الحديث السابع بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش

حديث الاثنين الحديث السابع بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش ((في خصوم الشعب)) ب – البيرقواطيون في الحديث السابق اشرت الى الفيزوقراطيين باعتبارهم يقفون خصما للديمقراطيين على الرغم من محاولة تزييف وتزويق حقيقتهم وادعائهم انهم كذلك من انصار الديمقراطي


حديث الاثنين
الحديث السابع
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
((في خصوم الشعب))
ب – البيرقواطيون

في الحديث السابق اشرت الى الفيزوقراطيين باعتبارهم يقفون خصما للديمقراطيين على الرغم من محاولة تزييف وتزويق حقيقتهم وادعائهم انهم كذلك من انصار الديمقراطية هذا اذا لم يقولوا بأنهم ديمقراطيون . ولقد اوضحت في تلك المقدمة ان القول بسلطة (الفيزيقا) هو نفي لسلطة الشعب , مصطلحا ومضمونا واساسا فلسفيا , وربما سأعود الى الكتابة بشكل أكثر تفصيلا حول هذا الموضوع . في هذه المقالة نتحدث عن سلطة اخرى تقف في الخط المواجه للجماهير ولسلطة الشعب (فقراطية البيرو) أو سلطة المكتب , وعلى وجه أدق سلطة البيروقراطيين هي شكل من اشكال (النخب) التي تعادي بداهة الشعب وتحول دون وصوله للسلطة تحت الزعم الديكتاتوري التقليدي القائل ان الشعب غير قادر على ممارسة السلطة وانه يظل دائما في حاجة الى من يحكمه , إذن فالبيروقراطية في العصر الحديث خاصة مع تعقد طبيعة العلاقات ما يسمى ((بالمجتمع المدني)) , حتى يمكن القول انها نتاج من نتائجه , أصبحت سلطة يحسب لها حساب في مجموع السلطات التي تتحكم في مصير الجماهير .

نذكر الذين يتابعون هذه الاحاديث ان الفيلسوف اليوناني افلاطون كان أول من نظر لسلطة الصفوة , وآثر هنا الوصف بالصفوة لانه أى افلاطون , يقدم برنامجا حسب تصوره يمكن من تصفية الشعب باعتباره (ركاما) ليكون الفلاسفة هم الصفوة عن طريق نظام تعليمي اشبه بسباق الحواجز التي يقوم بها المتسابقون من البشر , إما على أقدامهم أو على ظهور خيول , فالقادرون على الوصول الى الخط النهائي هم وحدهم الصفوة , على الرغم من أن هؤلاء سوف لن يكونوا كذلك على الرغم من قصور هذا التصور , فالذي وضع الخط النهائي للتصفيات يظل هو الاكثر (صفاء) وعلى نموذج افلاطون , يكون افلاطون هو الفيلسوف الاول بداهة لانه واضع هذا الشكل التصفوي .

ما يهمنا ان افلاطون برر نظريا امكانية ان تصل قلة للسلطة باعتبارها الاكثر قدرة وادراكا على استجلاء حقيقة المطلق , أو الماورائى , وقد أشرت في الحديث السابق الى ان الفيزوقراطيين قبل وبعد افلاطون , ينكرون هذا الماورائى , اذ ان كلمة (فيزيقا) تعني وجود قوة تحرك مظاهر الكون , وان مظاهر الكون من برق , ورعد , ورياح , وغيرها ليست سوى تمثلات أو تجسدات لهذه الارواح التي تكمن داخلها , فالفيزوقراطية اذن ترفض القول بوجود معرفة مفارقة , وهو ذات الموقف للفيزوقراطية الجديدة باعتبار ان الكون والانسان خاضعان جميعا لهذه القوى التي تكمن في داخلهم لا من خارجهم , وهذا ما يجعلنا نثمن الاضافة التي قدمها افلاطون ومن قبله سقراط للفكر الانساني , اذ انهما جعلا المحرك من البشر ولكنهم بشر غير عاديين , انهم الصفوة , كما اشرت , القادرة على الاطلاع على القانون المطلق في عالم المثل , وهم وحدهم الذين تخلصوا من سيطرة واسارات المادية , واصبح في مقدورهم الاتصال بعالم المثل , أقول الاتصال لا الاتحاد كما يقول بذلك (الصوفيون) , ثم العودة الى عالم الواقع بحيث يصدرون احكامهم دون ان يخلطوا بين المطلق الثابث , والجزئى المتحرك .

ومن هنا فإن نظرية افلاطون هي الاساس الذي بنيت عليه نظرية الصفوة , وهي ذاتها التي أسست عليها كافة نظريات النخب , ونظريات الاختيار , بل ونظريات التمثيل والنيابة بعامة , ومن ثم تكون البيروقراطية شكلا من هذه الاشكال . ان البيروقراطيين تحت ادعاء انهم وحدهم القادرون على ادارة الاعمال , أو تنظيم العلاقات يتسربون الى الدوائر (الحكومية) , مستغلين النظام الحكومي التقليدي حيث وجود قلة تريد ان تحكم وتتحكم في مصائر الجماهير , وتحت مبررات التخصص , والدراسات والاطلاع بل والحصول على شهادات عالية في (الادارة) , أو ادارة الاعمال (Bus iness) , يقودون حركة المجتمع , بل انهم شأنهم شأن بقية النخب (الانتلجنسيا) يحاولون نشر مصطلح (بيزنس) كي يكون متداولا وشائعا بين الناس ومن وراء هذا المصطلح يقوم هؤلاء اما مباشرة , أو عن طريق تكريس سلطة القلة باخراج الجماهير من السلطة , أو تحويل الجماهير عن طريق الانتخابات والاقتراعات وغيرها , الى ادوات لاختيارهم في السلطة وربما كانت المشاكل التي تواجه الناس تحت مبرر عدم وجود ادارة كالذي نسمعه على لسان الكثيرين عندنا , ليس سوى السحر الذي قذف به البيروقراطيون على ألسنة هؤلاء كي يمعن البيروقراطيون في احتكار السلطة , وتكون الجماهير ذاتها الوسيلة لذلك , والضحية التي تختار جزارها.

ان السلطة الشعبية بالضرورة تفرز آلية ادارتها اذا تخلصت بشكل نهائي ليس فقط من البيروقراطيين وأمثالهم بل من ثقافة البيروقراطية , واحساس الجماهير بعدم الثقة في نفسها , فالفكر الشعبي لايسمح بأدوات غير شعبية , أما اذا كان الفكر شعبيا والادوات غير شعبية هنا تكون بوادر المشكلة .

اذن فالمشكلات الادارية التي تواجه الشعب ليست بسبب غياب الادارة , بل بسبب تمركز الادارة في يد القلة حتى تحولت هذه القلة الى (قراطية) , أى سلطة , وهذا على وجه الواقع ما نشاهده كل يوم , فالمكتبيون هم يتحكمون في مصائر الناس , والجماهير وان اصدرت قراراتها التي يفترض تنفيذها من قبل اللجان الشعبية , إلا ان هذه اللجان نراها في الغالب قد اسلمت امرها , بل وقرارات الجماهير الى هذه القلة من البيروقراطيين الذين يلخمون اللجان الشعبية بالتقارير المحشوة بالارقام تماما كما يفعل السحرة ويكدسون الاضبارات والاوراق امامهم , مستغلين اضافة الى ذلك ان الكثير من المصعدين شعبيا غير أكفاء , وحتى الاكفاء منهم يدخلهم هؤلاء البيروقراطيون معارك وهمية حيث المشاكل اليومية التي تستفرغ نشاطهم وحماسهم من خلال الاجتماعات التي تضيع الوقت والجهد , ليخرج هؤلاء المصعدون من اجتماع الى آخر , لايكفي المدة بين الاجتماع والاخر حتى لصياغة محاضر الاجتماع السابق بل ان يقوم هؤلاء بتنفيذها.

ان فكرة الادارة الشعبية تقطع الطريق امام البيروقراطيين , فالادارة الشعبية تعني ان كل واحد مسؤول عن ادارة ما يكلف به , أى الادارة الشعبية هي ادارة الشعب لاموره , ومن ثم تتخلل الادارة كل حركة المجتمع بما في ذلك اجتماعات المؤتمرات واتخاذ القرارات. على ان الخطورة هي في تحول ادوات التنفيذ الى السلطة , أى ان اللجان الشعبية ذاتها على الرغم من انها اداة تنفيذ قرارات الجماهير , وفي غياب الثقافة الشعبية والرقابة الشعبية والثورية قد تصبح هي ذاتها شكلا من اشكال البيروقراطية , فثقافة المجتمع القديم تظل تعمل حتى في اللاشعور الفردي والجمعي , اذ قد يتحول أمين اللجنة الى محافظ أو عميد بلدية أو الى شكل من اشكال البيروقراطية القديم وحوله بطانة من الانتلجنسيا تزين له هذا الانحراف المسلكي , ولا تفوتنا الاشارة هنا الى ان الثورات وان كانت قادرة على تقويض اركان المجتمع القديم المادية فإنها كثيرا ما تتصرف تحت حماسها ورغبتها في تحقيق اماني الجماهير عن تقويض اركان الثقافة الرجعية وكذلك عن دك حصون اعداء الجماهير نهائيا , ولا تفوتنا الاشارة كذلك الى ان ثقافة المجتمع القديم قد تكون أكثر تأثيرا على اللاوعي الجمعي , وان كان المغلوب مولعا دائما بتلقيد الغالب , كما يقول ان خلدون , فان المغلوب ثقافيا يظل دائما مولعا بتقليد الغالب , وان كانت ثقافة هذا الغالب هي الاوهن والاضعف .

ان ما نؤكده ان السلطة الشعبية هي المؤتمرات الشعبية فقط , وان اللجان الشعبية هي ادوات السلطة وليست تجسيدا لثنائية السلطة القديمة (حكومة ¯ شعب) , فالنظام الجماهيري نظام يؤسس على وحدانية المنهج لا الشرك المنهجي , وعندما تصبح ادوات سلطة , هنا تكون بوادر الانحراف الذي يجب ان تصححه الجماهير , فثقافة البيروقراطية المعادية للديمقراطية لاتنتهي إلا اذا ادركنا كما اشرت ان الديمقراطية هي المؤتمرات الشعبية والمؤتمرات الشعبية فقط , وان الادارة الشعبية هي غير البيروقراطية , فالبيروقراطية هي شكل من اشكال المجتمع الرجعي القديم وان كانت تلبس في كل مرة ثوبا في محاولة تزويقه وتجميله ضمن مؤسسات مجتمعات العسف والظلم والدكتاتورية المعادية لسلطة الشعب ,

وللحديث بقية

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط