الأثنين 18 ذو القعدة 1378 و.ر 25 من شهر التمور 2010 ف العدد 5331
الثقافي
المذهبية .. وآفاق تطبيق الشريعة
د. عمر لطفي العالم
قرأت مقالة نسبها كاتبها للإمام الغزالي ، تنص على أن الشخص عندما يصل إلى سن البلوغ ، يجب عليه وجوباً شرعياً أن يجدد إيمانه ، لأنّ إيمانه الأول كان إيمان تقليد، وهو مكلف بأن يؤمن إيمان نظر واجتهاد.
هي إذن مطالبة صريحة من فيلسوف إسلامي ناجز فلاسفة عصره وبزَّهم ، وما زالت كتبه وآراؤه دولة بين الناس ، يستنيرون بها كلما أشكل عليهم أمر أو استعصى برهان.
لكنّ كلمة «اجتهاد» هي التي استوقفتني أكثر من غيرها . فأنى لنا وقد قفل العلماء بابه ، وكيف لا يكون واجباً على المؤمنين كافة ، والنبي الكريم هو القائل «لاتكونوا إمعة» ، وفي ذلك نهيٌ لكل فرد مكلف عن أن يكون تابعاً لكل ناعق ، وذيلاً لكل رأس؟ فما قصة التشريع في الإسلام ؟ وأين نحن منه الآن؟!.
كان التشريع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على الوحي من الكتاب والسُّنة ، وعلى الرأي من النبي وأهل النظر والإجتهاد من أصحاب ، دون تدقيق في تحديد معنى الرأي وتفصيل وجوهه .. ولا نزاع أو شقاق بينهم.
ولما مضى عهد النبي وجاء بعده عهد الخلفاء الراشدين، اتفق الصحابة في هذا العهد على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم.
وفي هذا العهد أيضاً ، أخذت تبدو الصورة الأولى من صور الإجماع ، وكان أهل الفتوى من الصحابة يومئذ ، قلة لا يتعذر الإتفاق بينهم في حكم من الأحكام.
ولم يكن يفتي من الصحابة إلا حملة القرآن الذين كتبوه وقرأوه وفهموا وجوه دلالته وناسخه ومنسوخه ، وكانوا يسمون «القراء» تمييزاً عن سائر الصحابة بهذا الوصف الغريب في أمة أمية لاتقرأ ولا تكتب ، واحتفظت المدينة المنورة بهذا الحق دون الأمصار الأخرى بالقضاة العشر ، وفي عهد بني أمية استعمل لفظ العلم للدلالة على حفظ القراء ورواية السنن والآثار. وسمي أهل هذا الشأن (بالنظر العقلي) فيما لم يرد فيه نص ولا سنة وسمي أهل هذا الشأن «الفقهاء» ، فإذا جمع امرؤ بين الصنفين «الحفظ والنظر» جمع له اللفظان أو ما يرادفهما ، وقد توصل علماء الإسلام إلى استخراج قواعد عامة من مجموع نصوص الشريعة الإسلامية وأحكامها من مثل قوله صلى الله عليه وسلم «لاضرر ولا ضرار» ، ويتفرع عن ذلك أحكام لاتحصى في الفقه والقضاء ، وأن القواعد شأنها ، أن تؤخذ من موارد متعددة في الشريعة الإسلامية ، ولهذا كانت في نفسها قطعية.
ومن هذه القواعد أيضا قاعدة «الممتنع عادة كالممتنع حقيقة» وقولهم «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» وقولهم «التعيين بالعرف كالتعيين بالنص» وقولهم «لاينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» فالقواعد كما ألمحنا مأخوذة من النصوص ، والنصوص لا تأتي إلا للمصلحة العامة ، والمصلحة العامة تتمشى دائما مع الفطرة الإنسانية وسعادتها.
على ما تقدم من هذه الأسس ، قام الإسلام على نوعين من الأحكام ، أحدهما أحكام ثابتة يجب الإيمان بها ولايسوغ الإختلاف فيها ، وليس من شأنها أن تتغير بتغير الزمان والمكان ، وتلك هي القطيعة في روايتها ودلالتها ، وهي الأساس الذي أوجب الله على المسلمين البناء عليها.
