أضواء ( الضاد ) وظلالها
لغة الصعود الى الأسفل !
طرقا باب صديقهم الانكليزي فظهر عليهما ابنه الصغير الذي لم يتجاوز الخامسة , وبعد ان سألاه عن أبيه رد عليهما "My dad is not here" التفت احدهما الى رفيقه مستغرباً , وقال : هذا الانكليزي يتكلم الانكليزية "لفصحى" أى "بالنحو الانكليزى" حيث استغل فعل الكينونة "to be" في محله ونطقه نطقاً سليماً تصوروا لو حصل عندنا ذلك فماذا يكون رد طفل في عمر ذاك الانكليزي الصغير ? "بوي ما هناش , ما هناكش , موش قاعد , ماهوش قاعد .." وكلها اجابات عن سؤال تقليدى واحد باللهجة العامية :"بوك قاعد يا ولد ?"وهو سؤال دارج على ألسنة العامة بمحلية مفرطة قد لايرتقى - مثل اجابته - الى أدنى درج من درجات الفصحى الانكليز ربما كانوا مثلنا في زمن مضى يتعاملون فيما بينهم بلهجتهم المحلية ايضا "Slang" وعندما احسوا ان لغتهم سيكون لها انتشار عالمي , كرسوا جهدهم في جعل مفرداتها وقواعدها في متناول المبتدئين من اطفالهم والاجانب الوافدين عليهم فوصلت الى ذاك "الفرخ"الانكليزي بالصورة التى لقّن بها درساً في نفي فعل الكينونة "is not" لصاحبينا وكانا من المبتدئين الذين ينفون الحالة دون استعمال الفعل اصلا وفي الوقت الذي كان فيه الانكليز يعجنون خبيز لغتهم بأيديهم ويطحنونها على نار انكليزية باردة دخلت جيوشهم الى مصر ففسحوا المجال امام مثقفيهم المستشرقين المكلفين بتنفيذ الخطط الاستعمارية التى تستهدف مجالات الثقافة والعلم , فزرعوا بين افراد الشعب العربي فكرة ان أى مثقف في العالم لايستعمل لغته العامية "أي اللهجة التى يفهمها رجل الشارع"سوف يبقى شعبه متخلفاً أبد الدهر , وقد لقيت هذه الدعوة لدى بعض المثقفين العرب لاسيما بعض المفكرين المحسوبين من خيرة الطبقة المثقفة في الوطن العربى وجدت عندهم قبولاً لايمكن ان نصفه بالطيب والحسن , كما لو انهم عثروا على ضالتهم المفقودة منذ الازل اذ كانوا على قدر كبير من السذاجة والسطحية ما جعلهم يتبنون تلك الافكار قدر جهدهم ويبثونها بين الشباب خصوصاً اولئك العاجزين عن فهم قواعد اللغة العربية بنحوها وصرفها والشاعرين باستحالة تعلمها حتى انهم بدأوا يرون فيها من التعقيد ما يدعو الى الاستغناء عنها وتبسيطها الى اللهجة العامية باعتبارها "ى اللغة العربية" معوقة لتقدم الشعب كما كان يدعو المستشرقون الانكليز إبان احتلالهم لمصر كان اولى باولئك العرب الخائفين على مستقبل ابنائهم - حسب ادعائهم - ان يدعوا الى الارتقاء بالناشئة الى مستوى اللغة العربية وحثهم على تسلق درجاتها بثبات وتؤددة وذلك بواسطة تبسيط قواعدها واستغلال التقنية الحديثة وجعلها وسيلة ايضاحية مناسبة ومرغبة للصغار في تتبع مسار الحروف والكلمات والجمل والنصوص خطوة بخطوة , ومرحلة بمرحلة حتى تصير حروف اللغة بين ايديهم ونطقها في افواههم كما لو كانت لعبة رسوم متحركة عن طريق جهاز "التلفزيون" أو "لفيديو" او "الستلايت"أو "البلاي ستيشن" او "لديجيتال" "الكمبيوتر" .. وهى وسائل مكنت اطفالنا من حفظ رصيد هائل من مفردات اللغة الانكليزية دون ان يعرفوا معانيها , وكنا ولازلنا نطمح ان نسمع من ابنائنا ردوداًمثل "ابي ليس هنا" أو "غير موجود"او "سيعود قريباً" ولكن دعاة اللهجات العامية وما اكثرهم في وطنناالعربى وجدوا - للأسف الشديد- ان التدحرج في الهاوية اسهل من صعود الجبل والتقهقر الى الوراء أيسر من السير قدما , فرفعوا شعار الصعود الى الاسفل , وهي فلسفة سلبية لاتحمل بين ثناياها الا الدمار "ومن لايحب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر" .عذراً لانقصد ب"الهاوية والتقهقر الى الوراء" احتقار اللهجة المحلية او انتقاص شأنها فهي من أهم موروثنا الشعبى حفظت لنا آثار الاباء والاجداد تراثا , وسجلت لنا ملاحم البطولة والجهاد شعراً ونثراً , وروت لنا قصص الماضى تاريخاً , ولازالت صامدة , وقابلة للتطور واللحاق بمستوى اللغة العربية الفصحى لو اخلصت لها النوايا
عبدالعزيز الصويعي
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!