الأحد 8 ذو الحجة 1378 و.ر 14 من شهر الحرث 2010 ف العدد 5348
الثقافي
مذكرات بوبشير
15 من شهر بين الأعياد عام أربعة بعد الميلاد
... وصياحها في الوادي
* ترجمة : سعيد المزوغي
● رغم شدة البرد واستمرار تساقط الثلوج على رؤوس العباد، الذين ليسوا جميعاً قد طغوا في البلاد - لكنهم شهود على من اكثروا فيها الفساد وقد كثر في البر والبحر - أما البر فنتائج فساده تبدو جلية - في هذه الفوضى التي تعم كل المناطق.. ولم يسلم منها حتى ما يتم استزراعه لمؤونة الشتاء. فقد اكتشف العسس الذين وضعوا على غرائر الحبوب إن الذين استجلبوا البذور - لم يعتنوا جيداً في اختيارها من الأصناف ذات الانتاجية العالية .. فجاء الموسم هزيلاً ضامراً.. كانت غرارة الزريعة تنتج ثمانية حمول تنوء بحملها الجمال.. والعصبة أولى القوة كذلك.
اليوم ما انتجته زريعة العام المنقضي .. لم يزد عن بضع غرائر .. ولم توف حتى ذات حجم المزروع منها.. وهذه خسارة فادحة .. لكن المفسد نفد بريشه متعذراً بحجة ظنها ستنجيه من عذاب أليم.. ففي تقريره الذي رفعه إلى الصدر الأعظم .. » لقد كان الباب العالي في انشغال عن هذه الصغائر لأن حرباً نشبت في جزيرة القرم .. كان عليه أن يتابع وقائعها فيما تولى الصدر الأعظم مهمة تقصي منابع الخلل.. وليس منابع النفط.. ففي تلك السنوات التي أوّثق أحداثها لم تعرف البلاد فيها نفطاً .. ولا حتى زيت «فرينو» الحاصل ».. كانت الدنيا في الإهمال «هردميسه».. فيما تشابكت المصالح.. وكثرت عثرات القوم .. وضج شارعنا الفسيح يشكو تعدد المضايقات التي يمارسها العسس.. والحقيقة أقول لكم.. ليس كل العسس .. ففيهم أناس على قدر عال من النباهة والاعتبار.. والفطنة.. ولكنهم عسس في النهاية..
● برغم شدة البرد الذي يزيد في شدته هذا الريح الغربي.. فتحس وأنت منطلق أن أطرافك تكلست، وحتى أنفك.. إن اعتبرنا الأنف طرف من الأطراف .. يكاد ينفصل عن بقية «الفنزوزة» ولكن برغم كل ذلك سعى هذا الرجل الذي أعرفه من خلال اللقاءات التي تعقد كل عام مرة واحدة.. لتقديم صورة مشرفة تظهر الاهتمام بحالات الناس في هذه الأوقات العاصفة.. فكان يدور بين البيوت يتحسس جدرانها التي تهرت من وقع رخات المطر المتواصلة .. والرياح العاتية.. فكانت حباتها ترتطم بالجدران فتحدث فيها ندوباً كندوب وجهي الذي صار يرتخي ويترهل .. ليعلن عن اجتيازي الستينية الأولى.. هذا إن قدر لنا - وطمعنا - في ستينية أخرى .. أو حتى أقل من ذلك.. هذا الرجل الذي عرفته في ملتقيات عدة حضرناها معاً.. كان يأمل في الأوقات التي تكتسي بشيء من الهدوء والدعة .. أن يتساوى الناس في الحقوق كتساويهم في الواجبات .. لكن منتهى العدالة أمر لا يتفق وما قدمنا له في هذه الورقة من تفشي الفساد في البر والبحر.
لكنه مصمم على النأي بذاته وأهله عن الوقوع في براثن الموبقات .. ما جعله يعاني كثيراً من تشابك المصالح وتقاطع الأحداث وتراكم النوايا.. وتعدد الخطوب والنوائب.. وبعضها ممن ليس من صداقته بد.
وبرغم اطلاعه على عديد الحالات التي يعيشها من هم دونه مسؤولية وانشغالاً وقد رفلوا في الحرير والدمقس.. وتلألأت في أصابعهم المجوهرات.. وانتعلوا أحذية مستوردة من بلاد واق الواق.. ولم أستطع حفظ تسميتها حتى الآن.
إلا أنه آثر حياة الكفاف.. ونزع نحو «الاخشوشان» لان الدعة لاتدوم .. كما حفظ على يد «ألسي» في كتاب الشيخ فضل.. «سلم سيدي سرحنا.. حط عظامه في الجنا».
وابتعد «على بعد شبح العين» عن المباهج والملذات وفضل أن يكون كالناس .. وليس كصفوة الناس.. فكان يقول خبزه وأميه .. وإلا لوح قلية.. ونومه هنية.. خير من أرنب مصليه.
كثيرون قالوا عنه.. إن به مساً .. أزاح عنه حسن التدبر.. وسعة الآفق .. لكنني أراه أكثر تعقلاً من عديد المستهترين الذين يتلذذون بأكل السحت وركوب امواج التزلف.. والإدعاء كل يوم بالانتماء لفريق دون فريق فيغيرون انتماءاتهم كما يغيرون «كرافاتهم» والمصيبة التي ليس بعدها مصائب أنهم معروفون.. لأنهم موسومون بسمات «التزأبق» والتملق والتمسكن والرفينة التي عرفوا بها على مر العصور الغابرة.
ولأننا لسنا من هذا الصنف «الماسط» لم يعرف عنا أننا غيرنا جلدتنا أو مارسنا.. التلقق.. لإننا حين نقتنع نؤمن ونعتنق .. وقد نفقد قوتنا في بلادنا ولاننشده عند غيرها لقاقة أو تملقاً .. فليس فينا من قد يخطر بباله أن الوطن هو البطن .. أولائك الذين يعرفون بسماتهم يؤمنون بهذا القول السفيه.. حين يؤخدون بالنواصي فيتعرون إذ يعرضون على الملأ عراة إلا من جرائمهم البشعة.
● أذكر أن الوطن إحتاج لأهله فتنادى القوم يذودون عنه بصدورهم وزنودهم.. سواعد لم تكل ولا نعتقد أنها ستكل يوماً فيما ذهب الآخرون نحو المهاجع الآمنة في بلاد حسبوا أنها ستحميهم لكنها فضحتهم برغم الظن الذي ساد لفترة بأنها سوف تهبهم خفافيش يتعلقون بها ليعودوا فيتسيدوا الوطن لكن الوطن ينبذ الشراذم المذمومة وإذ يطلع النهار مشرقاً تتساقط خفاقيش الليل .. فلا تقدر على تلمس مواقع انحدارها.
واتكأ رجل تجاوز عمره الخمسون ربيعاً على (حوية) كانت بجانب الجبال الرجال أسندها صاحبها وقد أرخى لجمله حبلاً يرعى ويمد رقبته قليلاً .. يتنسم هواء وطنه ... حتى الجمل يعشق الوطن.
هذا الخمسيني الحكيم .. اشار إلى طرف الوادي القصي.
- إنهم يمارسون طقوس الخراب.. وسيندسون بين الجبال الشامخات ليدعوا أنهم كانوا معنا..
وتنادى الناس كيف العمل .. هم قملّ ! هذا الزمن قال الخمسيني ذاته ... ليبدأ الفرز الأن.. الذين منا نعرفهم والذين تناسوا حق الوطن عليهم.. نفضحهم ننشر تبدلاتهم العطنة .. فتشرق شمس الغد.. فإذا هم مبلسون.. وسيهيمون على وجوههم فبئس ما كانوا يدبرون.
وسكت القوم.. سكن الريح.. اختفى الضباب .. تساقطت الخفافيش انحدرت نحو مواقد الهشيم التي تلظت فيها.. ولم نسمع إلا قول:
- حلالك ملالك سكنيك في نارك
* ملاحظة من المترجم:
لم أرغب في ترجمة قسم الكاتب بوبشير الذي ذيل به هذه الورقة حيث قال:
وعلى الطلاق من نسواني جميعاً أنني رأيت الخفافيش تتساقط كما يتساقط «العفط» من رأس النخلة والعفط التمر الفاسد من الغلة ومنه كذلك «الخمخام».. هذا لمجرد التوضيح.
- قريبا سنتكلم عن الفساد في البحر حين نتحصل على الوثائق اللازمة.
مذكرات بوبشير
29 من تويبع الميلود عام الهجة « قبل الميلاد بسنتين »
وأنتم الأعلون
تكريم شيخ الأدباء علي مصطفى المصراتي
وقدات
الجاحظ وأثره في الأدب العربي
جوي دي موباسان Guy de Maupassant
تألقت الأمسية... تألقت الشاعرات
الدبلوماسية العربية في القرون الوسطى
الفن المفاهيمي والفن الغرضي(الموضوعي)
إحباط مشروع الشرق الاوسط الجديد
قراءة في كتاب
إحباط مشروع الشرق الاوسط الجديد
قراءة في كتاب
مذكرات بوبشير
12 من شهر رمضان المبارك لعام وشهر واحد بعد الميلاد
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الثلاثاء 16/11/2010
12:55 الظهر 15:44 العصر 18:09 المغرب 19:32 العشاء 06:11 فجر غداً 07:39 الشروقحالة الطقس
16 طرابلس 19 بنغازي 19 سبها 20 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!