الأحد 7 محرم 1378 و.ر 12 من شهر الكانون 2010 ف العدد 5369
سياسة
البنك الدولي وصفة لإفقار الشعوب ومصادرة استقلال الدول
*سليم يونس
من المؤكد أن الذاكرة الجمعية العربية لا زالت تحتفظ بقصة انسحاب البنك الدولي من تمويل مشروع السد العالي الذي كانت ثورة 23 يوليو /ناصر تعول عليه كأحد المشاريع الاستراتيجية الكبرى ليس في مصر فقط ، وإنما كنموذج لدول العالم الثالث في حينها ، من أجل توفير الطاقة والمياه للشعب المصري ، كمثال صارخ على الدور الوظيفي لمؤسسة البنك الدولي في خدمة
المشاريع الإمبريالية .السد العالي نموذجا
ذلك أن مشروع السد العالي كان يعتبر بالنسبة إلى مصر في تلك الفترة أحد أهم وأكبر مشاريعها الضرورية، بأن اعتبرته ثورة 23 يوليو في مقدمة مهامها لتحقيق التنمية الزراعية، حيث كلف خبراء ألمان بإعداد الدراسات عن المشروع، إلا أن الدراسة أظهرت وجود مشكلة التمويل لضخامتها، لذلك لجأت مصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا والبنك الدولي الذي هي عضو فيه من عام 1945، وأقر المشروع خبراء البنك الدولي في عام 1955، فتقدمت كل من إنجلترا وأمريكا في خريف عام 1955 بعروض جزئية للمشاركة في تمويل قروض مشروع بناء السد بلغت في جملتها 130 مليون دولار، إلا أن الدولتين اشترطتا موافقة البنك الدولي على تقديم قرضه لمصر البالغ 200 مليون دولار. وفي نوفمبر/ الحرث 1955 بدأت المفاوضات المصرية مع البنك ومع ممثلي الحكومة الأمريكية والبريطانية من أجل المساهمة في تمويل المشروع، مما أدى في النهاية إلى أن يعلن البنك الدولي يوم 17 ديسمبر / الكانون 1955 أنه سيقوم بتمويل مشروع بناء السد العالي مشتركا مع إنجلترا وأمريكا، وأن البنك سيقوم بدفع نصف العملات الصعبة بينما تقوم حكومتا لندن وواشنطن بدفع النصف الآخر.
وكانت عملية تمويل قروض مشروع بناء السد العالي كلها مشروطة منذ البداية، فقد صاحب إعلان البنك الدولي مذكرة من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، تحمل شروطاً مجحفة تمس السيادة الوطنية كأساس لتنفيذ المشروع، وهذه الشروط هي:
1 - أن تتعهد مصر بعدم إبرام أي اتفاقيات مالية أو الحصول على أي قروض دون موافقة البنك الدولي.
2 - أحقية البنك الدولي في مراجعة ميزانية مصر حتى لا يحدث تضخم. 3 - أن تتعهد مصر بتركيز تنميتها على مشروع السد العالي فقط وتخصيص ثلث دخلها لمدة عشر سنوات لهذا الغرض. 4 - استبعاد الكتلة الشرقية كلية من المشروع وأن تجرى عقود الإنشاء على أساس المنافسة.
وكان من الطبيعي أن ترفض مصر هذه الشروط لأنها تؤدى إلى سيطرة الغرب على اقتصاد مصر، ومن ثم تنتهي بالإطاحة باستقلالها كما حدث لمصر في عهد الخديوي إسماعيل نتيجة لحفر قناة السويس، وفي يوم 12 يوليو/ناصر 1956 تمكنت مصر من التوصل إلى اتفاق مبدئي مع البنك الدولي، تقدمت مصر بمقترحاتها إلى واشنطن وكان مفهوما أنها مقبولة ولا ينقصها إلا التوقيع.
وبالتوازي مع ذلك استمرت من جانب آخر محاولات ابتزاز جمال عبد الناصر والضغط عليه للتخلي عن مشاريعه واتجاهاته القومية، ويمكن استعراض الصفقات الأمريكية التي طرحت حينها: الصفقة الأولى: تقديم عرض بمساعدة مصر في بناء السد العالي وبمنطق أن تكاليف بناء السد العالي تفرض على مصر تخصيص مواردها له – لهذا كان يتحتم عليها أن توقف صفقات شراء السلاح من الاتحاد السوفييتي– في مقابل البدء في بناء السد العالي.
