الأثنين 18 ذو القعدة 1378 و.ر 25 من شهر التمور 2010 ف العدد 5331
سياسة
هل يتحررون من التبعية ويبنون الوحدة العربية ؟
العرب بين تراجع المشروع القومي.. وتكريس الدولة القطرية
*عاشور شكوي
وفي الوقت ذاته يتأكد ومن يقين راسخ بأن الوحدة العربية.. أو الاتحاد العربي هو ملاذ الأمة الاخير.. انطلاقاً من الواقع الراهن بكل تضاريسه وتحدياته واخطاره.. ولكن أين يقع الخلل الحقيق والباعث وراء تراجع المشروع القومي العربي لمصلحة تكريس الدولة القطرية خلال ست عقود مضت؟!
لماذا تراجع المشروع النهضوي القومي العربي لمصلحة مشاريع الدويلات القطرية؟ وبصيغة أخرى نطرح السؤال.. لماذا انطلق المشروع القطري على حساب المشروع القومي؟!
في الواقع هناك العديد من الاسباب والعوامل تقف وراء تنامي المشروع القطري وانحسار مد المشروع القومي العربي.. ومن بينها اسباب تتعلق بالمجال الذي تحرك فيه هذا المشروع القومي خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي.. على الصعيد العربي والصعيد الدولي على على حد سواء.
فلقد كان هذا المشروع يستهد ف اقامة دولة عربية وحدوية تقدمية.. تحقق أهداف التحرر والتوحد والتقدم للأمة العربية.. وكانت هذه الأبعاد تتناقض كلها وبشكل جذري مع كل الأهداف للمشروع الاستعماري الغربي في العالم عامة.. وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص.
فقد كان هذف اقامة دولة عربية قوية في هذه المنطقة.. يتناقض مع أهم اغراض الاستراتيجية الغربية في ذلك الوقت.. وهو محاصرة الاتحاد السوفياتي «السابق» فاقامة دولة عربية واحدة وموحدة وقوية وغير منحازة لاي من القوتين «السوفياتية» والامريكية.. كان سيضرب في الصميم نظرية «الدفاع الجماعي» التي تقوم بدورها على فكرة اقامة سلسلة من الاحلاف العسكرية.. تترابط فيها دوائر متداخلة من الدول.. مثلاً أن حلف شمال الاطلسي يضم تركيا التي تشارك أيضاً في حلف آخر مع دول الشرق الأوسط.. وباكستان في الحلف الإسلامي.. وهكذا حتى تصل التحالفات إلي اليابان وكوريا الجنوبية وبالتالي يكون الاتحاد السوفياتي «السابق» محاطاً بكامله بسلسلة أمنية تنتهي بامريكا واوروبا الغربية.. وبالتالي كان وجود دولة عربية ناهضة وموحدة على الصورة التي كان يطرحها المشروع القومي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.. يهدد واحداً من أهم اسس الاستراتيجية الغربية طيلة الحرب الباردة.. ولذلك كانت الحرب الضارية التي قوبل بها هذا المشروع من الاستعمار الغربي مفهومة وواضحة الأهداف والدوافع.
تحديات جسيمة
والأخطار التي يشكلها المشروع القومي العربي بالنسبة إلى الاستعمار الغربي لم تكن تقف عند هذا الحد.. فضلاً عما كان يمثله نجاح هذا المشروع من تهديد حقيقي للمصالح الاستعمارية الحيوية في المنطقة والتي تمثل من النفط والسوق الواسعة.. التي قد تغلق إذا مانجحت خطط التنمية الطموحة للمشروع القومي.. فضلاً عن ذلك فإن هذا المشروع بطبيعته كان أكبر وأخطر تهديد للكيان الصهيوني في لقائه واستمراره كجسم غريب في قلب الوطن العربي.. يمثل رأس حربة للغرب في المنطقة.
ومن بين المخاطر التي استشعرها الغرب بقيادة امريكا من المشروع القومي العربي النهضوي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي أنه انطلق من مصر عبدالناصر.. وما تمثله مصر بالذات بكل ثقلها البشري والحضاري بين امتها.. وكان كل ذلك يمثل تحديات كبيرة وجسيمة.. جابهها المشروع القومي منذ بدايته.. وما لبثت هذه التحديات ان تحولت إلى حروب حقيقية.. ساهمت بشكل مؤثر في إضعاف قدرته على تثبيت دعائم وجوده.. أو تمكنه من النمو وهذه اسباب كانت تتعلق بالواقع الذي تحرك فيه المشروع القومي النهضوي العربي..