والنوع الثاني أحكام اجتهادية نظرية مرتبطة بالمصالح التي تختلف باختلاف ظروفها وأحوالها ، وإن الإختلاف في هذا النوع أمر طبيعي لأن العقول تتفاوت ، والمصالح تختلف ، والروايات تتعارض ، ولا يعقل أن يخلو مجتمع من الإختلاف في هذه النوع.
وقد ظل باب الإجتهاد مفتوحاً بين المسلمين على مصراعيه ، لايحمل أحدهم بسببه ضغينة لأخيه ، إلى أن لعبت السياسة بعقول الناس فيها ، فكانوا أوّل من سنَّ في الإسلام أخذ المخالف في الرأي بوسائل القهر ، وأتى عصر بني العباس فآذوا الأئمة وناصروا عليهم خصومهم ، وحجروا على حرية الرأي لمخالفة السلطان ، وبلغ ذلك شدته في مسألة «خلق القرآن» المعروفة.
ولما أنشئت المدارس الخاصة بدل المساجد التي كانت تتولاها الرعية بعيداً «عن الحكومة» كما هي الحال في البلدان المتقدمة الآن ، أقفل باب الإجتهاد وقبرت المذاهب الفقهية عدا المذاهب الأربعة ، وكانت هناك مذاهب كثيرة لأهل السنة والجماعة ، كمذاهب البصري والثوري والأوزاعي وابن تيمية وابن جرير الطبري والظاهري وغيرهم.
إننا نعلم علماً لامرية فيه أن اختلاف المذاهب الإسلامية المعروفة ، إنما هو اختلاف في الأحكام الفرعية وليس اختلافاً في أصل العقائد التي تسمى الدين من أساسه.
وقد قدَّمنا أنَّ أئمة المذاهب الإسلامية غير معصومين من الخطأ وأنهم في الفضل سواء ، وكان الإمام مالك بن أنس الأصبحي صاحب الموطأ ، وهو أقدم كتاب فقه في تاريخ الإسلام ، كان يقول : «كل إنسان يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذه الروضة» يعني سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم.
وهاهو الشعراني رحمه الله ينعى على تعدد المذاهب في كتابه «كشف الغمه عن جميع الأمة» إذ يقول : «شكا إليّ جماعات من الفقراء المتعبدين ما يجدون في نفوسهم من كثرة الغم ، حين يسمعون العلماء يقرأون مذاهبهم وينصرون أقوالهم دون مذاهب غيرهم ، وقالوا : لقد التبس علينا شرع ربنا وعسر علينا تمييزه عما شرعه المجتهدون ، وازدرانا لجهلنا غالب الفقهاء الذين لم تتقيد بمذهب قط ، وقد أورث ذلك عندنا الحيرة والشك».
وما أن جاء القرن السابع للهجرة حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة ، ومناصبة من تمذهب بغيرها العداء ، ولم يولَّ ، ولا قبلت شهادة من أحد ، ولا قدم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلداً لأحد المذاهب ، وأفتى فقهاء هذه الأمصار بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها ثم اسرفوا في ذلك فقرروا فيما لديهم من أحكام ، أن لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتصاهرون ، فأفتى بعضهم بعدم الزواج بين أولاد شاغلي المذهب وأولاد حنفي المذهب لاختلاف المذهبين.
ولما خفّت حدة التعصب ، وضعت عقيدة جاءت في كتب بعض المذاهب : «مذهبي صواب يحتمل الخطأ ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب» برغم أن الواقع قد يكون العكس ، والعدل يقضي بأن تكون المذاهب كلها على سواء في البحث والتقدير.
ومن العجيب أن يظل المسلمون قروناً طويلة يقلدون مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل ، مع أن أيا من هؤلاء الأئمة لو بعث من قبره في هذه العصور لغير بعض آرائه ، ولتبينت له وجوه أخرى في الأحكام.