الصفقة الثانية: وتتصل بالصفقة الأولى- وهي شروط أكثر سخاء في بناء السد العالي مقابل الصلح مع إسرائيل، بمفهوم أن من يقصدون البناء يتحتم عليهم نبذ الحرب، ووصلت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الصفقة إلى حد أنها قدمت مشروعا مكتوبا “عقد” صفقة حمله روبرت أندرسون وزير الخزانة الأمريكي ومبعوث خاص من الرئيس الأمريكي “ دوايت إيزنهاور”.
وعندما رفضت مصر هذه الصفقات تعمد جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية آن ذاك، استدعاء السفير المصري وأبلغه بأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد وصلت إلى قرار بأن اقتصاد مصر لا يستطيع أن يتحمل أعباء بناء السد العالي، ومن ثم قررت واشنطن سحب عرضها بتقديم المعونة المالية، وسلمه كتاباً تعلن فيه الحكومة الأمريكية سحب عرضها للمشاركة في تمويل قروض مشروع بناء السد، وفي نفس الوقت وزع دالاس على الصحافة نص خطاب الرفض قبل أن يصل رسمياً إلى الحكومة المصرية.
ولم يختلف الوضع في لندن، فقد استدعى في اليوم التالي الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية السفير المصري في بريطانيا وأبلغه أن بريطانيا قد قررت بدورها أن تسحب العرض للمشاركة في تكملة تمويل قروض مشروع بناء السد العالي.
ولم ينقض اليوم قبل أن يعلن من جانبه “يوجين بلاك” مدير البنك الدولي بأن البنك الدولي لا يستطيع أن يقرض مصر مبلغ المائتى مليون دولار لتمويل مشروع بناء السد العالي كما وعد مصر قبل أسبوع، وذلك بسبب القرارين الأمريكي والبريطاني.
هذه المواقف الثلاثة المتناغمة والمتكاملة جعلت مصر توقن أن البنك الدولي يخضع للدول الغربية، وظهر لمصر أن سحب أمريكا لعرضها هو بداية مؤامرة سياسية محكمة الأطراف، معاقبة من أمريكا لمصر بعد فشل الولايات المتحدة الأمريكية تنحية مصر عن شراء السلاح من الكتلة الشرقية، و كسر احتكار الغرب لتوريد السلاح للمنطقة.
كانت هذه هي أولى المؤامرات التي حاول الغرب من خلال البنك الدولي تنفيذها لتطويع مصر لمصالحه.(موقع الديوان) وبذلك كشف موقف البنك الدولي من إقراض مصر جوهر سياسات تلك المؤسسة الذي ثبت ومنذ وقت مبكر أنها تمثل إحدى أدوات الدول الرأسمالية في فرض سياساتها على الدول الأخرى، عبر سياسة نقدية تمثل معادلا للقوة العسكرية، يجري توظيفها ساعة تعجز القوة العسكرية عن تنفيذ تلك السياسات خاصة وأنه اتضح بعد الحرب العالمية الثانية أن الاحتلال العسكري بات استراتيجية خاسرة على المدى البعيد للسيطرة على اقتصاد الدول بسبب ظهور حركات التحرير الوطنية.( د.إلياس عاقلة، مجموعة الثماني... وحوش مفترسة ،المرصد، العدد63، 30/7/2005) وتوق الشعوب إلى الاستقلال والحرية في معظم دول العالم.
والتجربة التاريخية تقول لنا أن هذه السياسية طالما كانت في خدمة المفهوم الواسع للمصلحة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي من ثم تشكل الأساس الفكري والسياسي التي كان قد عبر عنه جورج واشنطن عندما نصح حلفاءه بأن يمتنعوا عن التحالف السياسي مع أي كان ، وأن يعطوا الأفضلية لتطوير علاقاتهم الاقتصادية مع باقي العالم.تشريع عملية النهب الرأسمالي
ومنذ ذلك الوقت دأبت واشنطن على عقد الاتفاقات لصالحها في كل مكان فارضة على شركائها أن يحترموا بنودها، في حين أنها أعفت نفسها عندما كانت مصالحها تتطلب ذلك.
من ذلك أنها أجبرت الأوروبيين تبني مفهوم منفتح من أجل التبادلات الاقتصادية ودفعتهم لرفع الحواجز الجمركية، أما هي فوضعت في المقابل تشريعات للحماية الاقتصادية مبالغ بها بهدف واحد وهو استيعاب الواردات وتطوير صادراتها واستثماراتها.
وباعتبار أنها تعلمت بشكل جيد من درس «ميلون» الذي كان يرى أن المستفيد الوحيد الحقيقي من نظام التبادل الحر هو البلد الذي يصدر أكثر ويستورد أقل لذلك لم تتوقف يوماً عن توسيع مدى نشاطها التجاري وعن الاستئثار التقني الخارجي وعن جني ثمار الاكتشافات التقنية وعن نشر استغلالها وعن عمليات إشباع الأسواق فقادت شيئاً فشيئاً الاقتصاد العالمي إلى سباق جهنمي كان يجذب الربح بحركته الحلزونية بشكل دائم نحوها.( Michel Bugnon-Mordant، ترجمة: الدكتور حامد فرزات “ كتاب “ أمريكا المســتبدة الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم «العولمة»).
هذا الفكر عمد إلى تشريع عملية الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على الاقتصاد العالمي، لذلك سعت بعد الحرب العالمية الثانية إلى تأسيس نظام عالمي جديد جرت صياغته على رؤى خاصة تنبع من الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، وذلك بدعمه بمؤسسات مالية وسياسية وعسكرية قادرة على فرض النظام العالمي الاقتصادي والسياسي والعسكري الذي تريده.
ومن المؤسسات التي ساعدت على قيام هذا النظام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وهما مؤسستان تشرفان وبتخطيط أمريكي على تنفيذ سياسة إغراقية للدول النامية عن طريق القروض المالية الهائلة التي من شأنها أن توفر غطاءً شرعياً لهذه المؤسسات كي تقوم بالتدخل في وضع السياسات الاقتصادية تحت عنوان برنامج التصحيح الاقتصادي.للدول المترنحة تحت وطأة الذين الأجنبي مما يؤدي إلى إخفاقها اقتصادياً وعجزها عن الوفاء بالتزاماتها من الذيون وعندئذٍ يجري إخضاع كافة أنشطة القطاعات الاقتصادية والبرامج الاجتماعية لحكومات تلك الدول لرزمة من الأوامر يصدرها صندوق النقد الدولي. ولذلك تم تأسيس البنك الدولي لتمويل المشاريع الاقتصادية في المناطق التي تخضع للهيمنة الأمريكية ليظل هذا العالم يدور في فلك الرأسمالية التي أعدت نفسها إعداداً كفل لها الخروج من الحرب منتصرة، وبقيت في صدارة العالم حيث قامت هذه الدول بفرض سياساتها وثقافاتها والنتيجة الحتمية لهذا كله أن تحولت أمريكا إلى إمبراطورية تمتلك ذراعاً عسكرياً رادعاً وباعاً اقتصادية متمرسة وقادرة. (د.عادل السليمان، الأحلاف والتكتلات الدولية، موقع الحوار المتمدن )
وقد بدأ ذلك منذ ستين عاماً، أي في الثاني والعشرين من يوليو /ناصر 1944، بعدما اختتمت أعمال مؤتمر “ بريتون وودز “ الذي تقرر فيه تأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.( إيريك توسان، ستون عاماً على اتفاقيات بريتون وودز، موقع العرب والعولمة )، فمنذ ذلك التاريخ استطاعت واشنطن أن تفرض نظاما نقديا عالميا جعل منها سيدة اللعبة الاقتصادية والمالية والدولية.
حيث جهزت النظام الجديد بمؤسسات ذات رهبة خاصة أحدها البنك الدولي.الذي كان يعرف في الأصل باسم البنك العالمي لإعادة الاعتمار والنمو (B.I.R.D)، والسبب الأول في إنشائه المساعدة على إعادة بناء الدول الأعضاء وتشجيع نموها الاقتصادي.
يتبع
الكوريتان .. حوار على إيقاع طبول الحرب !!
وثائق ويكيليكس ... لعبة استخـباراتية أو حقيقة واقعية !
تهديد عباس بحل السلطة
مناورة أم عودة لاكتشاف الذات ؟
مع الأحداث
أيها الجنرال .. لن ننسى
العالم يجتمع وأفريقيا تتألّق والجماهيرية تتصدّر
فصل المقال
منظومة غربية آفلة..
حديث الصراحة والوضوح
في قمة الاتحادين الأفريقي والأوروبي
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الأحد 12/12/2010
13:04 الظهر 15:43 العصر 18:05 المغرب 19:31 العشاء 06:30 فجر غداً 08:00 الشروقحالة الطقس
16 طرابلس 19 بنغازي 19 سبها 20 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!