الأحد 8 ذو الحجة 1378 و.ر 14 من شهر الحرث 2010 ف العدد 5348
سياسة
انفصـال جنـوب الســودان : خيار أم سـيـرورة ؟
*سليم يونس
فتش عن السبب
وأكاد لا أغالي إذا قلت إن ما يطفو على السطح الآن ، ويبدو غير واقعي لدى البعض ، وبمثابة نزوع نحو التدمير الذاتي على الأقل بالنسبة للجنوب ، هو في الأساس نتاج أزمة بنيوية يعاني منها النظام السياسي السوداني ، وأنتجت هذا الكم من المشكلات سواء في الجنوب أو الغرب أو الشمال ، وهي مشكلات تمس استقرار ووحدة السودان .
ويبدو هنا نوع من قصر النظر السياسية والفكرية ، رد ما يجري في السودان إلى العامل الخارجي ، لأن الاستسهال في تحميل الخارج المسؤولية ، يريح بالمعنى السلبي من مواجهة قصور الذات ، ومن ثم تصبح " نظرية المؤامرة " هي الحامل المثالي لأخطاء وخطايا العامل الداخلي ، دون أن يعي من يقول ب" نظرية المؤامرة " أنه حتى لو كان ذلك صحيحا تماما ، فإن من وفر الظروف للتدخل العامل الخارجي ، هو عجز العامل الداخلي بشقيه الذاتي والموضوعي ، في توفير الحصانة السياسية والفكرية التي لا تستطيع معها أي قوة خارجية في التأثير في الواقع السوداني .
ليصبح سؤال الذهاب نحو الانفصال ، هل هو إرادة معلقة في الهواء ، أم أنه نتجة لتراكمات ممتدة ضمن هذه السيرورة الداخلية السودانية ؟ حتى بدا وكأن بعض القوى السياسية والمتعاطين بالشأن العام ، قد اكتشفوا فجأة أن السودان على وشك التشظي ، دون أن يُطرح فيما نعتقد السؤال الصحيح وهو ، لماذا وصل السودان إلى هذا الحد الفاصل من الافتراق ؟
نعم نحن ندرك أن هناك عبث خارجي في الشأن الداخلي السوداني ، ولكن هل يمكن القول إذا ما أتحنا للعقل البارد أن يفكر ، أن الحروب الداخلية السودانية ( حروب الأطراف ضد المركز ) ، كانت دون قضية تستحق التضحية من أجلها ؟ كون إنكار أو تجاهل الإجابة على هذا السؤال ، تعني أن السودانيين لم يتعلموا ، من تجربة التاريخ السودانية الدامية ، ناهيك عن تجارب الآخرين وأنهم غير مستعدين لتصويب أخطائهم .
ذلك أنه في غياب المواطنة بمعناها الحقوقي والقانوني والسياسي ، تحضر النزعات الدينية والعرقية وحتى القبلية لتشكل حاضنة يهرب إليها البعض نتيجة الشعور بالغبن وغياب العدالة والمساواة ، ليأخذ هذا الهروب أشكالا مختلفة قد تصل إلى حد استخدام العنف ، وهو ما حدث بالفعل في أكثر من مكان في السودان على امتداد العقود الماضية .
المقايضة .. وحق تقرير المصير
ليأتي اتفاق نيفاشا في 9/1/2005 ليعترف فيه المركز السوداني وكذا الطرف الذي حمل السلاح من أجل إحداث التغيير أن هناك مشكلة داخلية سودانية عنوانها الجنوب ، وأنها بحاجة إلى الحل ، لينص الاتفاق على استفتاء الجنوبيين ( فقط ) لتحديد خيارهم بين الانفصال أو الوحدة مع الشمال، و ينص القانون على تحديد الانفصال بنسبة50 % +1" من المصوتين، وحدد النصاب نسبة 60 % من المسجلين كحد أدنى لاعتماد نصاب التصويت.
وقد أعطت الاتفاقية مساحة زمنية مدتها خمس سنوات كي تعطي الفرصة للحكومة المركزية في الخرطوم ، لجعل خيار الوحدة هو الخيار الذي يحظى بالقبول الشعبي الجنوبي ، أي اعتبار أن الوحدة مشروعا" جاذبا " ؛ إلا أن الشريكين حسب لام أكول وزير الخارجية السوداني السابق لم يعملا كشركاء حسب ما نصت عليه الاتفاقية ولم يقوما كذلك بأي عمل مشترك لجعل الوحدة جاذبة.
ويمكن تفسير الفشل في جعل الوحدة مشروعا جاذبا ؛ هي تلك المقايضة التي جرت بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان في اتفاقية نيفاشا بين حق تقرير المصير للجنوب فى اتفاقية السلام الشامل ، وحسم الخلاف حول فصل الدين عن الدولة أو العلاقة بين الدين والدولة.
فكان أن نصت اتفاقية السلام الشامل على أن يكون للشماليين الحق فى تطبيق الشريعة الإسلامية فى الشمال شريطة أن يكون للجنوبيين حق تقرير المصير. بناء علي ذلك، فإن المطالبة بدولة علمانية كشرط لتحقيق الوحدة يعنى المطالبة بإعادة التفاوض حول الاتفاقية نظرا لأن الطرفين اتفقا بالفعل بأن يطبق الشمال الشريعة بينما يطبق الجنوب القوانين المستقاة من إجماع الناس والأعراف بما فى ذلك المعتقدات الدينية.
ومع ذلك يمكن القول هنا أن قضية حق تقرير المصير للجنوب ليست وليدة اتفاق نيفاشا ، وإنما بدأت تطرح على مسرح السياسة السودانية منذ عام 1991، حيث بدأ مطلب حق تقرير المصير للجنوب متداولا سياسيا .من ذلك أنه في شهر الفاتح/ سبتمبر عقدت الحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق مؤتمرا في سبتمبر (أيلول) 1991 في مدينة توريت ، أكدت فيه الحركة أن الاستقلال وحق تقرير المصير نتيجتان محتملتان إذا تقرر الوصول إلى سودان علماني ديمقراطي موحد وصدر بعده «إعلان توريت» الذي ورد فيه حق تقرير المصير لأول مرة كخيار ضمن خيارات الحركة الشعبية التي ظلت تعلن أنها تحارب من أجل الوحدة وترفض الانفصال.
وورد حق تقرير المصير في وثيقة فرانكفورت التي وقعتها حكومة الإنقاذ التي مثلها في المفاوضات الدكتور علي الحاج محمد، والحركة الشعبية التي مثلها الدكتور لام أكول في أي النار /يناير1992 ، وهي الوثيقة التي اعترفت فيها ولأول مرة حكومة سودانية بحق تقرير المصير.
وفي شهر الفاتح / سبتمبر 1993 شكلت لجنة دائمة للسلام في السودان ، تكونت من رؤساء دول كينيا وأوغندا وإريتريا وإثيوبيا ودعت الحكومة والحركة الشعبية إلى أول لقاء بينهما تحت مظلة «إيقاد» في الربيع / مارس1994 ثم في شهر الماء /مايو 1994 في نيروبي وهي الجولة التي شهدت إعلان منظمة «إيقاد» عن تصورها في شأن حل النزاع السوداني ، والذي عرف فيما بعد باسم إعلان المبادئ الذي أكد على أن كل الأطراف يجب أن تعطي الأولوية للمحافظة على وحدة السودان، والتأكيد على حق تقرير المصير على أساس الفيدرالية أو الحكم الذاتي لكل أهل المناطق المختلفة، فإذا تقرر الاتفاق على هذه المبادئ يكون للطرف المعني الخيار في تقرير المصير بما في ذلك الاستقلال عن طريق الاستفتاء.
المفهوم الطارد
وإذا كان اتفاق نيفاشا قد ترك الباب مواربا لكل من خياري الوحدة والانفصال ، إلا أنه من الواضح أن موجبات " الطلاق " السياسي قد أكدتها الاتفاقية عبر ما اعتبر من قبل البعض الإصرار الى التطبيق لمفهموم الإسلام على السودان ؛ مما جعل من هذا التوجه خيارا طاردا وليس موحدا بالنسبة للجنوبيين .
ولذلك اعتبر باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية أن أول أسباب فشل الدولة السودانية في إقامة دولة تقوم على العدالة والمساواة بين المواطنين. يعود إلى تاريخ استقلال السودان عن مصر ، " عندما قالوا إن السودان دولة عربية إسلامية، وأنا افريقي مسيحي، إذاً ليس لي مكان في هذه الدولة. وعندما جاء الانقاذ الى السودان قالوا السودان ليس دولة عربية إسلامية بل دولة إسلامية فقط، وهنا مفهوم الدولة أصبح أكثر ضيقا. أكثر من ذلك، أن رؤية ما يسمى بالمشروع الحضاري الذي تتبناه الخرطوم الآن لا يقوم على مفهوم الاسلام العادي بل على مفهومهم الخاص للإسلام ".
وأضاف أموم " نحن قلنا لهم يكفي أن نكون في دولة اسمها السودان تعبر عن مجموع الشعب السوداني، لكنهم رفضوا وقالوا لا، السودان دولة إسلامية وستظل إسلامية برؤية حركة الإنقاذ. بعد الانفصال سيجلس كل طرف الى نفسه ويعيد حساباته، وأنا واثق أننا يمكن أن نبني علاقات أقوى تعود بالنفع على شعبنا في الشمال والجنوب. وأن المشروع الحضاري الاسلامي السوداني الذي تتبناه حكومة الانقاذ هو الذي طرح كل ما هو غير الانقاذ الى خارج هذا المشروع وليس المؤامرات الخارجية ".
