ارتسامات
حكاية من مخزون الذاكرة
عثمان اسماعيل
انطلقت الزغاريد في بيت الشيخ بعد ان حدثت حركة فجائية غير عادية .. اطفال ونساء ورجال من مختلف الاعمار يدخلون الى بيت الشيخ ومربوعته بعضهم جلب معه الخراف والاخر الماعز .. اختلط الحابل بالنابل الزغاريد وثغاء الماعز والخراف وأصوات الرجال وتهاليلهم وفرحة الاطفال وهم يشاهدون الذبائح معلقة بشجرة التوت الضخمة متتوقين الحصول على وجبة شهية بلحم الخراف او الماعز .. فقر مدقع يجتاح تلك القرى التى يتولى مشيختها هذا الشيخ .. الجميع يبحث عن أعراس الميسورين ومناسباتهم بتلك القرى لكى يملأوا بطونهم بالطعام والذي يعتبر مفقودا في بيوتهم .. أطل الشيخ على ضيوفه الجالسين »بمربوعته« ذات المساحة الواسعة والمفروشة بحصير من النوع الراقى المزين برسوم زاهية الالوان .. وضعت مجموعة من الوسائد على طول جدران المربوعة اتخذها الجالسون متكأ لهم لتقيهم من برد ورطوبة الجدران .. القى السلام على الحاضرين وهو مزهو بوضعه ولباسه الليبى الذي اختاره ذلك اليوم ليكون لونه بنياً يعلوه »جرد« ناصع البياض محفوف بخيوط حريرية .. ردوا التحية وتحفزوا لمصافحته .. صافحهم واحداً واحداً .. طلب منهم ان يستعدوا لمعركة الانتخابات التى سيخوضها ضد منافسه البي ... أعلمهم بأن نفوذه لدى الحكومة كبير الامر الذي يتطلب من الجميع بذل قصارى جهده من أجل الفوز على منافسه ووعدهم بالخير الوفير عندما يصبح عضوا بمجلس النواب .. فرح الجميع وهلل ووعد الشيخ بالعمل ليل نهار لكى يفوز بالكرسى .. اجتاحت كيان الشيخ موجة من الرضا والفرح نتيجة لما سمعه من مشجعيه المقربين اليه .. قسموا انفهسم الى مجموعات بحيث تقوم كل واحدة بعمل ما يوكل اليها من مهام .. واحدة لاستلام الخراف والماعز من المؤازرين واصحاب المصالح لذبحها وكذلك مهمة هذه المجموعة الطبخ وتقديم الطعام للناس الذين سيعطون اصواتهم للشيخ .. مجموعة اخرى لزيارة الناس في بيوتهم ومحلاتهم وحثهم على انتخاب الشيخ كذلك اختير عشرات من الشباب الذين كلفوا بمهمة الدعاية والصاق الملصقات بالجدران والتى تحمل صور الشيخ وهو يدعو الناس لانتخابه .. اما أهم مجموعة فهي المصاحبة للشيخ شخصياً اثناء تحركاته بالسيارة التي تبث بمقدمتها مكبرا للصوت خلفه خطيب يدعو الناس الى انتخاب الشيخ باعتباره خير من يمثلهم ويدافع عن مصالحهم بمجلس النواب .. أسابيع طويلة من الدعاية وولائم الطعام المستمرة دون انقطاع والناس لاتأكل ولا تشرب الا من دار الشيخ ولا حديث للناس الا عما يقدم من طعام وشاي وماء مثلج للناس من طرف الشيخ الذي سيكون عضوا وممثلا لهم بمجلس النواب .. انتخبونى أيها الناس اننى خير من يمثلكم ويدافع عنكم ويوفر لكم الملح والشاى والسكر والشعير .. سوف أعمل أيها المواطنون على اشباع بطونكم وتوفير لباسكم .. بهذه الأمانى والطموحات انهى الشيخ خطبة دعائية عصماء وسط حشد من سكان قرى دائرته الانتخابية عقب مأدبة الغداء التى أقامها لهم .. اعطى تعليماته بأن تقوم احدى اللجان المتخصصة بتوزيع خمسة ارغفة من الخبز على كل بيت مع تذكير اصحابها بموعد يوم الانتخابات .. اقترب موعد الحسم وبدأ التوتر العصبى يسيطر على الوضع .. غربت شمس اليوم الاخير مع وهجها الاحمر وامتدت الاعناق نحو ذلك المذياع العجيب لسماع اسم منتخبهم ضمن الذين فازوا في الانتخابات .. بدأ القلق والخوف يدب بأوصال الحاضرين حيث لم يبق من الدوائر الانتخابية التى لم يعلن عن اسماء الفائزين بها الا القليل ومنها دائرة الشيخ .. المذياع يعلن هنا إذاعة ??.. احد المقربين يصرخ اسمعوا يا جماعة اسمعوا الخبر قادم .. واخيرا يقولها المذيع ولكن عكس ما كان ينتظر ويتمنى المنتخب واعوانه .. سقط الشيخ ولم يفز بعضوية مجلس النواب .. تحسر الشيخ على الاموال التى صرفها على حملته الانتخابية .. ترنح وسقط ارضاً مغشياً عليه ... نظروا اليه وغادروا المكان دون ان يتقدموا لانقاذه .. تلاشي الحلم وانطفأت الانوار وأسدل الليل ستاره معلناً نهاية المسرحية .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!