المرصد
الدولة والثورة
( 4 )
موسى الأشخم
تناولنا في الحلقات الماضية تعريف كل من الدولة والثورة وطبيعة العلاقة بينهما وميزنا بين التيارات الفكرية التي تعاطت مع الدولة وتوصلنا الى القول بخطأ موقف التيارين المناوئين للدولة وهما التيار الشيوعى والتيار الفوضوى كما لا يفوتنا الاشارة الى خطأ موقف المتحمسين للدولة بغض النظر عن هيكليتها فالدولة المقامة على الاحتكار للسلطة والثروة وغيرها من المقومات والامكانات الاساسية هى دولة للقهر والتسلط والعسف وليست كما يرى المتحمسون لها أداة للعدل والانصاف ولنقل الناس من طور الهمجية الى التحضر بل هى اداة لنقل الناس من طور القواعد الطبيعية العادلة التي كانت سائدة قبل الاحتكار الى طور التسلط والظلم والقهر المترتب على الاحتكار غير ان العيب ليس في الدولة كإقليم وشعب وأداة حكم وانما العيب في الاحتكار الذي قامت عليه الدولة التقليدية والذي يرفض الدولة ويدعو الى تدميرها هو في تقديرى كمن يدعو الى قتل المريض بدلاً من التخلص من المرض وتعرضنا لموقف القذافي المتميز من الحكومة والتى رأى بأن الشعب ينبغى ان يحل محلها فكان موقف القذافي متميزاً بكونه يدعو الى التخلص من المرض وليس من المريض بينما رأت التيارات الاخرى المناوئة للدولة التخلص من المريض نفسه مع اختلاف الطريقة والتوقيت فرأى الفوضيون التخلص الفوري من المريض اي الدولة ورأى الشيوعيون التخلص من الدولة عقب مرحلة انتقالية تستخدم فيها الدولة لتحقيق الاشتراكية وممارسة دكتاتورية الطبقة العاملة على غيرها من الطبقات الاحتكارية وفي مقدمتها الطبقة البرجوازية بينما رأى القذافي بأن المشكلة تنحل بالتخلص من الاحتكار للسلطة والثروة وغيرها من الامكانات فحسب دون الحاجة الى انهاء الدولة .
نخلص من ذلك الى القول بأن الثورة لعملية تغيير سريعة لايمكن لها ان تحل محل الدولة كما انه لايمكن تثوير الدولة فالدولة غير الثورة ولايمكن لها ان تقوم بوظائف التدمير للعلاقات الظالمة واحلال العلاقات السليمة محلها بل هي تقوم علي علاقات ثابتة وليست متغيرة فالدولة الجماهيرية تقوم بعد ان تحقق الثورة اغراضها فتقوم على علاقات عادلة وسليمة ارستها الثوة بينما تقوم الدولة التقليدية على احتكار السلطة والثروة او لنقل بأنها تقوم على علاقات ظالمة واحتكارية وغير سليمة لذا فإنه لايمكن تثوير الدولة ولا تدويل الثورة فالثورة والدولة فئتان غير متقاطعتين وفقاً لتعبير الرياضيين حيث ان الثورة اشبه ما تكون بعملية ارجاع القطار لقضبانه او حتى بناء قضبان جدد له لتغيير اتجاه القطار او حتى عملية استبدال للقطار بالطائرة او أية وسيلة مواصلات ارقى اخرى غير انه ليس إلغاء لعملية النقل ذاتها !?
ان ما يحدث في الجماهيرية ليس إلغاء للتنظيم بل هو تنظيم أرقى يضع الشعب في اعلى الهرم الاجتماعى او لنقل بأنه يضعه وغيره من القنوات المنظمة لسلطة الشعب في خط افقى او دائرى ذي مستوى واحد لكنه لا يلغي الدولة والتنظيم الاجتماعى رغم انه قد يصل الى ذلك في عصر الفوضي والغوغائىة الذي نبه إليه الكتاب الاخضر و الذي يختفي فيه اى نوع من التنظيم والتنسيق بين الافراد المكونين للمجتمع والتى يسرع من العودة الى الديكتاتورية فحين يختفى اي شكل من اشكال السلطة بما في ذلك سلطة الشعب في الظاهر تنشأ سلطة خفية تكون أشد سطوة على الناس من السلطات الدكتاتورية الظاهرة والبينة والمعروفة من الجميع والمحددة السلطات دستورياً وان أقر دستورها الدكتاتورية صراحة ودون مواربة . إن الخطاء الذي وقع فيه الرافضون للدولة كان بسبب اعتقادهم الخاطىء بأن الدولة مستحيلة بدون الحكومة غير ان ما قدمه القذافي من أطروحات جماهيرية غير مسبوقة أكد بأنه ثمة امكانية لاختفاء الحكومة دون الحاجة الى اختفاء الدولة ودون اختفاء المؤسسات والقوانين وما الى ذلك من طواحين الهواء التى قاتلها المناوئون للدولة .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!