رؤية في الثقافة والأدب أفكار ضد الموت الفردية الشخصانية , الذاتية

رؤية في الثقافة والأدب أفكار ضد الموت الفردية الشخصانية , الذاتية (69 ) بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش [email protected] في الرؤية السابقة تمت الإشارة إلى أن الفردية ( indivdualism) تعد خاصية القطيع سواء كان قطيعاً بشرياً أم حيوانياً إنها ح

رؤية في الثقافة والأدب
أفكار ضد الموت
الفردية الشخصانية , الذاتية

(69 )

بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش

[email protected]

في الرؤية السابقة تمت الإشارة إلى أن الفردية ( indivdualism) تعد خاصية القطيع سواء كان قطيعاً بشرياً أم حيوانياً إنها حالة تعبر عن انكفاء وتأزم سببه الانغلاق على الانا بما يحدث تأزماً في العلاقات الاجتماعية بما يحولها الى علاقات جمعية او جماعية فالجماعة مكون تحركه الغريزة والدوافع الاولية كما اوضحنا ذلك مراراً ومن ثم فإنه من خواص (المدينة) اي العيش في المدن هذه الحال الجمعية او الجماعية فالمدن هي متحد واحد يكون المكون فيه مكوناً جميعاً يؤسس على المنافع والمصالح الفردية فهي اشبه بالمرعى للقطيع اذ سرعاناً ما يغادر القطيع المرعي اذا انقطعت اسباب وجود هذا القطيع فيه كما ان الناس في الحال المدنية هم ارقام واشياء اذ كل ما في المدن من مساكن الى الشوارع الى البطاقات الشخصية والمهنية الى كل شيء تقريباً هو ارقام في ارقام فلا غرو ان اتسمت المدن بحالة الاغتراب ( Alienaion) يفقد فيها الانسان القدرة على ان يكون ذاتاً وبالاحرى يفقد هذا الوعي بالذات الذي ينعكس على علاقته بمن حوله وما حوله بما في ذلك احساسه بالزمان والمكان وكما هو معلوم ان الانسان يفقد علاقته بالمكان والزمان اذا فقد الوعي من الاساس او اذا ما تم اخراجه من دائرة الوعي وتحول الى مجرد شيء اي شيء وفي حالات الفعل فإن الانسان اذا فقد هذه الارادية بأن لايفعل اصلاً او اجبر على القيام بفعل وتم التعامل معه وفق قوانين الالية والاداتية فإن هذا الاغتراب يبلغ مداه الى حد فقد الاحساس اصلاً بالمكان والزمان وقد قدم القرآن الكريم لذلك نماذجاً للموت الحقيقي او الحكمي والاخير يتم فيه قتل الانسان باخراجه من دائرة الوعي والارادة او حرمانه في الفعل اصلاً .

فالموتى يوم يبعثون يوم القيامة لايشعرون بالزمن الذي مر عليهم وهم موتى (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية او ضحاها) بل قد يتضاءل هذا الاحساس بالزمن الى الحد الادنى (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) كما ضرب الله مثلاً لذلك اصحاب الكهف الذين ظلوا ثلاثمائة عام وازدادوا تسعاً ثم ظنوا انهم ما لبثوا الا يوماً او بعض يوم كما هي حال ذلك الذي اماته الله مائة عام ثم بعثه .من ثم كانت من اكبر العقوبات للانسان وضعه في السجن لان في ذلك حكم عليه بمحدودية مكانية تمنعه من الفعل وتحد قدرته على الحركة بل عادة ما يحذف اسمه ويرمز له بمجرد رقم وهو حال الجنود في التنظيم العسكري التقليدي حيث يتم تحويل الانسان الى مجرد اداة اذ أول ما يمارس ضد وجوده حرمانه من اسمه وذاتيته وتحويله الى رقم مجرد رقم حتى اذا مات ولانه مجهول عمل له نصب يطلق عليه نصب الجندي المجهول على الرغم من انه كان في قمة الحضور والشهادة !!المدينة باعتبارها نتاج الثقافة البرجوازية التي ليست بالحديثة كما قد يتوهم فتاريخ المدن القديمة تشهد به آثارها هذه المدينة تؤسس على ثقافة الالغاء والرقمية والتعامل مع البشر باعتبارهم الات من ثم فإن تاريخ المدن هو تاريخ الدكتاتوريات عبر التاريخ كما انه تاريخ العبودية والرق بكل اشكاله القديمة والجديدة اضافة الى ان التاريخ يشهد ان الصراع كان دائماً صراع مدنيات تماماً مثلما قال هنتغتون (clash of civilizalions) صراع اثينا التي قادت اليونانيين ضد الفرس وصراع اثينا مع اسبرطه وصراع قرطاجنه ضد روما أن الصراع هو صراع مدنيات حيث توجد انظمة فردية (Autocracy) أو واحدية (Monarchy) : الحزب الواحد العائلة الواحدة او الطبقة الواحدة حيث يتحول الناس الى مجرد ارقام في مشروعها نموذجه التوتاليتارية التي يتحول الناس الى مجرد كتلة سواد نهماء يدفعون بالالاف الى معارك (لا ناقة لهم فيها ولا جمل) كما يقول المثل العربي دورهم فقط تحقيق ارادة الفرد او المجموعة فاذا ما رفض الناس هذا الوضع المهين اتهموا بالخيانة العظمى حتى اذا ماتوا (كرموا) بنصب الجندي المجهول .ان هنتغتون على الرغم من الهجوم الشديد الذي واجهه لم يتحدث عن صراع للحضارات بل صراع للمدنيات وهو محق بالطبع وفق هذه الظاهرة التي تتأكد من خلال التاريخ سوف يبرر انتصار (واشنطن) لتكون المدينة العالم فما تواجهه الادارة الامريكية التي هي نتاج الليبرالية والبراجوازية هو انظمة حكم ومدن لا جماهير انها في صراع مع حالات مدنية لا حضارية حالات الجماهير فيها مغيبة اننا اذا كنا نقر ان لا صراع بين الحضارات لان الحضارة باعتبارها حالة حضور ووعي لاتقوم على النفي والاقصاء والإلغاء (للآخر) بل ان الحضارة تلزم بداهة وعياً بالذات يجعل هذا الذي نسميه الاخر ضرورياً لوجود ذاتنا وتأكيدها الا ان الصراع بين المدنيات واقع تفرضه ثقافة المدنية القائمة كما اشرت على الفردية والتعامل مع البشر باعتبارهم اشياء .واذا كانت الفردية سمة المدن والحياة البرجوازية فإن نمطاً آخر معدلاً الى حد ما يبرز في شكل الشخصانية (personalism) ويمكن اعتبار اغلب نظريات المفكرين الفرنسيين تدور حول هذه الاطروحة من الوجودية حتى التفكيكية ,هذه الاطروحات وان كانت تخالف النمط الفردي البرجوازي الذي يطرح الان في شكله الجديد الانجلوسكوني فإن فرنسا باعتبارها تجاوزت الحال البرجوازية ولظروف الثقافة الفرنسية التي تسعى ان تكون متميزة واضعين في الاعتبار الصراع الفرنسي الالماني والعقدة الفرنسية من الحضارة الرومانية فإن الفلاسفة الفرنسيين يحاولون التميز بهذه (الشخصانية) التي وان كانت تؤكد على الانسان الفرد الا انها تعتبر ماهية هذا الانسان امراً ارادياً يؤكد حريته فالوجودية على سبيل المثال تؤكد ان الماهية تأتي بعد الوجود وهذا تقريباً ما يدعو له فلاسفة التفكيكية اتلمحدثون ومن ثم لابد من القطيعة مع الماضي والتاريخ الذي هو في اللاشعور الفرنسي التاريخ الاوروبي بل وقل التاريخ الذي يسبق تاريخ فرنسا المعاصر وهم بذلك يعارضون المشروع الالماني المؤسس على التفوق (Transcendentalism) والذي بالضرورة لايقف معادياً للتاريخ اذ الامبراطورية الجرمانية (المقدسة) اسست على امجاد الامبراطورية الرومانية الا انها تتفوق عليها او بتعبير هيجل يكون الالماني روح التاريخ وهذا ما يطرح ذات مقولة (نهاية التاريخ) التي قال لها فوكاياما اذ لا شيء يتجاوز الروح كما ان الفلسفة الفرنسية غير الايطالية التي تؤكد على الشرعية (التاريخانية) التي تبرر امكانية عودة الماضي من خلال مقولة (ان التاريخ يعيد نفسه) .

ان كلتا الاطروحتين الفردية والشخصانية تعاديان الانسان باعتباره انساناً بما سبق ان ذكرته فالانسان لايكون انساناً الا بهذا الوعي بالمكان والزمان بهذه الذاكرة التاريخية بقدرته على التصور باعتبار التذكر والتصور خاصيتين انسانيتين وبعبارة اخرى ان الانسان بما هو انسان تاريخي بالضرورة ,ان الوعي الانساني هو الذي يوجد بداهة التقدم في الفردية والشخصانية الى الذاتية فالذاتية هي تكامل في حالة الوعي سببه ادراك الانسان عدم قدرته على النهوض بحاجاته بنفسه ومن ثم في حاجة الى الاخرين وهو الامر الذي يدفعه الى التنازل عن بعض المطالب (الانوية) لمصلحة العلاقة مع الاخر الذي يصبح ذاتاً بحيث يكونا موضوعاً ان تاريخ العلاقات الاجتماعية هو تاريخ الوعي البشري كما انه ما يصنع تاريخ الامة والشعب هو ارادة الحياة المشتركة ان الاحساس بالانتماء والمصير هو ما يميز المجتمع البشري عن جماعة القطيع كما ان ارادة الحياة المشتركة هي ما تؤكد روح الشعب والامة وبما يؤكد ان الحضارة هي حضور ووعي هي نتاج هذا التاريخ الشعبي الذي يمتد بامتداد الوعي الشعبي الى نهايته فإذا ما فقدت الامة هذا الوعي هذا العامل الذي يشكل موضوع الامة فإن مصيرها إما التشظي او الاحتفاظ بوجودها (البيولوجي) المحكوم بقوانين (البيولوجيا) و(الفيزيقيا) تتوالد وتتكاثر او تنقرض ولكن لايمكن ان نعتبر وجودها وجوداً انسانياً ان الانسان اذا فقد الروح تحول الى مجرد جثة ومكان الجثث اما التحنيط والعرض في المتاحف او القبور وفي الحالتين هي سواء وهو ما تنظر له ثقافة الموت الفردية والشخصانية .

وللرؤية بقية

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط