السبت 9 ذو القعدة 1378 و.ر 16 من شهر التمور 2010 ف العدد 5322
الثقافي
الدولة العثمانية من إمارة إلى إمبراطورية
*.د محمود أحمد الديك
أبدعوة من جامعة بلجيك التركية تم عقد مؤتمر دولي بعنوان (من سكوت إلى القارات الثلاث، خلال الفترة 17-20 من شهر الفاتح (سبنتمبر) 2010ف). وقد أقيم احتفال رسمي حضره نائب رئيس الوزراء وعدد من شخصيات الدولة، وصاحب الحفل مهرجان شعبي ضخم وعروض فنية، لإحياء الذكرى (729 ) لتأسيس إمارة عثمان أرطغرل المؤسس للدولة العثمانية التي تربعت على أجزاء من اوربا وآسيا وأفريقيا وعاشت ثمانية قرون. وقد شارك في المؤتمر عدد من الباحثين من تركيا ومن الأقطار العربية والأجنبية. وحضر الإفتتاح وبعض الجلسات عدد كبير من السياسيين ورؤساء بعض الجامعات. ولقد عبروا عن أهمية هذا اللقاء الذي سيساعد في فهم الأحداث وتقريب وجهات النظر.
وقد شاركت بصفتي العلمية بورقة حول (مظاهر من العلاقات الليبية التركية):
(إن معظم المؤرخين والباحثين الذين تناولوا دراسة التاريخ العثماني، لم يفسروا طبيعة وفلسفة ظهور هذه الدولة التي امتلكت مساحة كبيرة، وعاشت أطول عمرا بعد الإمبراطورية الرومانية، والسوأل الذي يطرح: هل كان العثمانيون ينطلقون من ايدولوجية دينية أو عرقية، حتى استطاعوا أن يهيمنوا على معظم اجزاء العالم العربي والإسلامي؟. لا شك أن مناقشة مثل هذه المسائل تتطلب باحثين أكفاء منفتحين عقليا وفكريا، ولديهم القدرة على استنطاق احداث الماضي ودراسة الحاضر بما يعينهم على استشراف المستقبل، من الباحثين العرب والأتراك، وذلك من خلال مؤسسات علمية أكاديمية، أداتها المصادر الوثائقية العثمانية التركية العربية والأجنبية ومنهجها التحليل والمقارنة، وهدفها تصحيح بعض المسارات التي جانبها الصواب وعكرت صفو العلاقات العربية التركية. ويبدو أن التوتر في العلاقات الاجتماعية يعود لإستمرار القطيعة وانعدام وسائل الإتصال وغياب الحوار النقدي من كلا الطرفين. ولكن إذا نظرنا بعين الموضوعية لتقييم تلك المراحل بشكل عام في الدولة العثمانية، فقد تعرضت لبعض الأزمات بين الاهالي والسلط الحاكمة، لكن العلاقات كانت في أغلب الأحوال مضيئة ومشرفة للعرب والأتراك على السواء حتى مطلع الحرب العالمية الأولى. وما من شك أن هناك أطرافاً خارجية أجنبية سعت في تعميق وتوسيع الهوة والخلاف بين الأتراك والعرب سواء من خلال بعض مواقف الحكومات التقليدية، او حتى من بعض المثقفين والمؤرخين العرب الذين ورثوا ثقافة بعض المستشرقين غير المنصفين للعرب والأتراك. وليس من الصواب أن نظل نتأسف ونتحسر على مرحلة من أحداث وأخطاء من الماضي، قام بها أفراد اصحاب نزعات شوفانية، كما لا ينبغي أن تتحمل الشعوب وزر وأخطاء هولاء سواء المقصودة أوالعفوية، فهذه مسيرة أمة وحضارة بما لها وعليها، والأمة العربية والتركية تحدت الصعاب ومرت بظروف قاسية ولكنها تظل صامدة وتراهن على المستقبل.
