حديث الإثنين
الحديث السابع و السبعون
في نظرية خصوم الشعب
وراثة الانبياء
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
حلقة (ب)
اشرت في الحديث السابق الى ان حكم انسان انسانا آخر يحتاج الى تبرير لانه وضع غير شرعي ويتناقض مع الفطرة الألهية التي قضت ان يولد الناس اكفاء واشباه من حيث هذه الانسانية , وان ما يتم بعد ذلك من ظلم واضطهاد هو حالة الارتكاس التي هي خروج عن هذه الفطرة والتي عبر القرآن الكريم بقوله تعالى , بعد ما اكد ان الانسان خلق في احسن تقويم »ثم رددناه اسفل سافلين« سواء هذا الذي يضطهد غيره بخروجه عن الناموس الألهي وتحوله الى مجرد سلطان مادي قاهر شأن كافة المخلوقات والكائنات الادنى المحكومة بقانون الفيزيقا , او هذا الذي يقبل بالظلم فكلا الحالين تعدٍ عن حال التقويم الاحسن , او الاستواء الذي يرفض وضع الخنوع والخضوع , والذي يفرض حالا مشوهة لا تليق بالانسان , وهي كذلك ما اشار الله اليها ضمنا وهو يتحدث عن الوضع السليم للانسان عندما قال عز من قائل : »افمن يمشي مكبا على وجهة أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم «سورة الملك .لقد عاشت البشرية فترات من تاريخها تحت وهم التفوق العرقي , اي ان هناك من دماؤهم مقدسة وطاهرة , مقابل الكثرة الملوثة والقذرة , وهذه فكرة تأخذ ابعادها واشكالها في نظريات متعددة بدءا من التفسير الاسطوري والذي صار نظريات فلسفية مؤداها ان الانسان لارتكابه الخطيئة فإن روحه الالهية سكنت في الجسد , والجسد بذلك هو الاسار او القيد الذي لايمنع الروح من ان تصفي وتعود الى نبعها الاصلي او الروح الاول وذلك بالقضاء على سلطان الجسد هذا . رأينا ذلك في نظريات (الكارما) الهندية (والسمسارا) واطروحة التناسخ , والتي طُوِّرت في شكل الجدل الصاعد والهابط الافلاطوني الذي انطلق هو الاخر من فكرة ثانوية الجسد والعقل اي الجسد باعتباره كهفا, وان النفس الانسانية , او العقل مأسور بحكم هذا المادية بقيود الشهوات والرغبات بحيث لايرى من الحقيقة الا ضلالها , حتى اذا ما تحررت النفس من اسارات الجسد انطلقت من جدل صاعد حتى الاتصال بالعقل الاول , وهو ذاته ما اسست عليه فكرة التصوف, او الصوفيا باعتبارها الحقيقة او العرفان, حيث يطلق المتصوفة على أنفسهم أهل الحقيقة أو أهل العرفان والغنوص , كما ان رحلة العودة الى الاعلى هي ما اسست لنظرية الصدور الفلسفي التي اوضحها ونظر لها ارسطو , او نظرية الفيض الصوفي , واساطير المعراج في الفكر الانساني حال من هذه النزعة للخروج من قيود المادية .
كما انها ذاتها فكرة المخلِّص المسيحي , حيث ان الانسان ارتكب من الاخطاء ما اوجب ظهور مخلِّص يطهر الناس من الدنس ويتحمل عنهم اخطاءهم وهي ذاتها الاطروحات التي قدمت فكرة الاستعلائية والترانسنتدالية التي برزت كما سابقاتها, ان الجماهير , وكما اشرت مراراً سوادٌ او دهماء وانها تحتاج الى تلك الصفوة , او النخبة باعتبارها الاصفى والانقى وسط هذا الدنس فثنائية الطاهر والمقدس وان بدأت اسطورية, ثم فلسفة, تحولت بعد ذلك الى نظريات في السياسة والاقتصاد والاجتماع تبرر لوجود كثرة محكومة وقلة حاكمة .المهم ان هذا الوضع كما اشرت ظل باستمرار يحتاج الى تبرير, وان كان يصطدم كما اشرت مع الشرائع الألهية التي جاءت تؤكد الناموس والفطرة الالهية التي ترسخ عدل الله , وانه ليس ظلاما للعبيد, اذا اعتبرنا ان عبوديتنا لله هي حال تعبيد واستواء للنفس الانسانية تحصل بحال مجاهدة ذاتية من اجل وصول هذه النفس الى معرفة حدودها, ومن ثم ادراك فضل الله ونعمه عليها , وبما يؤسس لعلاقات مستوية وعادلة بينها وبين ما عداها, ومن عداها .الشرائع فقط هي التي ازالت هذه الثنوية البغيضة وهذا الشرك المنهجي الذي اوجد هذا الوضع غير الانساني فكان ان اكدت كما جاء القرآن الكريم على واحدية الاصل البشري , باعتباره من نفس واحدة زوجت »ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى « , ثم هذا التعدد داخل الاصل , والذي اخذ فترة من الوقت تعبر عنها اداة العطف (ثم), ثم هذا التعدد الذي هو جعل إلهي اذ الجعل غير الخلق , فالخلق يؤكد الاصل , اما الجعل فيؤكد الحكمة من هذا الخلق , حيث كان الناس شعوبا وقبائل, ثم يضع القرآن باعتباره الشريعة الخاتمة , معيارا للاكرم , مع التأكيد على كرامة جميع البشر »ولقد كرمنا بني آدم « فالبشر على الجملة تم تكريمهم وان كان هناك تفاضل في هذه الكرامة بسبب ما يبذله الانسان من جهد وجهاد , فيكون » الاكرام«, (ان اكرمكم عند الله اتقاكم) .على ان النفس البشرية لا تلبث ان ترتكز وتنتكس لتعود الى ذات الحال الظالمة , ولكن الأغرب ان يتم تأكيد الظلم مبرراً بالشريعة التي جاءت تحرر الناس وترفع عنهم الأصر , اى القيود الاصطناعية غير الطبيعية وغير الفطرية , كما رأيناها عند بعض المسلمين من القائلين بالعصمة , والوراثة , والأخيرة بالقول ان الرسول الكريم يورث من قبل »ابنائه« , على ما في هذه النسبة من تمحّل , وهو الأمر الذي جر الى الكثير من التشويه والتضليل الذي لابد من كشفه من خلال القرآن .فقد أشرنا في الحديث السابق الى ان آية العصمة التي ذكرت في القرآن الكريم في سورة المائدة , آية 67 , تؤكد معجزة في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث ما أكد تعالى أنه يعصمه من الناس , أى أن الناس لايصلون اليه بالأذى , وهذا ما تحقق , اذ على الرغم من محاولات اعداء الاسلام من منافقين ومشركين ويهود ون سواهم وبكل الوسائل النيل من الرسول, الا ان الله تعالى كان دائماً يعصمه ويحميه منهم , والعصمة كما هي في العربية (المنع , وعصم يعصم عصماً , وقاه) , أما ما يطرح من نظريات تجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرقى فوق البشرية خلافاً لما أكده تعالى في أكثر من موضع »انما أنا بشر يوحى إليّ« , فهو ما كان مطلب الكفار الذين كانوا يريدون ان يرسل الله معه ملكاً , وكانوا يسعجبون أن الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيراً أو يلقي إليه كنزاً وتكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون ان تتبعون الا رجلاً مسحوراً * أنظر كيف ضربوا لك الامثال فلا يستطيعون سبيلاً) , كما يؤكد في سورة الانعام حكمته ان يكون الرسول بشراً (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم ينظرون * ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون) , فالانسان البشري بحكم محدوديته لايمكن ان يدرك بحواسه هذا الملك , اذ لابد اما ان يصبح البشر ملائكة , أو ان يلبس الله الملائكة لباس البشر , وهو ما تم لمريم عليها السلام , عندما تمثل لها جبريل بشراً سوياً , فكان من نعم الله ان يرسل رسلاً من البشر ومن ابناء قومهم ممن يعرفونهم يحدثونهم بألسنتهم (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) .إن التأكيد على بشرية الرسول هو ما يجعل واقع الرسول أسوة ممكنا , أى بالامكان ان يتأسى الناس به , فإخراج الرسول عن دائرة البشرية يلغى هذا التأسي من الأصل , اذ كيف يتأسى البشر , بمن هو ليس كالبشر ?فالبشرية لا تقلل من حقيقة ان الرسول هو القرآن العملي , او الشريعة في إطارها العملي , فكل ما قاله الرسول وما عمله , وما اقره فيما يتعلق بالشريعة هو من الله , وهو تأكيد لسنة الله لا سنة الرسول , وما عدا ذلك فهو بشر , يتألم ويحزن ويفرح ويغضب , وقد سجل القرآن الكثير من الشواهد , بما يؤكد هذه البشرية .
كما ان تأكيد هذه البشرية مما يعطي لصبر الرسل ومعاناتهم قيمة , لذا وصف الرسل تعالى بعض هؤلاء بأنهم ذوو العزم فلو كان هؤلاء معصومين بالمفهوم الدارج , لما بقي لهذا العزم من أهمية .إن موضوع العصمة الذي يطرح لا كما أراده الله لم يتوقف فقط عند حد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل ان هناك من تجاوز به غيره , كنظرية الأئمة المعصومين عند القائلين بالامامة , بل ان بعض الفرق , وخاصة من الشيعية الاسماعيلية , »السبعية« من وصل الى حدود تأليه علي بن ابي طالب , نتوقف أولاً عند مصطلح الامامة, والذي كما هو واضح يحاول الاتكاء على مفهوم ديني, بما يجعل مصطلح الامام يقف في مواجهة مصطلح الخليفة, فالامام يجعله الله (إني جاعلك للناس إماماً) اما الخليفة حسب هذه الاطروحة السياسية , فمن اختيار البشر , أى من الناس , وهنا يكون الامام هو المعصوم والمقدس , مقابل الخليفة الدنيوي والبشري , وربما »المدنس« , أو في إطار النسبة بين »الفاضل والمفضول« كما ورد في نصوص فقهية ترتبط بهذا التفاضل ولأن الموضوع يحتاج الى تحليل اوسع , نكتفي بهذه الإشارات .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!