روي عن أبي حنيفة أنه قال : « لاينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي ، وكان يقول إذا أفتى : هذا رأي النعمان بن ثابت ، وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب» ومن أرفع وأروع ما تركه لنا هؤلاء السادة النجب قول الإمام أحمد لأحدهم: لاتقلدني ولاتقلدنَّ مالكاً ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم ، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة.
وقيل لجابر بن زيد الفقيه ومن رجال الصدر الأول : إن الناس يكتبون ما يسمعون منك ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أيكتبون رأياً قد أرجع عنه غداً؟!.
إن من أهم أسباب جمود رجال الدين ووقوفهم بشراذع الإسلام أنهم يعيشون في دنيا خاصة بهم من الكتب والجدل ، وبماذا سيجيب هؤلاء حين يقرأون أن رجلاً جاء الىسعيد بن المسيب ، وهو من أعظم فقهاء المسلمين ومن رجال الصدر الأول للإسلام ، فسأل يعيداً عن مسألة ، فلما أجابه عليها كتب السائل الجواب ، فأخذ سعيد ما كتب الرجل فأحرقه.
إن من الناس في هذا الزمان من يرفض الصلاة خلف إمام على غير مذهبه الفقهي ، وهؤلاء لا يعرفون أن الصحابة على عهد الرسول كان منهم من يقنت في الفجر ومن لا يقنت ، ومن يتوضأ من الحجامة والقيء ومن لا يتوضأ منهما ومن يتوضأ من لمس النساء بشهوة ومن لا يتوضأ ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثلما صلى أبوحنيفة والشافعي وأصحابهما خلف أئمة المدينة من المالكية لقد فعل ذلك لأنه كان واثقاً من صحة الاستدلال فهل فهم ذلك المتعصبون والمتمذهبون والمتشيعون؟!
ما فائدة تعدد المذاهب بعد ما قاسينا منها ما قاسيناه ، بل بأي ذريعة سنتقابل المدعوين لاعتناق الإسلام؟
أي أمل نرجو إذا انتشر الوباء ودبت التجزئة حتى في جسم المذهب الواحد ، وصرنا نسمع عن إسلام يتلون ويتكون بحسب المصالح والإملاءات والاستراتيجيات ؟ حسبي من إسلام اليوم أن أقول:
إن مرض التجزئة جاوز حدود الصراع مع المتقاتلين على «خلق القرآن» والمتنازعين على شرعية يزيد بن معاوية والمنادين للثأر لدم عثمان هاهنا اليوم أزمة أخطر وأكبر . فإذا قرأنا في كتب السّمر إن المتمذهبين بلغوا شأوا عظيماً في امتلاك نواصي الاجتهاد وآلياته بحيث استلقوا الحلول إلى مسائل فقهية من صنع خيالاتهم ، ثم راحوا يتنافسون في إيجاد الحلول لتلك الأحاجي والفرضيات ، فقد استمرت بعض العقليات العلمية المسلمة إصدار فتاوى شخصي للنظر في أفرازات حضارية لم تنشأ في دار الاسلام أصلا ، ولا كان الاسلام يوما سببا فيها ، والملاحظ على بعض المجامع الفقهية واللغوية مثلها ، أنها لما استنقذت الأحكام والفتاوى الجاهزة بنت زمانها ، وجدت نفسها فجأة وجها لوجه مع مستجدات عصرية لاعهد للآباء والأجداد بها ، أسقط في يد هؤلاء ، واحتلت لديهم ميادين الاستنباط ، حتى اصبح المجتمع في واد وهم في واد آخر ، وهكذا فإن مطالبات المنادين بتجميد هذا (العبث الفقهي) إن صح التعبير ، لم تنبع من فراغ ولا كانت كلها على خطأ. لكن المحزن في الأمر ، أن احتجاجات هؤلاء لايبدو أنها ستتوقف عند المطالبة بتحجيم دور الفقيه ، بل قصر وظيفة الدين على الجوانب الأخلاقية.