عوامل ذاتية
وهناك اسباب أخرى .. يمكن وصفها بأنها اسباب ذاتية للاخفاق.. وهي تتركز اساساً في أن المشروع القومي العربي. رغم المساندة الشعبية العارمة التي كانت وراءه.. لم يكن يستند إلى قاعدة قوية من النضج السياسي.. ولم يستند إلى حد من التكامل والتوافق السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الاقطار العربية.. كما أن من أخطر الثغرات في بنية المشروع القومي النهضوي في الخمسينات والستينات كان ضعيف المشاركة السياسية فيه.
ويجب الاعتراف بحقيقة أن المشروع القومي والوحدة العربي.. كانا في أحيان كثيرة يتحركان ضمن اطارات سياسية ذات طبيعة «فوقية».. أكثر منها اطارات مفتوحة على القواعد الشعبية.. ويرتبط بذلك أنه لم تكن هناك قنوات تنظيمية عربية شعبية.. تجعل الجماهير مشاركة وفاعلة في مشروع الوحدة.
وقد عمد الغرب لمحاربة المشروع القومي العربي إلى افتعال الخصومة والصراع في داخل الأمة العربية بين المشروع القومي العربي.. وبين الحركات والمنظمات الاسلامية.. حيث تم توظيف انظمة عربية بعيها من نظم الاستعمار الغربي لخلق هذه الخصومة وتزعمت نظم حكم عربية ذات نفوذ قوي وكبير في المنطقة قيادة التيار الاسلامي ضد حركة القومية العربية وتشكك في اخلاقية الفكر القومي العربي.. مدعية أنه فكر شعوبي يتناقض مع الاسلام.. وهناك قطاع من الذين ينسبون أنفسهم إلى الاسلام انساقوا وراء هذه الادعاءات.. ومارسوا ألد أنواع العداء والخصومات ضد حركة القومية العربية.
بين تيارين
ويضاف إلى ما سبق أن الحركة القومية العربية ظلت على الصعيد الرسمي تحاصر نفسها في إطار النظام العربي الذي كان قائماً من قبل.. ممثلاً في الجامعة العربي.. وهو النظام نفسه الذي كرّس مفهوم الذاتية القطرية منذ نشأة الجامعة العربية كمنظمة أقليمية في العام 1945 مسيحي.. تشكلها دول ذات سيادة كاملة.. ولذلك بدأ المشروع القومي العربي حتى في قمة توهجه.. يتأرجح بين حركة جماهيرية يقودها جمال عبدالناصر.. وبين حركة رسمية تحكمها اتفاقيات بين الدول العربية.
وهذه الاسباب مجتمعة هي التي تضافرت لتوجيه الضربات القاسمة إلى مشاريع الوحدة القومية العربية في الخمسينات والستينات.. وهي وبالاضافة الى اسباب اخرى تفصيلية كانت وراء نكسة الانفصال في العام 1961 مسيحي للوحدة بين مصر وسوريا.
غير أن التراجع الشامل الذي حدث للمشروع النهضوي القومي العربي ابتداء من حقبة السبعينات.. وسيطرة افكار ومشاريع الدويلات القطرية.. كانت بدايته الموضوعية منذ أن ضربت الدولة النموذج.. أو الاقليم القاعدة «مصر» وتصفية دوره.. وبعد رحيل جمال عبدالناصر.
هزيمة المشروع القطري
وبعد ذلك تولى العامل النفطي.. بما اضافه من اسباب القوة الى تقوية المشروع القطري.. لأنه أعطى في الواقع لدويلات وكيانات هشة الدولة.. بل الدولة القوية أيضاً التي بامكانها أن تفرض ارادتها وخطها السياسي على اقطار ودول عريقة بعد ان افضت طفرة الثروة النفطية في الخليج إلى انقلاب هائل في توزيع الثروة والقوة في الوطن العربي.
ولكن هل تمت رغبة حقيقية للعرب في نهوض المشروع القومي من جديد على حساب الدولة القطرية ؟!.
الأمر الواضح أن الاربعة عقود الاخيرة شهدت صعوداً في مشروع الدولة القطرية وتراجعً للمشروع القومي النهضوي.. وقد شهد مشروع الدولة القطرية ظاهرتين متضاربتين.. فبينما هي كانت تتكرس وتستقر.. كانت في الوقت نفسه تشهد نوعاً نت التأكل الداخلي.. والامثلة على ذلك كثيرة.. وهي لاتبدأ بلبنان والصومال وجيبوتي فحسب.. بل مروراً بالنزاعات الانعزالية والعرقية والطائفية في السودان أو العراق أو الجزائر.. فالدولة القطرية في الحقيقة باتت غير قادرة على حماية وحدة التراب الوطني للقطر.. ولكن كيف الطريق إلى أحياء المشروع القومي من جديد؟!
