب ان يكون , تشخيصاً للحال وتوصيفاً للمصير والمآل ليس على الطريقة العربية التقليدية التي تجعل الزمان مشجبا للقصور والتقصير وتجعل الايام شماعة لعجزنا وضعفنا وتخاذلنا وتنسي ان المعجزة لاتولد من رحم العجز , وان الواقع لاينمو في تراب الخيال , وان المآثر ليست بنات هوى تلين وتطيب لمن هوى بل هي بنات الدماء والدموع والسواعد والانياب والاظافر وان العالم ليست ثلاثمائة يوم وخمس وستين بل هو عام خير او عام شر عام نصر او عام هزيمة عام غيث مدررا من المعاني والمبادىء والقيم , او عام انحسار وانكسار وعجز وسقم , وبهذا المعنى وهذا المفهوم كان العام الذي ينتهي اليوم عام الهزيمة الكاملة للعرب , عام سقوط بغداد حاضرة الامس دامرة اليوم تحت سنابك الغزاة المحتلين القادمين من وراء الغيم على متون الحقد وشهوة الانتقام , عام الهزيمة الثالثة الثابتة لمفهوم الدولة الوطنية القطرية التي ولدت من رحم الاستعمار وهاهي تعود الي حضنه محتلة مكرهة منهارة او طائعة ضائعة مختارة , لقد عاد الاستعمار من جديد لان الفراغ بقى فراغا لابد ان تملاه التيارات والطيارات والجحافل بعدما تركته وهربت من اركانه الجيوش والعروش والقبائل وبعدما اطلقت سلاطين الشهوة كل الشهوات من عقالها من شهوة القتل الى شهوة الاغتصاب الي شهوة الاستحواذ والامتلاك الى شهوة الاقصاء والالغاء والافناء , وبعدما اعتقلت اوهام السلطة ونشوتها وقسوتها كل العقول , وكل الافواه , وكل العيون فمجنون عقل لايفكر كما يفكر السلطان , وابكم فم لايهتف باسمه وعمياء عين لاتبصر مآثره ومحاسنه فتراه في ابهى حلله وهو عار , وتراه جميلا وهو قبيح وترى الوطن والحياة والكون بعيونه اذا نظرت بدا الوجود واضحا وجليا واذا اغمضت انطفأ الوجود فصارت المرئيات والموجودات مجرد رؤى واوهام وخيالات وعاد الاستعمار من جديد لأن الجموع كانت في مجاهل الغيب وعلى هامش الفعل وفي خلفيات الصورة بينما كانت الحكومات تضع سيوف الطغيان على رقاب الجماهير تصفها بالجهل وتصفعها بأيد من حديد الحرير ومابين قهر الجموع وصفع الاهل ضاعت بغداد ولسنا ندري على من سيأتي الدور بعدها وان كان مؤكدا اننا (اكلنا جميعاً يوم اكل الثور الابيض) واننا نتحول جميعا من مشاريع دول لم تقم الى مشاريع مستعمرات مالم تقم دولة الجموع الجماهير ومالم يتوقف التزييف والتدليس والتزوير ولو كانت الجيوش تحمى العروش فقد كان قوام جيش العراق مليون مقاتل ولكن من قال ان لدى العرب جيوشا وشتان شتان بين جيوش الاوطان وحراس السلطان والطغيان لكن الشعوب وحدها من يقاتل اذا فرت الجيوش وسقطت العروش وهاهو شعب العراق رغم كل شىء يقاتل .فوداعاً ايها العام فأنت مظلوم بنا ومظلوم منا انت مجرد تقويم لزمن ونحن ونحن ما قال شاعرنا :
نعيب زماننا والعيب فينا ومالزماننا عيب سوانا واعذرنا ايها العام اذا اسميناك عام الهزيمة وعودة الاستعمار من جديد فلن نكون نحن نحن اذا لم نضع علي عاتقك المثقل بنا بقايا اسمالنا المهترئة وصفائحنا الصدئة ولابد انك فرح اليوم اذا تغادرنا لنبقى حيث نحن وتسلّم الشهادة علينا لعام جديد يأتي غداً خائفاً علينا من انفسنا خائفا منا على نفسه .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!