العقلاني والغيبي

العقلاني والغيبي الضرورة ..والصدفة .. د/ رجب بو دبوس الضرورة هي لزوم ماينتج عن مقدمات تقود اليه اي ان الناتج متضمن في المقدمات ولايمكن تفاديه او اننا عندما نسلم بالمقدمات فان نتائجها تفرض نفسها علينا . عندما نضع كأس ماء على نار فان الماء يغلي ضرورة .


العقلاني والغيبي

الضرورة ..والصدفة ..

د/ رجب بو دبوس

الضرورة هي لزوم ماينتج عن مقدمات تقود اليه اي ان الناتج متضمن في المقدمات ولايمكن تفاديه او اننا عندما نسلم بالمقدمات فان نتائجها تفرض نفسها علينا . عندما نضع كأس ماء على نار فان الماء يغلي ضرورة .. ثمة علاقة ضرورية بين الغليان والنار وليس من المتوقع ان الماء يتحول فوق النار الى ثلج ... هكذا ثمة شروط او مقدمات حالما تتوفر تترتب عن نتائج ضرورة .مثلا اذا سلمنا بان كل انسان فان وبأن من الناس من هو انسان فمن الضروري ان ينطبق عليه ماينطبق على كل انسان . الضرورة اذن تعني انه حالما توجد اسباب او عوامل فانها تنتج ما يترتب عنها ضرورة . التفسير العقلاني يتجه دائما الى الاسباب او المقدمات بالنسبة له كل اثار كل فعل كل نتائج لها اسباب او مقدمات ادت اليها يجب البحث عنها, لفهم الاثار او الفعل او النتائج ولايقف العقلاني عن هذا المطلب مهما بدت الاسباب والمقدمات عصية على الادراك هذا العصيان يراه مؤقتا مهما طال زمنه ولهذا لايعطي الصدفة اهمية كبيرة التفسير الغبي على العكس يعطي الصدفة مجالا اوسع ويعتقد ان ما لايفسر اوسع مجالا ممايفسر مجال الصدفة هكذا اوسع من مجال الضرورة . دعونا نفحص هذا المجال لنرى ان كان فعلا غير قابل هو نفسه للتفسير العقلاني . عندما نعجز عن تفسير حدث ما نلجأ الى الصدفة على اعتبار ان ماحدث كان صدفة اي بدون اسباب مرورنا بهذا المكان او وقوع هذا الحدث او الشيء او هذا الاصطدام كان صدفة . وعندما نريد الاعتذار عما بدر منا تجاه الآخرين فاننا نصفه بالصدفة وهذا يعني انه بدون قصد وبدون اختيار وبدون قاعدة وعندما نريد التخلص من موقف محرج فاننا نبرره بالصدفة . الصدفة كذا تشير عموما الى مالايمكن تفسيره لاباسباب موضوعية ولا باسباب ذاتية . عندما نعجز عن وقوع تفسير حجر وقوع على شخص يمر من تحت بناء ولانعتر على اسباب موضوعية نرجع ذلك الى محض الصدفة . وعندما لانجد لدينا سبب ذاتي لفعل ما ونشعر انه صدر دون ارادة منا او اختيار فاننا نلجأ ايضا الى الصدفة .

الصدفة هكذا هي حدوث امر ليس ناتجا عن مقدمات تقود اليه ضرورة اي ليس متضمنا في مقدمات او على الاقل هي تفسير كل مالانستطيع ادراك اسبابه الموضوعية او الذاتية الصدفة على هذا النحو تفسير كل مالايفسر . مع ذلك علينا التمييز بين مالانستطيع ادراك اسبابه وبين مالا نريد ادراك اسبابه ان الصدفة تغطي احيانا ليس فقط مالا نستطيع ادراك اسبابه , وانما ايضا مالا نريد ادراك اسبابه ان الفرق كبير بين عدم القدرة على ادراك الاسباب وبين عدم ارادة ادراك الاسباب , الصدفة تخفي احيانا عدم ارادة ادراك الاسباب ... اضافة الى هذا يمكن تفسير الصدفة عقلانيا فهي ليست على هذا القدر من الابهام , وما لايمكن تفسيره ليس مغلقا للابد امام التفسير مجال الصدفة ليس اذن بهذا الاتساع . ثمة تفسيران , تفسير موضوعي , وتفسير سيكولوجي اذا اخذنا مثلا مرور شخص تحت بناء لحظة سقوط حجر , واذا فحصنا الاسباب التي دفعت هذا الشخص للمرور في هذا المكان وفي هذا الوقت فاننا نجد سلسلة من الاسباب الموضوعية والتي ليس فيها مجال للصدفة مثلا انه ذاهب الى عمله او قضاء شأن من شؤونه وانه عليه عبور هذا الشارع ضرورة لانه الاسرع للوصول إلى عمله او انه اعتاد عليه , ولكي يصل الى هدفه فان الزمن هو المناسب لذلك وحتى ان حدث مروره في زمن متأخر او متقدم عما اعتاد عليه فان من الممكن معرفة اسباب هذا موضوعيا . هنا لاشيء ترك للصدفة . الشخص حدد مساره والزمن الذي يستغرقه , وهذا ما قاده للمرور تحت البناء في زمن معين .اما الحجر ووقوعه فقد يكون

- اما راجعا للعامل الذي يعمل , وهذا ايضا يمكن تحليل مساره ومسار عمله او الاخطاء التي ارتكبها والتي ادت الى وقوع الحجر لحظة مرور ذلك الشخص .

- واما ان عوامل التأكل الطبيعية كانت تفعل فعلها منذ زمن وكانت لحظة مرور الشخص هي لحظة اكتمال فعل عوامل التأكل والذي ادى الى سقوط الحجر .

هذه المسارات تنكشف في ذاتها عن ضرورات . لكن تبقى مسألة التقاء خطوط المسارات سواء خط مسار الشخص الاول البعيد عن الصدفة وخط مسار عامل البناء او فعل عوامل التآكل واعني بذلك ان سلسلة الاسباب قادت الاول الى المرور في نفس اللحظة التي فيها سلسلة مسار العامل او عوامل الطبيعية الى وقوع الحجر .

معنى ان الصدفة تنحصر في لحظة لقاء سلسلتي اسباب لا صلة لهما ببعض لكنها هكذا لاتبرئ من اثارها لهذا لايعترف القانون بحجة الصدفة ولايجرم الصدفة انه على العكس يبحث في السلسلتين او اكثر لمعرفة السلسلة الاكثر مسؤولية على وقوع ما يوصف صدفة .

هكذا يمكن ان نجد السبب اما في عدم صيانة المبنى وترك عوامل التآكل حرة او في خطأ او اهمال ارتكبه عامل البناء وهذا ايضا يمكن الكشف عن اسبابه او عدم تقيد المقاول باجراءات الامان في عملية البناء .

يبقى التفسير السيكولوجي .

تصدر من افعال او اقوال تسىء الى الاخرين او تضر بهم مع انه يبدو عدم وجود اسباب تدفعنا لهذا وللاعتذار عما بدر منا فاننا نحتج بالصدفة وبان ذلك لم يحدث قصدا ولم يكن خيارا هذا يبدو لاول وهلة صحيحا ومطابقا للواقع فالذين اسأنا اليهم بكلامنا او اضرت بهم افعالنا لنا معهم علاقة طيبة وليس من سبب ظاهر يدعونا للاساءة اليهم او الاضرار بهم , وهذه بالطبع حجتنا في تبرئة انفسنا والتي تحول الاساءة اليهم او الاضرار بهم الى اساءة لانفسنا واضرار بانفسنا الا تفسد علاقتنا الطبية وتضر مصالحنا ?

مع ذلك توجد اسباب وهي لاتوجد ظاهرة لاتوجد في الوعي وعندما يقال لنا هذا نحتج ونعترض ونثور وربما نقسم باغلظ الايمان الاسباب توجد في اللاوعي والتي تكون مكبوته حتى عن وعي الشخص نفسه ممنوعة من التعبير عن نفسها عندما نحلل هذا اللاوعي فاننا غالبا ما نكشف عن الاسباب هكذا نجد ثمة كراهية او احتقار او ضغينة او تعارض مصالح او خوف مكبوت رغم الود والعلاقة الطبية الواعية .

الصدفة تحدث هنا لاسباب مختلفة لاداعي لتوصيلها تضعف رقابة الوعي فيجد المكبوت فرصته للتعبير في كلمة في سياق جملة او فعل في اطار سلسلة افعال وتبدو هكذا الكلمة غريبة شاذة في سياق الحوار , وكذلك الفعل لقد حدث مزج بين الوعي واللاوعي في سلوكنا او في اقوالنا .

هذا يبدو غريبا , لم نقصده ليس اختيارنا هذا صحيح لان الارادة والقصد والاختيار تعني السيطرة على اللاوعي والتعبير قولا او فعلا عما نريد فقط .

الصدفة تحدث لحظة توتر وصراع بين توجهين احدهما مكبوت يطلب التعبير ويضغط على الوعي والثاني على العكس يحرص على منع المكبوت من العبور دون احراج الوعي الصدفة اعتذار الوعي عن اللاوعي .

الصدفة هكذا تظهر على انها ليست دائما غير قابلة للتفسير بل يمكن تفسيرها , مجالها في الغالب هو مجال اللاوعي فاذا لم يكن من الممكن تفسيرها باسباب موضوعية فانه يمكن تفسيرها باسباب سيكولوجية .

بينما مجال الضرورة الوعى والعقل .

صحيح الصدفة لاتعبر عن ارادة , ولا قصد او اختيار , لان مجالها خارج اطار الوعى , اى القصد والارادة والاختيار , نحن لم نرد الاساءة او الضرر بالاخرين وليس قصدنا , لكن لايعنى هذا عدم تفسير ما بدر منا , ولأنه حدث بدون اسباب : عدم القصد او عدم الارادة لايعنى عدم وجود اسباب ,

لكن هذا مزعج لنا , ويفسد علاقاتنا بالاخرين , ويثقل مسؤوليتنا لهذا من المريح لنا الا نجد لها تفسيراً والا نكشف عن اسبابها , وان تظل حجة تصلح اخطاءنا .

مجال الصدفة في العقلية الغيبية واسع , يتطابق تقريبا مع مجال اللاوعي , حيث تغيب الارادة , والقصد والاختيار , ويشيع السلوك بدون اسباب ظاهرة ويضعف الوعي .

على خلاف هذا العقلانية , حيث الضرورة تعبر عن الوعى والارادة والقصد والاختيار , والسيطرة على اللاوعي السلوك العقلانى ينطلق دائما من اسباب ويكشف ضرورة عن اسباب .

هامش :

انظر :

1- قاموس لالاند : مفردات تقنية وفنية للفلسفة

الصدفة ص 901-910ف

الضرورة ص 677 - 687 العقلانية 889 - 890 - نشر بوف 1968

2- سيمون زويد مدخل الى التحليل النفسي

3- سيمون زويد بحث في التحليل النفسي التطبيقى

4 سيمون زويد النكتة وعلاقتها باللاوعى

سلسلة اعمال فرويد , ترجمة جديدة

نشر فاليمارد 1988

5- د. رجب بودبوس : التحليل النفسي : فن ومبادىء العلاج مجلة كلية الاداب - جامعة قاريونس . العدد الثانى عشر 1983ف ص 59 الى 75 .

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط