حديث الاثنين
الحديث العشرون
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
[email protected]
في نظرية خصوم الشعب
د : التعليم والديكتاتورية
في الحديث السابق تمت الاشارة الى العلاقة بين موضوع المعرفة والوعى والارادة وان من يرغب في حكم الاخرين افراداً او جماعات , فإن وسيلته في ذلك المعرفة , احتكاراً , او تشويهاً , وتزييفاً , أو تجزئة وتحديداً , فمحاولة السيطرة على الفعل الانساني بتحديد مجال الحركة , كالسجون , و القيود , والاغلال , والسلاسل التقليدية , ما كانت يوماً تمنع الانسان من التفكير , ومن ثم من القيام بالعمل الذي يأخذ مظهر الحركة , اذ الفعل والحركة ليسا فقط هذا الجانب الاخر والمدرك حسياً منهما , بل آنه يأخذ جانباً اخر قد يظل أكثر خطورة , فكم من مسجونين ومعتقلين كان لهم التأثير الاكبر في هز عروش طغاة او انهاء سيطرة دكتاتوريين , أو في نشر افكار هدامة , وفي كل الاحوال يمكن القول ان اكثر لحظات الفكر نشاطاً وقدرة هى عندما يواجه قيوداً تحاول منعه , فالفكر لايحده مجال بل انه يعمل في اغلب الاحيان تجاوزا للمحدودية , وان كان العرب قد اطلقوا على العقل عقلاً لانه يعقل جزءاً من هذا الزمن المتحرك , فما ذاك الا لاستخراج قوانين قد تتجاوز الزمن ذاته.
ان أقسي الأنظمة دكتاتورية وتسلطاً هى التى تحاول الاعتداء على التفكير من خلال حرمان الانسان من المعرفة , حرماناً جزئياً او كلياً , كما ان اكثرها ظلماً هى التى تحاكم الانسان بسبب تفكيره , اذ ان الانسان ذاته لايملك القدرة على ان يمنع نفسه من التفكير , ان العقوبة تكون جائزة اذ تحول التفكير , او حوّل صاحبه او الاخرين الى طور الفعل , هنا تكون العقوبة على إرادة الفعل او فعل الارادة , وهذا ما يكون مجالاً لقوانين العقوبات بعامة اما خروج الانسان عن دائرة الإرادة والفعل الأرادى , فهو ما يخرج كليهما من مجال القصد الجنائى , الأمر الذى يعفى الانسان من نتائج الفعل , او قد يخفف عنه العقوبة بداهة.
من هنا كانت العلاقة وثيقة بين موضوع المعرفة والحرية , كما كانت نظريات (التعلم) او التعليم مرهونة بفهم هذه العلاقة , فالنظام الفئوى او النخبوى او نظام الصفوة , وما اليها , يقع كله من الاعتقاد في عدم قدرة الناس على المعرفة , ومن ثم تكون القدرة فقط لدى القلة , لتأتى بعدها محاولات تبرير وسائل وطرق الحصول عليها , اى تبرير نظريات التعليم القسرى والجبرى الذى يفرض انواعاً من المعرفة , والذى يحدد بدوره وسائل وطرائق واساليب الحصول على المعرفة.
