حديث الإثنين
الحديث الرابع والأربعون
في نظرية خصوم الشعب
الدستور .. الدستور
إن القول بوجود مرجعية لايعني القول بوجود دستور , بل ان الدستور لايمكن ان يكون مرجعية ان كلمة دستور , كما اشرت في تعريفات سابقة , كلمة ايرانية تتكون من مقطعين »دست « ومعناها يداور من المصدر آوردن , بمعنى الحصول , اى ما هو في اليد , وهذا يؤكد ان معنى الدستور يتضمن الممكن , او الآنى القابل للتموضع الزمانى المكانى , ومن ثم فإن الممكن يأتى في اطار القوانين التى تتميز بالآنية والمحدودية , وهى غير المرجعية , التى لابد وانت تكون اشمل واعم من الآنى . ولذا فإن ازمة الدساتير في العالم تأتي من انها تحول ان تجعل من المحدود مطلقاً , تحت مبرر تطبيق القوانين وجعل القوانين شريعة , فالقوانين كما اشرت هي محدودة ومتغيرة حتى بالنسبة لمن يقومون بوضعها او صياغتها , وهى تأتى لتنظيم اجراءات , او بالمفهوم الفلسفي , لتنظيم حركة المجتمع , ذوات , او موضوعا , ولان حركة المجتمع مرتبطة بالمعطيات الموضوعية , اى بمعطيات الموضوع الاجتماعى ذاته , ولأن الجماهير في حالة الوعى والفعل غير ثابتة , فإن تغير القوانين يظل امرا ضروريا بل يعطى مؤشرا على هذه الحركة , فكثرة القوانين في المجتمع المتحرك ليست عيبا بل ميزة , اذا كانت هى القوانين كما اشرت معبرة عن هذه الحركة , ولذا فإن القول بثبات القوانين قول رجعي جدا لايمكن إلا سيطرة الثيوقراطين الذي يقدمون انفسهم في شكل القانونيين , علاوة على ان هذا الثبات غير ممكن , ولاتفوتنا الاشارة الى ان دعوات الاستقرار كانت دائما مرتبطة بعصور الدكتاتورية والتحكم , انها ضد حركة الكون والحياة , بل ضد فطرة الله الذي »كل يوم هو في شأن« ان الازمات التى تواجهها الدساتير هي ازمات هذه القوانين التي تتحول الى شرائع , ومن ثم يتم تجاوز ذات الدستور الذي كان يقدم باعتباره مقدساً , فمواد الدستور يتم تغييرها وتكييفها وهو ما يذهب عنها طلاء القدسية المزيف , فما يضعه البشر المحددون يمكن ان يغيروه اذا تغيروا هم ذاتهم كما او كيفا او معاً , وكم رأينا من دول تدعى انها دول الدستور والقانون , ثم لا تلبث ان تغير في عشية وضحاها هذه القوانين والدساتير ,وهو ما يؤكد قولنا منذ البداية ان القوانين والدساتير لايمكن ان تشكل مرجعية , انها ملزمة في احسن أحوالها , للذين وضعوها , هذا اذا سلمنا ان هؤلاء الذين وضعوها في حال الثبات وعدم التغير , وهذا غير ممكن حتى بالنسبة لهم , من هنا كانت الازمات الحادة التى تعصف بالمنظمات والمجتمعات المحلية والعالمية والتى تكمن في محاولة جعل الجزئى كليا , او المحدود مطلقا ولا لشىء إلا لأنه الطرف الأقوى في هذه »الآن« المكانية الزمانية , وما تغير الاشكال والادوات والاساليب إلا دليل على أن الفطرة العامة التى يحكم الكون هي التغير ان مقولة المجتمع المدنى او مجتمع القانون , وهى التى سبق ان تناولتها في اكثر من اربعة مقالات سابقة , تأتى ضمن ازمة الرجعية , انها تحاول ان تجعل الجماعة التى تدعى انها المجتمع , وهذا تحريف لغوي مقصود في اطار لعبة الالفاظ , على حد تعبير »لوتارد« اى ان تجعل الجماعة هي مصدر الشريعة . اى ان تتحول الجماعة ذاتها الى شريعة وبعبارة اخرى تحول الجزئى الى مطلق , شأن مقولة لويس الرابع عشر »انا الدولة« , انها عودة لذات الاطروحات القديمة التي تذكرنا بالمذهب الذرى الديمقراطى نسبة الى ديموقريطس اليونانى , ولاطروحات السوفسطائيين , وخاصة مقولات السوفسطائى بروتوغوراس فالمجتمع المدنى , يقتضى ديناً مدنيا, اى انه يلغي الشريعة من الاصل , او المرجعية , ليكون (المجتمع) هو الشريعة , ثم تكون القوانين , هي المرجعية وهذه دعوى يحبذها كما اشرت الدكتاتوريون , والثيوقراطيون والقانونيون الذين لايلبثون ان يصادروا حتى حق الجماعة في اصدار القوانين , لانها لاتفهم ولاتفقه , وان القوانين لا تحمى هؤلاء لأنهم مغفلون , انها عودة الى فكرة الملأ القديمة , وأهل الحل والعقد والنخبة او الصفوة , وما إليها انها قوة الاحتكار والتمركز , انهم الاقوياء الذين يحكمون لانهم يملكون القوة التى استطاعوا ان يسرقوها او يختلسوها او ينهبوها عنوة »فالمجتمع« المدنى كان باستمرار دعوة التحكم في الاخرين اعتبارهم ليسوا مجتمعا بل قطيعاً وليس مدنيين بل برابرة وهى الدعوة القديمة التى نجد صداها اليوم , سواء بالدعوة للمجتمع المدنى , او بوصف الحال الامريكية باعتبارها الكمال , او الحقيقة المطلقة التى تتحول الى مرجعية , وانها نهاية التاريخ وان الانسان الليبرالى هو اخر انسان اننا نضع الجماعة المدينة مقابل المجتمع الحضارى , ان المدينة تشكل جماعة لا مجتمعا انها حال القطيع والرقمية , أى حال التشيؤ والسلعية والتغييب والاستلاب , اما المجتمع فهو الوعي والارادة والحضارة بمعنى الحضور , ان جماعة القطيع تحكمها قوانين القوة اما المجتمع الحضارى فهو مجتمع المرجعية , او الشرعية التى لابد ان تكون شاملة ومفارقة ولنا ان نشير هنا الى ان شريعة الشعب اكبر من قوانين الجماهيران الجماهير كما اشرت هي المتحرك في الشعب والشعب هو الشمولى ومن ثم فإن المرجعية والشريعة هي مرجعية الشعب , وان القوانين والقرارات هي من صنع الجماهير اى انها شأن الجماهير المتحرك والمتغير في اطار الشريعة الشمولية , ومثلما تتأزم القوانين اذا تم تحويلها الى شريعة ومرجعية , نشاهد اليوم أزمة الدساتير , كما نرى أنه بقانون القوة تم محاولة فرض أحادية النظرة أو اسلوب الحياة الخاصة بجماعة جزء حتى بالنسبة الى ذاتها لتكون مطلقاً اي تكون وهى واسلوب حياتها شريعة ومرجعية لكل البشر , وهى دعوى لا تلبث ان تنهار أمام حركة الجماهير , أمام قوة وسلطان الشريعة والمرجعية اي ينتصر المجتمع الحضاري على جماعة المدينة حيث التدجين والرقمية والتغييب.
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!