رؤية في الثقافة والأدب
كذبة حقوق الانسان
"ك" البرجوازية وحقوق الانسان
103
بقلم الدكتور :المهدي مفتاح امبيرش
مصطلح البرجوازية يأتى اشتقاقاً من كلمة "BOurj" والتي تعني مدينة , وبذا فإن البرجوازى "Bourjeois", هو من يسكن المدن , او احد ما يسمى الطبقة الوسطي" , او ذلك الذي تسيطر عليه المصالح الفردية ومن هذه المعانى جاء مصطلح البرجوازية "Bourjeoisie" ولنا ان نقول انه من خلال دلالة المصطلح يمكن ان يتضح انه لايعبر فحسب عن مجموعة , او شريحة بل بقدر من يعبر عن ذلك , فإنه يقدم لنا ثقافة , ونمط واسلوب حياة , ومن ثم معيارية , ومعايير لقياس الافعال, ونتاج هذه الافعال , ومن ثم قياس البشر , وللقارىء ان يلاحظ هنا اننا نستخدم "القياس" بقصدية , ذلك انه لايتم القياس الا للأشياء المادية , شأنه في ذلك شأن الموازين , والمكاييل , والمعايير , وما اليها , ومن وحدات القياس , والوزن , التي تصلح للأشياء , وفي ذلك كله نراعي دلالة مفهوم القيم "الاخلاقية" , كما يقدمها المصطلح العربي , للجذر "قوم" , والذي منه الاستقامة والقيام , والقيمة التي اصلها "قومة" فالقيمة هي كل ما يستقيم به الانسان , باعتبار الاستقامة ميسم انسانى , ومن هذه المادة تكون القوامة , بمعنى الاعتدال , والقوم , والقومية , وهذه كلها دلالات تعكس الفطرة الالهية التي اقتضت ان يكون الانسان سويا غير معوج , محتوى هو المظهر سواء سواء , اذ غير ذلك يكون اعوجاج والانحراف , والخروج عن الفطرة "أفمن يمشى مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم".ان هذا الاستطراد يظل في محله ونحن نتحدث عن البرجوازية ودلالة المصطلح والذي ان بدأ مصطلحاً حديثاً نسبياً , فإنه قديم قدم تكون جماعات المدن في التاريخ , ولاننا نتتبع دلالة المصطلح في اوروبا التي أسست على الميراث اليونانى الهلينستى , فإن اليونانيين , وعلى وجه التحديد الاثنيين , كانوا يستخدمو مصطلح "Polis" بمعنى مدينة , وهو لمصطلح الذي اشتقت منه بعد ذلك في القواميس الاوروبية , كلمات اخرى مثل "Policy" و "Police" و "Politics" و"Politisk" وان كانت الاخيرة دخلت في فترة ما قبل الثورة عندنا بفعل الاستعمار قاموس الاستخدام اللغوى اليومى , ولكن العقل الشعبى قدم دلالة اخرى , هي دلالة الحقيقة لهذا المصطلح , فكلمة "بولتيك" تعنى في العقل الشعبى قدم دلالة اخرى , هي دلالة الحقيقة لهذا المصطلح , فكلمة "بولتيك" , تعني في العقل الشعبى كل حديث هدر لا طائل منه , ومن ثم يكون العقل الشعبى عندنا قد كشف الدلالة الحقيقية لهذا المصطلح الاوروبي , اليونانى الاصل , اى استوعب تفاهة التضليل والتزييف الاوروبى , وهو يقدم "البوليتيك" , وغيرها من المشتقات باعتبارها مظهر للانسان "المتمدين" , وهو الانسان الذي يطيع "القانون" ويقبل الدخول في قالب الشكيل المدنى , وهذا تماما ما قدمه البرجوازيون , والليبراليون , اليوم تحت ما يسمي بمؤسسات القانون , او دولة القانون , او مؤسسات المجتمع المدنى , فالعقل الشعبى يسخر من ذلك , ويفضح حقيقة "البوليتيك" , باعتباره مظهراً للدجل والنفاق , والنفعية , التى هى من مياسم "التجمع المدنى" , لأن العقل الشعبى يدرك تماما ان القبول بالمدنية هو القبول بالتدجيل والتطويع , ومن يرفض ذلك ضرب بهروات وعصى"البوليس" ان جماعة المدينة تعبر عن حالة الحشد , او حالة القطيع الذي يلتقى مدفوعاً بالحاجات البيولوجية , ومن ثم فإن المكان , بل والانسان لاقيمة لهما , بل ان كل شىء له سعر وثمن , وبذلك تكون السوقية بكل دلالاتها هي ما يعكس الجماعة البرجوازية او ما يطلق عليها ب"المجتمع" المدنى , مع الفارق الكبير بين دلالة المجتمع والجماعة , فالمجتمع حالة قصدية تعبر عن الوعى والارادة , انها ما يعكس المكون الاجتماعي الطبيعى , وذلك بخلاف الجماعة المدنية , او حالة القطيع , فالبقر , والغنم , والابل , وما اليها قد تشكل جماعات , بحكم المكان الواحد , او الغاية الواحدة العشب او الماء ولكنها لاتكون مجتمعات , فالاخيرة صفة انسانية , وهذه ما تفتقدها جماعة المدينة , اذ ما يجمع سكانها , هو تماما ما يجمع القطيع , فإذا مازال سبب الاجتماع ترك الواحد منهم المكان , بحثاً عن غيره .ان البوليس بذلك هو الأداة التي تحول الانسان من الحالة الاجتماعية الى الحالة الجمعية , او حالة القطيع مستغلاً بذلك حاجات هؤلاء الناس "البيولوجية" , التي تضطرهم الى الذهاب الى المدن بحثاً عن لقمة العيش , وحتى يتسنى للبرجوازيين , المكحومين بعقدة الشعور بالنقص , والاحساس بالدونية تجاه الشكل الحضارى خار ج المدينة , فإنهم يلصقون صفة البربرية لكل من هو خارج المدينة , كما رأيناها في الميراث اليونانى والرومانى , وهى ذاتها ما تستخدم اليوم في الوصف بالارهاب , ومجتمع الشر , لكل من يرفض المشروع البرجوازى الليبرالى في شكله الحديث , وهذه ظاهرة تكاد تكون عامة , يمكن ان نجد لها "الماصدق" , حتي عندنا , حيث نجد سكان المدن يؤلفون قصصاً وحكايات بل ونكت يطلقونها على من هم خارج المدن , وان كانت في مجملها تدور حول رفض من هم خارج المدينة لنمط التدخين والتخنيث المتعمد ,فأغلب هذه القصص والحكايات والنكت "المفبركة" , المصنعة تعكسهم خشن يتسمون بضخامة الاجسام وفضاضة السلوك . ان التدجين المتعمد داخل المدينة يتم تحت وهم ما يسمى باحترام القانون , بعد ان يتم صب الناس في قوالب هي ما يطلق عليها , الجمعيات , والمؤسسات والهيئات وما اليها والتي تأتى بعد ان يتم تدمير العلاقات الاجتماعية الطبيعية , وتفريغ الناس من محتواهم القيمى والاخلاقي حتي يستوعبهم الشكل المدنى , اذ كل ما هو داخل المدنية مصنع , ومعلب ومقولب ومكيس , وهذا لا يتأتى الا اذا تم تحويل الناس الى اشياء وارقام , بعد عملية التفريغ , حتي يطوعوا للضغط والكبس , فالمدينة من خلال "القوانين الاصطناعية" , هى مصنع تكييس البشر وقولبتهم , فالتصنيع الذي هو ضد الطبيعة هو نمط الحياة المدنية , ومثلما يتم تذويب الحديد وصهره , حيث يمكن قولبته , تطبق ذات القوانين على الانسان , الذي يتحول الى شىء .من هنا فإن البرجوازية ترفع شعار تطبيق القانون لمصلحة التدجين هذا , في محاولة لاتستهدف فحسب من هم داخل المدن , بل من هم خارجها , خاصة اذا تم اقناعهم واحساسهم بالدونية تجاه نمط الحياة في المدن , ويمكن ان نلاحظ هذا الوضع النفسى »السيكولوجي« في حالة الانفصام داخل المدينة , والتي تعكس عدم التوازن بين ضغط القيم خارج المدينة , ومغريات التصنيع المدنى , ولنا ان نذكر هذه الحالة متمثلة في نصب الخيام داخل المدن , وكأنه تعبير نفسي عن حالة الرفض لحياة المدينة , والتي يصفها سكان المدينة بالتخلف , بل ينعكس ذلك في طريقة الكلام , الذين يرحلون الي المدينة يحاولون ان يقلدوا طريقة سكان المدينة في الكلام , والتي عادة تتسم بالنعومة والخنوثة , فيأتى نمط آخر لايعبر عن المدينة , ولا عن الريف والبادية , كما نلاحظ ذلك عند سكان ضواحى المدينة , وان كان نمط أخر يحاول ان يجارى سكان المدن , فتتم المبالغة بشكل يبعث على الشفقة , ومظهر ذلك في اختيار اللباس , او استخدام مواد الزينة .ان القول باحترام القانون في لغة البرجوازيين , ليس سوى محاولة لاجبار غيرهم على الخضوع لنمط المدينة الذي تمت الاشارة اليه , والقول بالمجتمع المدنى لايعني سوى القول بالدين المدنى , اى رفض العرف والدين , باعتبار العرف والدين مرجعية مفارقة , وهذا امر قد لايتضح للكثيرين من دعاة ما يسمى بالمجتمع المدنى , فالقوانين والدساتير الوضعية جاءت خروجاً عن الشرائع والاعراف الفطرية الاجتماعية , والقوانين والدساتير هي تعبير عن إرادة أقوى , ولان القوى هى مرجعية القانون , فإنه لاحترم القانون , واكثر الناس ادعاء باحترام الدساتير والقوانين هم اكثر الناس خرقا لها , هذا اذا وضعنا في اعتبارنا ان القوانين والدساتير محكومة بحكم محدوديتها , وتعبيرها عن إرادة الاقوى , بالتبديل والتغيير , كلما تبدل او تغير وضع مرجعية القانون , ولذا فإن هؤلاء الاقوياء يستخدمون جيشاً من محترفي الصياغة "القانونية" , بل ويعمدون الى صناعتهم في المؤسسات التعليمية , لتحقيق اهدافهم , ومن ثم فإن البرجوازيين يحكمون الاخرين من خلال القوانين التي يصوغها عملاؤهم من "محترفي الصياغة" , او القانونيين , لتعكس هذه المواد القانونية إرادة هؤاء الاقوياء .ولأن المدنية شكل اصطناع فإن كل شىء فيها يعادي ما هو بيعى , او فطرى , فالمدينة ترفض العرف , مثلما تعمد الى تزييف الشريعة , وتحويل الشريعة الى مجرد شكليات , ومظهريات , ففي المدينة يتم فصل العرف عن الحياة , والشريعة عن الحياة , ففي اسوق حيث السوقية يمسى الشعار المعتمد "بين البائع والشارى يفتح الله" , اذ كل القيم الاخلاقية لا مكان لها داخل السوق , مما يفرض ان توضع خارج اسواره , فما حكم السوق هو النفعية والانتهازية , وبذا تمسى السوقية , كما اشرت مرارا , مظهرا من مظاهر البرجوازية او المدنية .ان السؤال الذي سنحاول الاجابة عليه هو كيف تنشأ المدنية , وكيف تتحول البرجوازية; الي ثقافة وسولك ونمط حياة , وكيف ينظر الى الانسان في "مجتمع" المدينة , الذي يرفع شعارات الحرية الفردية; , وحقوق الانسان , وسيادة القانون , و دولة المؤسست , وما موقف المدينة من العرف والدين , ان هذه وغيرها هي موضوعات الرؤى القادمة , التي تضح كذبة حقوق الانسان بالمفهوم الليبرالي البرجوازى , وتؤكد ان الحضارة هى ما نقرها في مواجهة المدنية .. والمجتمع الحضارى في مقابل "المجتمع" المدنى .. وسيادة مرجعية العرف والدين , مقابل سيادة ما يسمى بالدين المدنى , او الدستور الوضعى .وتبقى الحقيقة التي تتأكد من خلال التاريخ ان اي مشروع حضاري لايمكن له ان يولد داخل المدن فالانبياء والثوار اصحاب المشاريع الحضارية الحضورية لايتنفسون هواء الحرية الا خارج اسوار المدن من ثم فهم المهاجرون دائماً .. واذا كانت الهجرة والحركة والخروج عن الاشكال الاصطناعية وممارسة الصعلكة هي ما تؤسس للمشروع الحضاري فإن هذا المشروع لايلبث ان يختنق بل ربما يموت بمجرد ولوجه ابواب المدينة فالممدن هي مقبرة الحضارات .
وللرؤية بقية
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!