وحمّل باقان أموم حكومة الخرطوم مسؤولية عدم القيام بأي عمل إيجابي منذ توقيع الاتفاقية في 9 أي النار (يناير) 2005، إيجابي تجاه الجنوب، وتم قضاء هذه الفترة في مناكفات سياسية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتنفيذ باقي بنود الاتفاقية. وأكد أن الحكومة لم تنفق دولاراً واحداً على الجنوب طوال الخمس سنوات ونصف السابقة من الفترة الانتقالية، بل على العكس الشمال يأخذ من الجنوب 50 % من البترول، وهذا يدعو المواطن الجنوبي الى التفكير بأن الانفصال يأتي بكل البترول الى الجنوب، لأن قسمة الثروة غير عادلة، فالشمال يأخذ من الجنوب نصف البترول، والجنوب لا يأخذ من الشمال أي دولار من أي شىء. لهذا فإن المعادلة غير دقيقة وغير عادلة، ولهذا أتوقع الانفصال في ظل هذه الظروف، والغالبية تستعد للانفصال، والانفصال يجب أن يكون فرصة جديدة لإعادة ترتيب العلاقة بين الشمال والجنوب.
البشير يرد
في حين قال الرئيس السوداني عمر حسن البشير في كلمة أمام مؤتمر لشباب الأحزاب السودانية في ما اعتبر ردا على ماتقوله أقطاب الحركة لشعبية لتحرير السودان ، إنّ حكومته أوفت بجميع تعهداتها بشأن جعل خيار الوحدة جاذبًا للجنوبيين. مشيرًا في هذا الخصوص إلى أن الحكومة السودانية أنفقت أكثر من مليار دولار على مشروعات التنمية لجعل خيار الوحدة جاذبًا.
وأكد الرئيس " التزام الحكومة والمؤتمر الوطني بقيام الاستفتاء في موعده ، داعيا حكومة الجنوب لتوفير كافة الحريات للمواطنيين دون تفريق بينهم ليكون الاستفتاء حرا ونزيها .." وقال " أنّ حكومته لن تقوم بتهجير أي من أبناء جنوب السودان من الشمال في حال انفصال الجنوب بموجب الاستفتاء على تقرير المصير في" يناير" المقبل. وتعهد البشير بضمان أمن وسلامة أهالي الجنوب بالشمال.
غياب شرط الوحدة
ومن الواضح أن إبداء الحرص على الوحدة من قبل البعض سواء في حزب المؤتمر الوطني أو الحركة الشعبية لا يعكس إرادة الطرفين في الوحدة ، وبقاء السودان موحدا على أسس تحفظ لجميع مكوناته الدينية والإثنينة والسياسية حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ذلك أن خيار الوحدة كان يتطلب قبل كل شيء توفير شرطها وعن وعي ، بعيدا عن حشر هذا الطرف أو ذاك في أجندة الطرف الآخر الفكرية والسياسية والإثنية ، بما يحفظ للسودان ثراء تنوعه .
ومع ذلك إذا كان الانفصال سيغدو حقيقة مطلع العام القادم ؛ فإن على الجانبين أن يجعلا منه مدخلا لعلاقات تقوم على الاحترام والمصالح المتبادلة وحسن الجوار ، هذا إذا ما أدركنا كم سيكون الجنوب في حاجه إلى الشمال ، كونه بلدا داخليا لا يطل على البحر ، كما سيكون على الجامعة العربية العمل على إقامة علاقات متميزة مع الجنوب ، حتى لا يقع الجنوب نتيجه ردود فعل سياسية محدودة الرؤية في قبضة من لا يريد خيرا للسوادن أو للأمة العربية .
بين جحيم الحرب والاحتلال .. ومأساة الصراع على السلطة :
العراق .. مسار نحو الـمجهول !!
مع الأحداث
الأمة مُنشغلة بكل شيء عدا مستقبلها !!!
فصل المقال
وعود أوباما المنسية
مع الأحداث
عودة الحياة لمشاريع التوطين
بعدما أخفق في الاختبار الأول
أوباما يبدأ رحلة العودة للبيت الأبيض من آسيا
مع الأحداث
أسئلة لا بدّ من الإجابة عنها
حال الدنيا
السودان.. والتحدي الكبير
سنوات من الاحتلال الامريكي للعراق:
الحرب التي تحولت إلى جحيم.. والنصر القائم على الجريمة!!
وجهة نظر
الفاتح من سبتمبر والسابع من نوفمبر تكامل وتعاون كبيران
المبادرات القومية.. بالجامعة العربية
العراق .. من شدِّ بيلكس إلى بتر ويكيليكس
الأخبار سياسة تقارير متابعات لقاءات تحقيقات المعلوماتي الإقتصادي الإجتماعي الثقافي التعليمي البيئة الصحة فنوان وأبداع إستطلاعات لقاء الإربعاء شمس اليقين رياضة أخيرةمواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الثلاثاء 16/11/2010
12:55 الظهر 15:44 العصر 18:09 المغرب 19:32 العشاء 06:11 فجر غداً 07:39 الشروقحالة الطقس
16 طرابلس 19 بنغازي 19 سبها 20 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!