إن أحداً لم يجرب استفتاء من هذا النوع وإذا كان هناك من لايزال يؤمن بمقدرة الشرع الإسلامي على الوقوف شامخا وسط الأمواج المتلاطمة ، لأن القران إنما أنزل لخير الناس ولا شأن له بمن سقط ، أقول: إذا كان هناك من يؤمن بهذا بعد ، وبديناميكية الدين على «تحديث» نفسه والنهوض من جديد ، فثمة قطاع متشكك ، لا يرى في الدين عصا سحرية لإنقاذ المجتمعات الإسلامية من حالة التردي أما إذا أصر الشريك المؤمن لم ييأس من رحمة الله ، فأنظر إلى الشروط التعجزية التي يطالب بها هؤلاء الإصلاحيون:
أولى هذه الأشياء، خلق المجتمع الفاضل الذي يجب أن يرقى إلى مستوى الملائكة في تفكيره ويضربون من المجتمع المدينة مثلاً عليه ويقولون : لقد تدرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم «يلجأ» إلى تطبيق الأحكام دفعة واحدة ، بل لقد مهد لدولة المدينة بفترة مكية قضت على الشرك والوثنية ، وجعلت من عقول العرب صفحة بيضاء خالية ، لتتقبل ما يلقى عليها من أوامر ونواه بوصفها مشيئة إلالهية لاترد ولاناقش .
أما مجتمع اليوم الذي يصوم ويصلي فليس صفحة بيضاء ولاخالية ، وليس نسخة من المهاجرين والأنصار ، لكن الإدعاء عليه بأنه مجتمع ذو جاهلية ، لا يسلخ عنه الهوية الإسلامية ولا ينفي وجود مؤمنين أطهار صالحين.
أما الشرط المستحيل الثاني، فيحيلنا على عالم القانون الألماني «إيرنغ» صاحب المقولة المشهورة :«إن قوانين الطبيعة سببية ، أما القوانين الاجتماعية فإنها غائية» ومعنى هذا أن لا يد لنا في قانون الطبيعة أما القانون الإجتماعي «الغائي» فقانون مصلحي يقرره المجتمع ، فإذا تعارض مع مصالحه وجب تعديله أو إلغاؤه.ورغم الاعتراف بوبجود «الثابت والمتحرك» أو الأصول والفروع ، والمصالح المرسلة فوق هذا وذاك ، فلا سبيل إلى المقارنة بين الفقه والقانون ، أو القانون الرباني والقانون الوضعي ، لأن الأول ملزم والخروج عليه كفر أما الثاني فأمره متروك لخيارات الناس.
وبينما يومن الفريق الأول إيمانا لا شبهة فيه ، بأن الله علام الغيوب يعلم حاجة البشر ويصطفي لهم ، قانونه هو الأفضل والأمثل ، يرى الفريق الثاني في ذلك جبرية مطلقة ، تقارب العقلية المسيحية في العصر الوسيط وترتب عليها شقاق أبدي بين الدين والعلوم.
ويبقى هذا كله مجرد سبر للآراء ، ربما كان مصيبا في بعضه مخطئآً في بعضه مخطئا في بعضه الآخر لكن الحقيقة التي لا يرقى إليها شك هي أن الناس يأتون ويذهبون ، ويتفقون ويختلوف ، عدا شيئا واخد ظل صامدا ثابتا لم تقتله رياح التغيير وهو الإسلام نفسه لقد سقط الأمويون والعباسيون وبنوا الأحمر في الأندلس بعدهم لكن حضارة الإسلام لم تسقط معهم وستبقى كذلك حتي يرث الله الأرض وما عليها.
تنوير
فكر القائد معمر القذافي يهّز الواقع الإسلامي
ترجمات
عُضوُ الحضارة... والقارة المظلومة
تعريف قديم «وين السماء؟»
(أربعة)
قصص من التاريخ
عودة الأتراك برأس غومه
المراكز الثقافية العربية والتصحر الثقافي
دراسة شاملة لمدينة سـرت الاثرية القديمة
.عرض
" دروب الحياة " رواية الزويك اليتيمة
مذكرات بوبشير
عن ماوقع في الليلة الظلماء
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الأثنين 25/10/2010
12:54 الظهر 15:58 العصر 18:26 المغرب 19:47 العشاء 05:54 فجر غداً 07:19 الشروقحالة الطقس
22 طرابلس 21 بنغازي 26 سبها 24 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!