حديث الاثنين
الحديث الرابع عشر
بقلم الدكتور :المهدي مفتاح امبيرش
في خصوم الشعب
ط : الاوتوقراطية
الاوتوقراطية »Autocracy« كلمة يونانية الاصل تتكون من قطعتين الاول »Autos« ويعنى نفس , أو فرد , و »Kratos« ومعناها سلطة ويكون المعنى مركبا , سلطة الفرد , او السلطة الفردية , وتأتى من الشكل السياسى الذى يكون مطلق السلطة فيه في يد شخص واحد بغض النظر عن شكل النظام , اذ قد يكون النظام جمهورى المظهر , وان كان القرار فيه لشخص واحد , وقد يكون النظام ملكيا »MONAARSCHY« , اى ذلك الذى يؤسس على الفرد الواحد , والمصطلح مكون من »MON« واحد »Archl« من (ARCN) الذى هو عمود البناء ومثلما يكون النظام مونارشيا وله مؤسسات , بحيث يكون الملك او الملكة مجرد الاساس الذى يكون عليه البناء السياسى , وذلك مثل ما يطلق عليه بالملكية الدستورية التى يكون الملك فيها خاضعاً لدستور , او ان يكون وجود الملك وجوداً شكلياً , وقد يتحول النظام الملكى إلى نظام »اوتوقراطى« , عندما يكون الملك فيه مطلق السلطة .
اذن فالاوتوقراطية تعني مطلق السلطة الفردية , وهى بهذا وبغض النظر عن شكل النظام من اكثر الاشكال السياسية دكتاتورية ومركزية , والشكل الاوتوقراطى قد يغطى واقعة كما اشرت من خلال مؤسسات اصطناعية , او انتخابات وما اليها , ولكن تظل كل هذه المؤسسات والادوات ليست مجرد الوهم الذى يخفي وراءه هذه الارادة الفردية المطلقة .
لقد عرف التاريخ السياسى اشكالاً للاوتوقراطية تمثلت في تاريخ اليونان خاصة قبيل زحف الاسكندر وسقوط اثينا في يد المقدونيين ومن ثم بلاد اليونان , وكذلك في فترات من الامبراطورية الرومانية من خلال ما عرف بعصر »الطغاة« حيث تتم مركزة السلطة فى يد فرد واحد , وربما كان هذا الشكل مقبولاً عند أولئك خاصة فى عصور المحن والازمات والفتن , وقد اعتبر المفكر السياسى المعروف ( نيقولا مكيافلي ) , نظام الطغاة هذا من مميزات الامبراطورية الرومانية , واحد اسباب قوتها , وانه كان باستمرار المخرج الذى تحل به الازمات الكبرى والمستعصية فى الامبرطورية الرومانية , وربما يظل هذا الرأى سائداً الى اليوم , فكثيراً ما يفضل البعض نظام السلطة الفردية المطلقة خروجاً من الفوضى وضعف اداء النظام السياسى , وربما كان موقف الذين يبررون هذا الشكل من الديمقراطية , في شكلها التقليدى الذى يقوم على التمثيل والنيابة , ان هذه الديمقراطية قد تؤدي الى الضعف , وان الصراع السياسي على السلطة بين الاحزاب والافراد فى اطار هذه الديمقراطية , كثيراً ما يضعف جسم الدولة ويؤدي الى الفساد والافساد .
الا انه مهما كانت المبررات فإن النظام الاوتوقراطي , مع تأكيدنا ان الوصف بالنظام قد يعطى ايحاءات ايجابية . إذ ان النظام يفهم من هذه الطبيعة , والحق ان هذا الشكل وغيره هو تنظيمات لا انظمة , وذلك ان التنظيم هو تدخل قسري لإعطاء شكل النظام لما ليس نظاماً , فالتنظيم شكل اصطناعي , بينما النظام علاقات طبيعية , ان القلب يشتغل وفق نظام للدورة الدموية , ولكن إذا اختلت دقات القلب لجأ الاطباء الى وضع جهاز يقوم بتنظيم دقات القلب , هنا تخرج الدورة الدموية من حال النظام الى وضع التنظيم الخارجي , اعود للقول : إنه مهما كانت المبررات فإن هذا ( النظام ) يعد اكثر الاشكال السياسية عداء للديمقراطية , أي عداء للشعب , وإذا كانت الاشكال التى سبق تناولها تقف خصوماً للشعب بما تدعيه من ديمقراطية شكلية , فإن الاوتوقراطية تظل اكثرها وضوحاً وانكشافاً
فهذا النظام يفتقد الى مظهر حتي وان كان شكلياً قد يوهم بوجود مظهر من مظاهر الديمقراطية لقد رأينا كما اشرت ولازلنا اشكالا لهذه الاوتوقراطية التي ربما يعكس وضعها مقولة لويس الرابع عشر الفرنسي ( انا الدولة والدولة انا ) , عندما اراد البعض ان يذكره بأن هناك مؤسسات ودستوراً للدولة ( فالنظام) الاوترقراطي يتم فيه تضخم الانا الفردية الى الحد الذي تدعي فيه انها اصبحت مطلقا في مقدوره ان يستوعب داخله كل الاخرين , بشراً ومنقولات , بل وقيماً , وممكن ان نقدم الادارة الامريكية بأنها شكل من اشكال ( الاوتوقراطية ) الحديثة , فالقطب الفردي , والذي يوصف بأنه القطب الواحد مع تأكيدنا الى الفرق بين الفردية والواحدية , هذا القطب يحاول ان يكسوا عراءه باشكال مختلفة تماماً مثل ثياب المهّرج , او يلجأ الي استخدام الدجل والدعاية والتمويه شأن السحرة والمشعوذين والدجالين , تحت مايسمى
( بالشرعية الدولية ) , الا انه من أقسى الاشكال الاوتوقراطية التي عرفها العالم , حيث يصل الطغيان فيه قمته ويحول نفسه الى معيارية تقاس بها افعال الآخرين ( العدالة المطلقة ) فما يراه شراً يجب أن يكون شراً ولا اعتراض وما يراه خيراً حقه ان يكون كذلك دون مناقشة . ان المركزية مركزية السلطة والثروة والسلاح وكافة ادوات ووسائل القوة هي التي تصنع الاوتوقراطية في اي شكل من الاشكال الجماعية من اصغرها , وهي الأسرة الي اكبرها واقصد بها المنظومة الدولية , ولن ان نشير في الاشكال السياسية السائدة الآن في العالم الي أن الدجالين والمرائين قد يحاولون تزييف حقيقة محدودية ( الاوتوقراطية ) مهما كان اسمه , ملكاً , أو امبراطوراً او رئيساً لجمهورية وما اليها , فيعطون له كل صفات الشمولى والمطلق , فهو كل الشعب , وكل التاريخ , والباقي الى الابد الذي لاتلحقه الموت ولاينال منه تافون الفناء , فإذا ما ارادوا ان يجسدوا هذه المعاني صوره على الحيطان والشعارات جسداً ضخماً قد استوعب كل الشعب داخله , وهو ما يذكرنا باسطورة ( كرونوس ) اليونانية والذي ابتلع كل اولاده في جوفه ولكن مثلما لم تستطع معدة كرونوس ان تحوي كل ابنائه فاضطر الي ان يتقيأهم , فإن هذا الاوتوقراطي لايلبث ان ينكشف امام حركة الجماهير وفعلها الشعبي إذ لا يمكن للجزئي ان يكون كليا ولا لمحدود أن يكون مطلقا.
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!