لقد آن الأوان لتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة والمغالطات التي ورثتها الأجيال بالتواتر دون تبصر وروية، ومن حقها أن تدرس تاريخ الأتراك والعرب بصورة شمولية وبموضوعية، فهو يعود لثماني مئة عام من المد والجزر، فالوجود التركي هو امتداد طبيعي لأصولهم الإسلامية في وسط آسيا، فالعثمانيون قد ورثوا الدول الإسلامية المتعاقبة من الأموية والعباسية السلجوقية، حتى أصبحت واقعا في حركة التاريخ، كقوة إسلامية جبارة، صارت تزعزع أركان أوربا المسيحية. وهنا اتحدت الجغرافية بالتاريخ والمصلحة الإسلامية المشتركة لمواجهة التحديات الأوربية، في ظل ظروف دولية كانت خطيرة للغاية، فالمنطقة العربية كانت تشهد فراغا سياسيا وحالة من الوهن العام، حتى طمع فيها المغامرون واحتلوها بقوة السلاح. لقد كان التهديد حقيقة ماثلة تتعرض لها المنطقة العربية من قبل البرتغاليين والأسبان وفرسان مالطا المسيحيين، الذين اتحدوا جميعا في الأهداف وبمباركة من الفاتيكان، لمحاولة محو الإسلام من جنوب شبه الجزيرة العربية ومن شمال أفريقيا ليعود البحر المتوسط بحيرة رومية مسيحية وهي حركة صليبية متجددة. وأن المخطط الأوربي الغربي لم ولن يقف عند حد لإضعاف المسلمين والعرب وتمزيقهم شر ممزق وأن مسلسل المؤامرة مستمر مع الأشخاص والزمان والأدوات.
إن مجيء العثمانيين إلى المنطقة (ليبيا) لم يكن ينتظر دعوة من أحد أو إرسال وفود تستنجد بالسلطان، حتى وإن صحت بعض الروايات. فالجيوش العثمانية البرية والبحرية كانت تزحف كالسيل الجارف، جنود اقوياء يقودهم رجال أشداء من السلاطين العظام يطوون الأرض طياً، فقد اجتاحوا شرق أوربا حتى حدود أسوار فيينا، ومنها نزلوا إلى جنوب شبه الجزيرة ليستقر بهم المقام في أقصى نقطة لهم عند الجزائر، حاملين معهم رسالة الإسلام ومصممين على إقرار الأمن والسلام في البحر المتوسط.
إن معظم المؤرخين والباحثين الغرب الذين تناولوا دراسة تاريخ ليبيا الحديث، عمدوا إلى الإساءة للوجود العثمان، وكال هولاء الطعن والتشكيك في الرابطة الإسلامية التي كانت قد جمعت الليبيين بالأتراك لعدة قرون، ووضعت اللائمة في تخلف الليبيين على الحكم التركي الذي دام اربعة قرون، واتهموا الدولة العثمانية بأنها لم تكن تحمل مشروعا حضارياً.
بل ان هناك العديد من الدراسات قصدت عمدا، تضخيم للإحداث بصورة مبالغ فيها، وخصوصا حين تناولت بعض الثورات التي انتفضت ضد تعسف الحكام العثمانيين وليس ضد السلطان العثماني. وهنا لا بد من وقفة ومراجعة تاريخية في محاولة لفهم الأسباب والأبعاد لقيام عدد من الثورات في بعض المناطق الليبية. إن القارئ لتاريخ ليبيا السياسي والاجتماعي، عليه أن يميز بين طبيعة مجتمع المدينة والمجتمع الريف أو البدو والتعرف على اختلاف الطبائع والعادات والتقاليد. ولا يمكن فصل العامل الإقتصادي وتأثيره على الحالة الإجتماعية في معظم أرجاء الولاية.
فالحكم العثماني الثاني المباشر من الباب العالي على ولاية طرابلس الغرب سنة 1835م، قدم بوجه جديد من حسن التنظيم ودقة الإدارة وإحلال الأمن في منطقة شاسعة أطرافها متباعدة، ولم يعد هناك سبيل للتهاون في مسألة التبعية المباشرة للحكومة المركزية. خصوصا بعد فقدان الدولة العثمانية ولاية الجزائر بفعل الإحتلال الفرنسي سنة 1830. وكانت الدولة في حاجة لأموال إضافية لتغطية نفقات الحروب والدفاع عن الثغور فالجيش العثماني كان يدافع ويحارب في عدة جبهات لعدة قرون، ومن الضرورة أن تفرض الضرائب لتغطية نفقات الحرب.
وتعتبر الضريبة على مدى التاريخ هي المعيار التي تقاس بها العلاقة والرابطة بين الفرد وتبعيته لسلطة والدولة الحاكمة، لكن هناك شبه اتفاق بين المؤرخين أن بعض جباة الضرائب كانوا يبالغون في جمعها وفي طريقة الحصول عليها، خصوصا في منطقة مثل ليبيا فقيرة الموارد والإمكانات. ومع ذلك تظل مسألة امن الدولة لا نقاش ولا تهاون فيه. وهكذا أخضعت مناطق التمرد بقسوة حادة. ولكن بعد سنة 1858م، صارت الولاية تنعم بالإستقرارت ولم تعد تشهد أية انتفاضة كما كان في السابق، ولم تمضي سنة 1870 حتى صارت البلاد بكافة مدنها وقرها تحت السيطرة العثمانية الكاملة المباشرة.
ومنذ وصول العثمانيين سنة 1551م لمنطقة الشمال الأفريقي، قامت الجيوش العثمانية، بتحريره من سيطرة الإحتلال المسيحي الإسباني وفرسان مالطا بفعل قوة السلاح. واستطاع الأتراك أن يصدوا هجمات الفرنجة عليها، ويؤمنوا تجارها ويحموا حجاجها من قطاع الطرق البحرية والبرية. وقد عرفت طرابلس الغرب (ليبيا) لأول مرة في تاريخها توحيداً للأقاليمها الثلاث (طرابلس، برقة، فزان)، وصارت لها حدوداً جيوسياسية، ورسمت معالمها منذ ذاك التاريخ. الواقع أن ليبيا لم تكن تتمتع بموارد وخيرات كثيرة، باستثناء بعض المدن الساحلية اكبرى، وعدد من الواحات التي كانت تمر بها تجارة القوافل. وحتى المغامرون الذين احتلوا أجزاء من أراضيها استقروا في السواحل على البحر وفي مناطق ضيقة ومحصنة، وبقية البلاد لم تكن مغرية بشكل كبير سوى من الناحية الإستراتيجية أو بحكم موقعها كمفصل بين جناحي الوطن العربي. ومع عودة العثمانيين وسيطرتهم على ليبيا، فقد استطاعوا إخماد الفتن والاضطرابات الداخلية، ثم بدأت مرحلة جديدة في تطبيق برنامج التنظيمات والإصلاحات العثمانية، بدءاً من الأستانة ليشمل كل الولايات العربية، خصوصا في الجوانب الإدارية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، لكن العدوان الإيطالي اجهض كل المشاريع ودخلت البلاد في دوامة الحرب التدميرية 1911-1943م. حتى صنفت من الدول الفقيرة والمتخلفة
هناك سؤال يطرح من حين لآخر. هل كان للدولة العثمانية مشروع حضاري؟ ، وأن الذي يؤكد أو يفند هذا الرأي يتوقف على مراجعة وتقيم وثائق الأراشيف العثمانية والعربية والأجنبية وما حملته من أحداث. ولعل في دراسة نموذج ولاية طرابلس الغرب، ربما سيوضح بعض الغموض الذي لا زال يسيطر على بعض الدراسات التاريخية. لقد كانت ليبيا أفقر وأبعد ولاية عثمانية جغرافياً عن مركز السلطة في اسطنبول. ومع ذلك فإن الليبين هم أقرب للعثمانيين اجتماعياً من بقية الشعوب التي انضوت تحت راية السلطان العثماني، رغم الإختلاف في القومية واللغة، لكن جمعتهم روابط روحية ووجدانية ونضالية ومصلحة مشتركة.
لقد دخلت تركيا ليبيا 1551، وخرجت منها 1919، هذه المرحلة كانت حبلى بالأحداث والحوادث ومن خلال الإطلاع على المصادر العثمانية المتوفرة أثناء المقاومة الليبية للغزو الإيطالي، فقد شارك عدد من الضباط والجنود الأتراك إلى جانب إخوانهم الليبيين، وكان على رأسهم مصطفى كمال اتاتورك، ونوري وانور ونشأت بك وغيرهم. وفي المقابل لم يتأخر الليبيون بالمساهمة في معارك تركيا في الحرب العالمية الأولى. والوثائق تشير لأسماء العديد من الشهداء الليبيين الذين سقطوا في الأناضول. كما استقبلت المدن التركية جاليات ليبية في مدينة أزمير التي انصهرت فيها العائلات الليبية بشكل كامل في المجتمع التركي، علاوة على أن هناك فئة كبيرة من سكان ليبيا هم كراغلة وشركس وارنأؤط وغيرهم من اصول تركية صاروا ليبيين بحكم المصاهرة والاقامة الدائمة. وبعد أن تخلصت ليبيا من الاستعمار وتحررت من ارتباط من القوى الأجنبية، بفعل ثورة الفاتح العظيم من العام 1969. التي راهنت على تركيا المعاصرة وقدمت لها المساعدات خلال أزماتها. من هنا حان الوقت للمؤرخين والباحثين العرب والأتراك، أن يبادروا إلى مراجعة ملف العلاقات الليبية التركية المتميزة، بدء من أبهى عصورها مروراً بالحقبة الأليمة وتداعياتها.
وحتى تنجلي الصورة والتعرف بشكل موضوعي للعلاقات الليبية التركية ينبغي فتح الاراشيف أمام الباحثين مع ضرورة التعلم وبكفاءة اللغة التركية الحديثة والقديمة واللغة العربية للمتخصصين. ونقل المعارف لعامة الناس، إن منطق التاريخ والمصلحة بين الشعوب الإسلامية يتطلب تجنب ايقاظ الجروح والضغائن والاحقاد التي غرسها الغرب في العقل العربي والتركي، كما ينبغي أن يضع العرب أيديهم مع الأتراك الذين عادوا بوجه جديد وبرؤية إسلامية عربية تركية إيرانية، تمتلك القوة القادرة والفاعلة على القيام بدور تاريخي يعيد للمنطقة وللمسلمين كرامتهم ومكانتهم والقيام بدورهم التاريخي، في المساهمة في تحقيق السلام والتنمية لشعوب المنطقة برمتها).
ترجمات
عُضوُ الحضارة... والقارة المظلومة
تعريف قديم «وين السماء؟»
(أربعة)
قصص من التاريخ
عودة الأتراك برأس غومه
المراكز الثقافية العربية والتصحر الثقافي
دراسة شاملة لمدينة سـرت الاثرية القديمة
.عرض
" دروب الحياة " رواية الزويك اليتيمة
مذكرات بوبشير
عن ماوقع في الليلة الظلماء
تنوير
وصمات أوروبية في سجل البشرية
مذكرات بوبشير
الابتداء : الواحد ربي
الحصلة في المنداف
روائع الأدب والنقد
تفجير اللغة الشعرية
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
السبت 16/10/2010
12:56 الظهر 16:05 العصر 18:37 المغرب 19:56 العشاء 05:48 فجر غداً 07:12 الشروقحالة الطقس
34 طرابلس 38 بنغازي 36 سبها 35 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!