لقد كانت نظرية أفلاطون في التعليم نموذجاً لذلك , فأفلاطون لانه كان ضد الجماهير , اى ضد الديموقراطية , وكان ينظّر للقلة (الارستوقراطية), كان بداهة في صف التعليم لا التعلم , ونظريته في تشبيه المجتمع بالجسد ليست سوى تبرير هذا التسلط , اى تسلط الارستقراطية , التى محلها الرأس , على بقية الجسد , ولازلنا في قاموسنا السياسى , نتكلم عن الرأس , والرئيس , عن جزء الجسم الذى يحمل خلايا التفكير , والذى من حقه ان يقود كل الجسم تماما كهؤلاء الارستقراطيين الذين من حقهم ان يقودوا بقية المجتمع , وان يفرضوا اوامرهم عليه , ومن هذه النظرة كانت كراهية افلاطون , ومن سار مساره , للفعل اليدوى , وربما يمكن القول ان ظهور النقابات والاتحادات والروابط المهنية والحرفية , كان رد فعل على هذه النظرة (الاستعلائية) , فالنقابات و الاتحادات وما اليها , جاءت تعبيراً عن أزمة في النظام السياسى عن احتكار القلة (الارستوقراطية) وما اليها , (المونوقراطية) , أو (الاوليغارشية) , وكل أنواع (القراطيات) المعادية للجماهير , للسلطة او احتكار وسيلة السلطة وأدواتها , ولنا ان نقول ان الحل الديمقراطي , اى وصول الجماهير للسلطة من المفترض ان يحوّل النقابات والاتحادات والروابط الى مجرد شكل (تأريخى) , يذكرنا بعهود الاحتكار والظلم , اى انها ستصبح أدوات وأشكال (اثرية) , لاقيمة لها في المستقبل.
من هنا يمكن القول , كما تمت الإشارة في الحديث السابق , الى ان نظرية التعليم , هى غير نظرية التعلم , فالأخيرة تعنى فتح مجال المعرفة امام الجميع , ولاتكون الا من خلال الثقة في قدرة الناس على التعلم والحصول على المعرفة , إدراكاً للعلاقة بين موضوع المعرفة و الحرية , وربما هذا هو الاساس الذى يفرق ين النظرية الجماهيرية و نظرية الجمهورية (الافلاطونية) التى لا تزال معاصرة حتى اليوم , فالنظرية الجماهيرية لإيمانها بهذا الارتباط بين المعرفة والحرية ولادراكها ان الحرية ضرورة او حاجة للوعى ومن ثم الارادة والفعل فإن مدى الوعى والإرادة والفعل هو ما يحدد انسانية الانسان , ومن ثم فإن الاحساس بالحاجة للحرية مرتبط بالوعى ومرتبط بالحاجة الى الحركة التى هى مظهر الفعل , فالذين لا يريدون او لا يفعلون قد لا يحسون بالحاجة الى الحرية وكلما ازداد الوعي اتسعت دائرة الفعل , واتسع فضاء الحركة , فالمكان والزمان مرتبطان بالحركة التي هى مظهر الفعل ومن ثم يرتبط الاحساس والوعى بهما ارتباطاً وثيقاً بذلك , ومن هنا يمكن القول , ان الذين يفقدون علاقتهم بالمكان والزمان يفقدون علاقتهم بالفعل و الحركة , ومن ثم بالارادة والوعى كما ان قيمة الزمان والمكان تأتى من مدى وعى الانسان وارادته للفعل وفعله لارادته.
واذا كانت المعرفة مرتبطة بالحرية , فإن النظام الجماهيرى لايقبل باحتكار المعرفة و ذلك نتاجاً للفلسفة التى يؤسس عليها هذا النظام , وفي ظنى , ان اشكالية ما يسمى (بالتعلم في ليبيا) هذا المحدود المكان والزمانى الذى يُشّكل المعمل المحدود الذى تطبق عليه القوانين والقواعد الجماهيرية , ىأتى أولاً من ان نظريات المعرفة لاتزال هى ذاتها نظريات التعليم القديمة , فأغلب الذين يقومون على (البرنامج) المعرفة , لايزالون معتقدين في نظريات التعليم القديمة , اى أنهم لم يدركوا بعد العلاقة بين المعرفة والحرية من الاساس , ومن هنا يكون التشويه في وسائل وأساليب وأدوات المعرفة في النظرية الجماهيرية , بل وفي (الوعاء الزمنى) الذى يحدد مقدار المعرفة , عن أساليب وطرق ووسائل التعلم في النظام الجماهيرى ونظرية التخصص , لنا حديث.
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!