يمثل برج جدة المحور الرئيس لمشروع "مدينة جدة الاقتصادية" التي تقارب تكلفتها الإجمالية 20 مليار دولار، فيما تبلغ التكلفة التقديرية لإنشاء البرج منفرداً ما بين 1.2 و2.7 مليار دولار، وعلاوة على ذلك، يتطلب تنفيذه حلولاً هندسية متقدمة للتعامل مع تحديات الموقع والمناخ، وذلك بحسب تقرير نشره موقع Arabian Business.
طبيعة التربة وتصميم الأساسات
تحديات الإنجاز مع بلوغ الهيكل الطابق المئة
شهدت الأعمال الإنشائية تقدماً ملحوظاً بتجاوز الهيكل الأساسي الطابق المئة، ليصل الارتفاع الحالي إلى نحو 394 متراً اعتباراً من منتصف عام ، ويأتي ذلك بعد استئناف العمل بكامل طاقته إثر توقيع عقد جديد بقيمة 7.2 مليار ريال سعودي مع مجموعة بن لادن، بهدف دفع عجلة المشروع نحو بلوغ 167 طابقاً مأهولاً. Arabianbusiness
إلى ذلك، أوضح مهندسو المشروع أن التحدي الأبرز يكمن في اختراق "طبقة الحدود الجوية" التي تتراوح بين كيلومتر وثلاثة كيلومترات وتتسم باضطرابات هوائية عنيفة، مما يضع المبنى في فئة إنشائية نادرة، ورغم هذا التحدي، تسير وتيرة العمل بمعدل بناء طابق واحد كل خمسة أيام، وسط توقعات بتخطي الرقم القياسي العالمي للارتفاع بحلول عام 2028. Wego
في سياق ذي صلة، يبرز التحدي الهندسي الأول في طبيعة الأرض التي يُشيد عليها البرج بالقرب من البحر الأحمر، إذ تتكون جيولوجية الموقع من الحجر الجيري المرجاني والترسبات الطينية، بدلاً من الصخور الصلبة المعتادة في بناء ناطحات السحاب.
وبناءً على ذلك، يتطلب هذا الواقع الجيولوجي حلولاً لدعم ملايين الأطنان من الخرسانة والحديد، فضلاً عن تفادي الهبوط غير المتساوي بمرور الوقت، ولتحقيق هذه الغاية، صمم المهندسون أساسات تعتمد على 270 ركيزة من الخرسانة المسلحة، تصل أعماقها إلى 105 أمتار، وتغطيها قاعدة خرسانية (لبشة) تبلغ سماكتها خمسة أمتار.
كما لا يقتصر دور هذه الأساسات على منع غرق المبنى، بل يمتد لضمان استقراره بشكل منتظم، حيث تؤدي الفروقات الطفيفة في الهبوط، حتى لو بلغت بضعة مليمترات، إلى ضغوط كبيرة على هيكل يُتوقع أن يتجاوز ارتفاعه 1000 متر، ومن ثم دفع ذلك المهندسين لتصميم الأساسات بما يتوافق مع حركة الأرض التدريجية لعقود قادمة.
تأثير المناخ على العمليات الإنشائية
يشكل المناخ تحدياً إضافياً، إذ تتجاوز درجات الحرارة في مدينة جدة خلال فصل الصيف حاجز 40 درجة مئوية، وتؤثر هذه الحرارة العالية على العمليات الإنشائية، لا سيما الخرسانة التي تتصلب بمعدل أسرع، مما يقلص الوقت المتاح لنقلها وضخها وصبها بشكل صحيح.
وفي هذا الصدد، ولتجاوز هذه العقبة أثناء بناء الهيكل العمودي لمئات الأمتار، طُورت خلطات خرسانية متخصصة تحافظ على قوامها وأدائها الهيكلي، بالإضافة إلى ما سبق، تُنفذ العديد من عمليات الصب خلال فترات الليل أو في الساعات الأقل حرارة لتخفيف تأثير درجات الحرارة القصوى.
كذلك، يمتد تأثير الحرارة إلى ما بعد اكتمال البناء؛ نتيجة تمدد وانكماش الحديد والخرسانة مع تغيرات درجات الحرارة، واستناداً إلى ذلك، يتطلب هذا التغير الحراري في مبنى بارتفاع كيلومتر واحد حسابات دقيقة تشمل الواجهات الخارجية، والألواح الزجاجية، ومسارات المصاعد، والأنظمة الميكانيكية وأعمال السباكة، بهدف ضمان كفاءة أنظمة المبنى طوال عمره الافتراضي.
الديناميكا الهوائية وتشتيت الرياح
تتجاوز تحديات الرياح تأثير الجاذبية في الارتفاعات الشاهقة، فمع اقتراب المبنى من ارتفاع كيلومتر واحد، تتسبب الرياح المستمرة والتأثيرات الديناميكية الهوائية في إحداث حركة هيكلية، الأمر الذي يتطلب معالجات هندسية متقدمة لتقليلها بدلاً من الاعتماد على الكتلة المطلقة لمقاومتها.
ولمواجهة ذلك، يأخذ برج جدة تصميماً مدبباً ثلاثي الجوانب يتغير تدريجياً مع الارتفاع، بهدف تشتيت دوامات الرياح التي تؤدي عادة إلى تمايل المباني، ورغم أن هذا المبدأ الهندسي، المعروف بـ "تشتيت الرياح"، استُخدم سابقاً في برج خليفة، غير أن المهندسين طوروا المفهوم ليتناسب مع الارتفاع الإضافي لبرج جدة.
وفي مرحلة التخطيط، أجريت آلاف الساعات من اختبارات نفق الرياح قبل بدء البناء لدراسة تدفق الهواء حول الهيكل من كافة الاتجاهات، وعلى إثر ذلك، أسفرت هذه الاختبارات عن تصميم هيكل مرن يسمح بحركة مسيطر عليها لتبديد طاقة الرياح بأمان، دون التأثير على السلامة الإنشائية أو راحة المستخدمين.
أبعاد جديدة في هندسة ناطحات السحاب
يفرض الارتفاع الإضافي لبرج جدة، والذي يُتوقع أن يزيد بنحو 20 في المئة عن برج خليفة في دبي، تحديات هندسية أكثر تعقيداً بشكل يتجاوز نسبة الارتفاع، إذ يزيد كل متر إضافي من الضغط على الأساسات، ويضاعف أحمال الرياح، فضلاً عن تعقيد عمليات ضخ الخرسانة والحركة الحرارية.
وبالتالي، يُمثل المشروع أحد أكثر مشاريع الهندسة الإنشائية طموحاً، حيث يختبر حدود تقنيات البناء الحديثة في بيئة مناخية قاسية، متجاوزاً بذلك فكرة تحقيق رقم قياسي جديد في الارتفاع فحسب.
وفيما يخص المرحلة المقبلة، ومع اكتمال العمليات الإنشائية وفق المخطط، سيقدم برج جدة نموذجاً للحلول الهندسية المبتكرة التي عالجت مشكلات لم تكن في الحسبان قبل قرار بناء أول ناطحة سحاب في العالم يبلغ ارتفاعها كيلومتراً واحداً.
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!