رؤية في الثقافة والأدب
( 39 )
أفكار ضد الموت
ما الإرادة ؟
ح: الجدل التفوق
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
[email protected]
أشرت في رؤى سابقة إلى ان الفكر الألماني هو فكر تفوقي
(ترانسندنتالى)وهذه خاصية لا تكاد تجد لها شذوذا , والمنهج
التفوقي , كما أشرت في أكثر من مناسبة , وغير المنهج
الاستعلائي , إذ التفوقي لا يقوم على إلغاء ما سبق , بل يؤسس
عليه , أو قل يتفوق عليه , فالتفوقية كمنهج تفكير ألماني تعد
أمرا بديهيا كمشروع أسس على ما سبقه , ولكنه لم يتوقف عند هذا
التأسيس بل يتجاوز دون ان يفقد علاقته بما تحته , فالمشروع
الجرماني (الألماني )وان كان لا يستند بحكم حداثته , قياسا
بالمشاريع الحضارية ,أو التاريخية القديمة , إلى هذا البعد
التاريخي , فإنه يحاول من خلال التفوقية ان يجعل من نفسه
امتدادا لهذا المتقدم عليه وبعبارة أخرى فإنه يضحى مشروعا
تاريخيا بهذا الامتداد , فإذا ما أردنا أن نقارن بينه وبين بعض
المشاريع التاريخية التي استنفذت قوتها كالمشروع الإيطالي مثلا
, فإن الأخير سيكون مشروعا تراجعيا في التاريخ , أى انه يؤسس
فقط على الشرعية التاريخية , إذ انه تحول من مشروع تاريخي إلى
مشروع تأريخي (بالهمز), بل ان وصفه بالمشروع يعد وصفا مجازيا ,
إذ إنه بحكم هذه التراجعية فقد خاصية ان يكون مشروعا أصلا ,
ومن هنا يمكن القول أن أغلب المشاريع التاريخية ستتخذ ذات
الموقف , أى أنها ستكون (مشاريع)تراجعية , فهى تتخذ , والحال
كذلك , موفقا ماضويا من التاريخ , وتكون الفلسفة التي ستؤسس
عليها مشروع الإعادة , تقوم على اعتبار ان ما تم
تحققه(التأريخي)هو الاكمل والاجمل والابهى : انه العصر الذهبي
, أو يوتوبيا الكمال في الماضي , ويكون وصف هذا الموقف
"بالسلفي "أو "السلفية"ليس سوى البحث عن مبرر لاعطاء شرعية
للموت الحكمى في الزمن , من خلال التقدير الذي يحظ به السلف .
الفلسفة الترانسنيدالتية التفوقية تخالف تماما الفلسفة
الاستعلائية القائمة على ما يعرف بالتعالي (superiority)كما
هي في المشروع الانجلوسكوني الذي تحدثت عنه في اكثر من مناسبة
والذي يقوم على إلغاء التاريخ , فهو لا يتخذ شرعيته من التاريخ
, تراجعا , أو تفوقا , بل بانفصال عن التاريخ أى بإقامة قطعية
كاملة مع التاريخ المتقدم , لان ذلك لا يعني أصحاب المشروع
الاستعلائي , ويمكن ان نضع نظريات فرانسيس بيكون , ولوك , بل
وأطروحة فوكوساياما نهاية التاريخ والانسان الاخير , في هذا
الاطار , فبيكون يريد ان يقنعنا ان الماضي ليس سوى أصنام
وأوهام لابد من التحرر منها ,(ولوك)يؤكد على ان الانسان صفحة
بيضاء , بمعنى ان يلغى فكرة المعرفة القبلية , ومن ثم التاريخ
القبلي برمته , كما ان القبول بفكرة التقدم في التاريخ ستكون
هي الاخرى خطرة على هذه الفلسفة إذا لابد ان تكون هناك دعوة
لانهاء التاريخ (فوكوياما) على هذه الفلسفة , وان يكون إلغاء
التاريخ قائما على النفى لما سوى أصحاب هذا التاريخ (صدام
المدنيات , واعادة تشكيل العالم )أطروحة (هنتغتون)والتي قدمت
لنا تحت ما سمى (صدام الحضارات )مع الفارق الكبير , على الاقل
في الدلالة العربية , بين المدنية والحضارة , وما تأكيدنا ان
صدام المدنيات له ما يؤكده في التاريخ : بين المدنية الايرانية
والاغريقية , المدنية الرومانية والقرطاجانية , المدنية
العربية والفارسية , وهكذا , اما الحضارات فإن التاريخ لم
يقدم لنا شاهدا واحدا على مثل هذا الصدام , ان صدام المدنيات
هو الصورة المكبرة لصدام الافراد في المدن , وهذا على أمر
تفرضه الحياة في المدن , اما الحضارات بمعنى الحضور والوعي
فإنه لا يقر بنمط حياة المدن , حيث الرقيمية والتشؤ , بل يمكن
القول : ان اغلب المشاريع الحضارية قد صدمتها مدنيات , وان
المدنيات هى المستنقع الذي تختنق فيه الحضارات .. ما يهمنا من
هذه المقدمة , ان الفيلسوف الالمانى هيجل ( 1770 : 1831 ) لم
يكن بدعاً من المفكرين والفلاسفة الالمان , سواء الذين عاصروه
او تأخروا عنه , من امثال فشته ( 1762 - 1814 ) , هردر ( 1744
- 1803 ) وشوبنهارو ( 1788 -1860 ) , ونيتشته ( 1844 - 1900)
وماكس شلر ( 1874 -1928 ) وغيرهم , بل يمكن اعتبار ( هيجل )
واسطة العقد بين كل المفكرين الالمان الذين تبنوا ( التفوقية )
, فهو الذي قدم اطروحة فلسفية واضحة المعالم لتبرير التفوق
الالمانى , بما يجعل الالمان هم روح التاريخ.
ان فلسفة هيجل تقوم كما اشرت على تأكيد فكرة الارادة , كما
صورها ( شوبنهاور ) باعتبارها ارادة حياة , ونيتشه باعتبارها
ارادة قوة , وكلاهما متأثر الى حد كبير بأفكار هيجل , حتى
ماركس قدم ديالكتيك الهبوط والانحدار , بدل التفوق والصعود ,
اي العودة الى المادة بدل التفوق والصعود الى الروح , فانه
أي ماركس كان متأثراً بهيجل على قول من يقول بالتأثير العكسى ,
ولاتفوتنا الاشارة هنا الى ماركس كان بالضرورة ان يقدم
ديالكتيكا , او مايعرف في استخدامنا العربى ( جدلا ) هابطا
لاعتبارات ذاتية وموضوعية تخص ماركس , سواء لكونه ابن الثقافة
اليهودية ( التراجعية ) او لانه يدعو الى فلسفة تمكن ( اليهود
) باعتبارهم , كما يعتقد , مضطهدين وفى وضعى دولى , فهو يقدم
فلسفة للهبوط والتراجع , , حتى في التاريخ فتاريخ اليهود , كما
قدم في الميراث الفكرى والفلسفى الاوروبى خاصة فى فترة مايسمى
بالعصور الوسطى , كان المرجعية التي اسس عن الفكر الاوروبى ,
خاصة الكنيسى في تلك الفترة وحتى الآن .
ان هيجل يقدم التاريخ الاوروبى الوسيط باعتبار (
THESIS)
اي قضية , ثم التاريخ الاوروبى في عصر باعتباره ضد هذه القضية
(
anti Thesis)
ثم يكون المشروع الالمانى التفوق (
synthesis)
اي الذي يجمع الضدين , ولانه شأنه شأن , فوكوياما , يخشى
التقدم في التاريخ , أى تحول ال¯ (synthesis)بدورها
إلى(thesis)توجد
ضدها (anti
Thesis)ثم
جماع القضية وضدها (synthesis)وهكذا
, فقد اعتبر المرحلة الألمانية المتفوقة (روح التاريخ )إذ لا
شيء يتفوق على الروح , هنا يضمن للفلسفة التفوقية الألمانية ان
تكون النهائية , حتى ان البعض اعبر أطروحة هيجل بمثابة (نهاية
الفلسفة ).وإذا كان المشروع الألماني الفلسفي قد مكن ولا يزال الألمان من
ان يتجاوزوا الإحباط والفشل والتراجع فخلق عندهم ارادة الحياة
(شوبنهاور)والقوة (نيتشه)والتفوق (هيجل)الحياة , والتفوق ,
وإذا كان التاريخ العربي يشبه الألماني أو ان الأخير يشبه
العربي في بعض المناحي , فإن البحث عن فلسفة للتاريخ العربي
,أو لمنهج التفكير العربي تظل ضرورة , مع تأكيدنا على ان هذه
الفلسفة لا تؤسس على النقل والتقليد , بل تؤسس على خصائص الفكر
العربي , وهذا ما سأحول ان أقاربه في رؤى قادمة .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!