شهدت المنظومة الأمنية اليابانية تحولات مستمرة لتجاوز القيود المفروضة عليها منذ الحرب العالمية الثانية، إذ تعمل طوكيو حالياً على تأسيس أول جهاز استخبارات مركزي في تاريخها الحديث، بهدف توحيد جهود جمع المعلومات الموزعة بين جهات متعددة تشمل الشرطة ووزارة الدفاع.
ومن المرتقب أن ينعكس هذا التوجه تدريجياً على قطاعات التكنولوجيا والأعمال العالمية؛ لا سيما وأن الهيكلة الجديدة تركز على حماية التقنيات المتقدمة ومراقبة الاستثمارات الأجنبية، مما قد يدفع الشركات العاملة في شرق آسيا للتكيف مع ضوابط تخص حماية البيانات ومكافحة التجسس الصناعي.
مشاورات دولية وهيكلة تشغيلية للجهاز الجديد
نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين يابانيين أن الحكومة أجرت مشاورات غير معلنة مع مسؤولين من الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا، وقد تناولت المباحثات عدة جوانب لتأسيس الكيان الجديد، شملت:
- تصميم الهيكل التنظيمي والتشغيلي للجهاز الجديد.
- تحديد آليات التوظيف لاستقطاب الكفاءات المناسبة.
- استكشاف التقنيات المتقدمة المطلوبة لدعم العمل الأمني.
- رسم أولويات العمل الاستخباراتي في ظل التحديات الحالية.
وفيما يخص الجدول الزمني، من المقرر أن ينطلق عمل الجهاز الجديد بحلول شهر ديسمبر المقبل، بميزانية تشغيلية تقدر بنحو 407 ملايين دولار، حيث سيبدأ باستقطاب مئات الكوادر المتخصصة في البرمجيات والأمن السيبراني، إضافة إلى توليه مسؤولية التنسيق لنحو 33 ألف موظف استخباراتي يعملون حالياً في مختلف القطاعات الحكومية.
توسيع الكوادر الاستخباراتية وتفكيك الحواجز المؤسسية
يبدأ «مكتب الاستخبارات الوطني» الجديد عمله بقوة عاملة أولية تضم نحو 700 موظف، إلى جانب وجود خطط لتعزيز الكفاءات عبر توظيف الكوادر المتوسطة وإجراء تبادلات وظيفية مع القطاع الخاص، تحت قيادة منصب «مدير عام» مستحدث، كما يمتد طموح الائتلاف الحاكم إلى أبعد من ذلك، إذ ينص الاتفاق الحكومي على تأسيس وكالة استخبارات خارجية مستقلة بحلول نهاية السنة المالية 2027. Japantimes
ومن جانبه، أوضح الباحث في «المركز الدولي للدفاع والأمن»، سانشيرو هوساكا، أن هذا الإصلاح يهدف إلى تحسين القدرات الحكومية عبر تقليل الحواجز بين الوكالات لضمان تلبية المخرجات الاستخباراتية لاحتياجات صناع القرار بشكل أفضل، ويأتي ذلك بالتزامن مع تسريع اليابان لوتيرة التحول العسكري، وهو ما انعكس في موافقة مجلس الوزراء على أكبر ميزانية دفاعية في تاريخ البلاد بقيمة 58 مليار دولار. الجزيرة
أهداف استراتيجية وتحديث البنية الأمنية
يمثل المشروع نقطة ارتكاز في برنامج رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، الهادف إلى تعزيز القدرات الدفاعية وتخفيف القيود على صادرات الأسلحة، في حين تستهدف الخطة تحقيق أهداف استراتيجية أبرزها:
- تعزيز الحماية لأسرار الدولة والتقنيات التكنولوجية المتقدمة.
- الحد من حملات التأثير الأجنبية، وتحديداً تلك المنسوبة إلى الصين.
- تطوير منظومة وطنية شاملة لمكافحة التجسس والأمن السيبراني.
- رفع الجاهزية لمواجهة الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل وسرقة المعلومات الحساسة.
وفي سياق متصل، قال السفير الأسترالي لدى اليابان، أندرو شيرر، إن المسؤولين اليابانيين يدركون أن قدراتهم الاستخباراتية لم تواكب التطورات العالمية، مشيراً إلى أن وضع هذا الملف كأولوية يعكس رغبة في تحديث البنية الأمنية، علاوة على ذلك، تضمنت المشاورات الدولية تقديم واشنطن نصائح تقنية حول أنظمة الدفاع السيبراني، إلى جانب مباحثات مع رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، ومشاركة أستراليا بخبراتها التكنولوجية والمؤسسية.
اعتراضات خارجية ومخاوف محلية من الرقابة
أبدت بكين اعتراضها على الخطوات اليابانية، إذ ترى الصين أن التغييرات تعكس توجهاً نحو إعادة إحياء النزعة العسكرية، أما على الصعيد المحلي، فقد انتقدت النائبة المعارضة ميزوهو فوكوشيما الإجراءات قائلة إن "امتناع اليابان عن إنشاء جهاز استخبارات مستقل طوال العقود الماضية كان نابعًا من التزامها بمبادئ الدولة السلمية"، محذرة من فتح الباب أمام توسيع عمليات المراقبة وانتهاك الخصوصية.
وفي المقابل، أكدت الحكومة اليابانية أن مساعيها تتركز على حماية الأمن القومي، مبينة أنها تعتزم تأسيس مجلس مستقل للاستخبارات يتبع رئيسة الوزراء للإشراف على الأجهزة ورسم السياسات الأمنية.
ومن الجدير بالذكر أن جذور التحرك الحالي تعود إلى فترة تفكيك الأجهزة الأمنية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية تحت إدارة الاحتلال الأميركي، إذ كان رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي قد بدأ مسار إعادة بناء المؤسسات عبر تأسيس مجلس الأمن القومي، لتواصل تاكايتشي هذا النهج مع دمج التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في قطاع المعلومات.
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!