تداعي النظام العربي
القضية الاساسية التي يعاني منها المشروع القومي النهضوي العربي.. تتعلق بطبيعة نظرتنا وتعاطينا مع قضية الوحدة العربية في ظل الواقع الراهن الذي نعيشه.. فنحن العرب ننأي بانفسنا عن اجترار التاريخ أو التغني بامجاد الماضي.. أو حتى الهروب المطلق إلى المستقبل.
فنحن العرب في حقيقة الأمر مطالبون بالمناقشة والتفكير في قضية الوحدة العربية.. في اطار التحديات الحقيقة المطروحة الآن على امتنا.. لاسيما منها المتعلق بتداعي النظام الاقليمي العربي.. الذي يطرح الكثير من الاشكاليات والمهمات التي على رأسها.. ضرورة القيام بمراجعة دقيقة للكثير من المقولات والشعارات التي ترددت في ادبيات الفكر القومي العربي.. وعلى سبيل المثال.. الخصومة بين مفهوم الوحدة العربية.. ومفهوم النظام الاقليمي العربي.. باعتبار أن الآخير ينظم شبكة من التفاعلات والعلاقات بين اقطار معترف بها ومعترف بسيادتها،، أما الوحدة العربية فانها تسعى إلى دمج وصهر هذه الاقاليم والاقطار في وحدة شاملة،، ويثبت بالتجربة ان انهيار وتراجع فكرة الوحدة العربية لم يؤد بالضرورة الى اعادة انتعاش فكرة الوحدة العربي.
أيضاً من الحقائق الكبرى التي لابد من أن يكشف عنها الآن أن حصاد العقود السنة التي مرت وصعد خلالها المشروع القومي ثم هبط وساد المشروع القطري وانتهى إلى أزمة.. اننا تعودنا طرح مفاهيم تبدو متناقضة.. بمعنى أنه كان يبدو في مرحلة من المراحل.. إن المداخل الوظيفية هي نقيض كامل للمداخل السياسية الاندماجية.. ومع فشل المشروعات الاندماجية فان الصيغ البديلة المطروحة للوحدة يجب أن تنطلق من مصالح الجماهير..
ونحن هنا في هذا الموضوع لسنا أمام عملية مفاضلة واختيار بين وسائل وادوات لتحقيق الترابط والوحدة بين العرب.. ولكن علينا انضاج واثراء وعينا بهذه القضية.. وان يضع الفكر القومي في اعتباره اهمية المداخل الوظيفية خاصة في الجانب الاقتصادي.
اجتهادات وحدوية
وعلينا أن نسعى إلى اثراء المشروع برؤى انضج مثل أهمية انعاش النظام الاقليمي العربي على الأقل في هذه المرحلة.. وعدم النظر باستخفاف إلى مشروعات التجديد التي تطرح في هذا الصدد.. وهي كلها في الحقيقة مسائل تحتاج الى اجتهاد.. خاصة فيما يتعلق بالنضال من أجل اضفاء الطابع الديمقراطي على النظام العربي.. وكذلك طابع المشاركة الشعبية وأهمية وجود منظمات غير حكومية عربية عابرة للقطرية.
كما للنظام الجماهيري في الجماهيرية الليبي.. وما يقدمه قائد ثورة الفاتح العقيد معمر القذافي من أفكار واطروحات واجتهادات وحدوية طيلة أكثر من 41 عاماً.. وهذه الأفكار والاجتهادات نحن في حاجة الآن إليها كعرب.. على الرغم من أن بعض العرب الرسميين رجوا على الاستخفاف بها وعدم النظر إليها باهتمام.
أقطار الثروة وأقطار الفقر
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. هل هُزم المشروع القطري؟!
في الحقيقة أن الدولة القطرية تتكرس في الواقع العربي جيلاً بعد جيل وعاماً بعد آخر.. ففي الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان معظم الاقطار العربية حديثة الاستقلال بل أن عدداً كبيراً منها حديث التشكل.. فكان هناك أولاً أحساس بنشوة الانتصار والاستقلال.. كما كانت هناك قابلية للبحث في كل الاشكال للداخل والخارج سواء للعلاقات المجتمعة.. أو العلاقة مع المجتمعات المجاورة أو المجتمع الدولي.. وكانت نظم الحكم لم تستقر بعد.. فحينما كانت نظم حديثة لم تصنع جذوراً عميقة في التربة العربية.. أو الواقع السياسي العربي.. وبالتالي فان ذلك كله سمح بمد شعبي خلف المشروع القومي.. وكانت النظم وقتئذ أقل ضراوة.. وأقل سطوة.. خاصة إذا قارناها بالاضاع الآن.. وكان هناك عنصر شديد الأهمية.. وهو وجود نموذج جمال عبدالناصر.. فكانت الحركة الناصرية وقتئذ تشد الناس جميعاً.. وكانت تمثل دفعة هائلة للفكرة.. وسنداً لكل انصار الفكر القومي..
ولكن الوحدة عند عبدالناصر كانت ذات مفهوم تقدمي.. وبالتالي كان لابد أن تقسم الوطن العربي الى قسمين.. أقطار تحكمها نظم تقدمية.. يمكن أن تكون مستعدة للدخول في الوحدة.. وأقطار أخرى تحكمها نظم رجعية تعادي الوحدة..
وبعد ذلك تغيّر الموقف.. وطرحت مسألة الصف بعد هزيمة 1967 مسيحي.. ولكن هذا الموقف أيضاً لم يكن ليصنع وحدة.. ولكنه كان في مواجهة أزمة.
أما في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.. فان النفط قلب الموازين.. فأصبحت هاتان الحقبتان هما النقيضين لحقبة الستينات.. فعنصر النفط أو الثروة احدث انتقالة نوعية كبيرة لنظم تحكم في اقطار أصبح لها وزن نسبي في النظام العربي.. لايتكافأ مع حجمها المحدود.. كما أن العنصر ذاته «النفط وطفرة الثروة التي احدثها» افضى الى نزوح وانتقال قوة العمل من مناطق وفرتها الى مناطق وفرة الثروة.. ولكن الكيانات النفطية العربية التي كانت بحاجة الى العمالة العربية.. كانت نظرتها إلى هذه العمالة ليس على اساس أنها عنصر حيوي مهم في التكامل الاقتصادي وتكامل الطاقات العربية.. وإنما وفق نظرة وفكرة اليد العليا واليد السفلى وهو ما شكل الإطار العام للعلاقة بين أقطار الثروة وأقطار الفقر في الوطن العربي.
مشروع الاتحاد العربي
وأمام هذا الصعود لمشروع الدولة القطرية.. والتراجع المريب للمشروع القومي العربي.. كانت ثورة الفاتح طيلة مسيرة أربعة عقود الصوت العربي الوحيد المنادي بالوحدة العربية.. وأنهى الدولة القطرية. ودخلت في العديد من التجارب والمشاريع الوحدوية مع بعض الاقطار العربية.. ولكنها لم تكلل بالنجاح.. لسطوة التكريس القطري عند هذه الاقطار على الوحدة.. وقد بلورت ثورة الفاتح كل هذه التجارب والمشاريع الوحدوية.. في مشروع الاتحاد العربي.. وهو مشروع يجمع حوله كل الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.. ويحمل في الوقت نفسه اتحاداً عربياً ينضج وسط التحديات التي تواجه العرب لاقامة مجد عربي شامل ويبدأ من التحرر والعدل واسقاط الاستغلال.. ويتوج بالوحدة الشاملة للأمة.. وهذا المشروع الوحدوي الحيوي جعل كل شيء بجواره يتواضع.. بما في ذلك الجامعة العربية والنظام الذي تمثله.
مشـروع قانون رفع سن التقاعد
لعبة عضّ الأصابع بين ساركوزي والطلاب والنقابات
كذبة خروج القوات الأمريكية من العراق
الوطن العربى الكبير
مابين عوامل الانكسار.... ورد الاعتبار
وجهة نظر
شراكة استراتيجية عربية أفريقية
اليسار في أمريكا الجنوبية يعيد الاعتبار إلى قيم الحرية والعدالة والمساواة
القمة العربية الأفريقية
الفضاء العربي الأفريقي المحقق
مع الأحداث
كذبة خروج القوات الأمريكية من العراق
انطلاقتان جديدتان.. عربية ـ عربية ، عربية ـ أفريقية
فصل المقال
دروس تاريخية في نقد الذات
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الأثنين 25/10/2010
12:54 الظهر 15:58 العصر 18:26 المغرب 19:47 العشاء 05:54 فجر غداً 07:19 الشروقحالة الطقس
22 طرابلس 21 بنغازي 26 سبها 24 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!