ارتسامات
حكاية عن الزمن ..
ثلاثة عقود ونصف قضاها من عمره ذهابا وايابا مابين الوظيفة والبيت وما يحتويه من مشاكل الاطفال والعائلة بشكل عام ... انطلقت سيارته التى تجاوز عمرها العقدين من الزمن وهي تنفث دخان قاتم السواد يشكل سحابة سوداء حجبت الرؤية عن سائقي السيارات التى خلفه لم يهتم كثيرا باصوات أبواق السيارات واضوائها التى يتمنوا اصحابها بأن يترك لهم المجال ليتجاوزوه ويبتعدوا عن دخان محرك سيارته الذي تسلل الى مسام رئتيهم واربك جهاز تنفسهم وصل الى مكتبه بعد رحلة استغرقت نصف ساعة تقريبا من بيته بسبب الزحام والطرق المغلقة وقدم سيارته ... تصفح مجموعة الاوراق الذي احتواها الملف الذي فوق مكتبه ... لفتت انتباهه رسالة حيث قرأها بعناية فائقة اكثر من مرة .. تناول قلما ووضع خطوط تحت بعض عباراتها , وقد تجهم وجهه واعترته موجة من الانزعاج بعد ان كان الانشراح بادياً عليه الى حد ما .. شعر بموجة عارمة من اليأس والخوف وعدم الاطمئنان تجتاح كيانه بعد ما قرأ تاريخ ميلاده المدون ببطاقته الشخصية... اعاد قراءة الرسالة مرة أخرى الموجه اليه شخصيا التي تفيد بانه بلغ سن التقاعد ويجب عليه ان يبدأ الاجراءات المطلوبة لذلك .. علت نظره غشاوة الضباب حالت بينه وبين استكمال قراءة بقية الرسالة .. خاف من قدوم الزمن اليه ليلتهم هذه المرة بصره ويبقى بدونه .. سخر من نفسه على هذا الخوف على فقدان بصره خاصة وان العمر لم يعد بجعبته الكثير من السنوات تحتاج الى البصر والرؤية الواضحة , باعتبار سنوات الشباب والقوة والطموح والأمل قد ولت وما بقي هو الياس والشيخوخة وانتظار مرتب التقاعد الشهري الذي هو ايضا اصبح مهددا بالتوقف .. ولكل هذا قرر بان لايخاف حتى وان إلتهم الزمن بصره ليلحقه بسنوات عمره , .. طلب من زوجته بأن تجهز له مكانا دائما باحدى زوايا حجرة الجلوس ليكون مكانا مخصصاً له خلال سنوات فترة تقاعده الباقية من عمره وقرر ان يقفل باب الحجرة حتى لايتسلل اليه الزمن ويلتهم ماتبقى من العمر مرة واحدة ..
عثمان اسماعيل
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!