حديث الإثنين
الحديث السابع والأربعون
العمل الحر في نظرية خصوم الشعب
بقلم الدكتور :
المهدي مفتاح امبيرش
الحرية لفظ اشبه ما يكون بالعلاقة التجارية لبضاعة (مشهورة) , ما أن يراد تمرير شىء حتى يوصف بها , او يشتق منها ما يؤدي هذا الغرض ولأننا ندرك ان الحرية حاجة مستبعدين بذلك وصفها بأنها حق , فالحاجة الى الحرية هو نتاج معرفة وادراك ووعي , ومن ثم فإن مطلب الحرية هو مطلب انساني من الاساس , ومن ثم فهي لاتعنى بموضوع الحاجات الاولية الغريزية فتلك تخضع للشعور والاحساس , الذي يستوى فيه الانسان وغيره من الكائنات الحية ذات الاحساس اما الادراك فهو غير الشعور وغير الاحساس , ومن هنا كان الانسان , اذا اتصف بهذه الانسانية وحده الذي قد يقدم حياته مدركاً واعياً , اذا تعرضت انسانيته للاهانة , هنا تكون الانسانية ابعد شأواً من مجرد الحياة , والدفاع من اجل البقاء , الذي تدفعه له دفعاً هذه الغرائز الحرية حاجة لان الانسان اذا كان مدركا واعيا تحول هذا الادراك الى ارادة لتأكيد الذات الانسانية , هنا تكون الحاجة للحرية مرتبطة بموضوع الوعي والارادة , فكم هم اولئك الذين يرسفون في اغلال العبودية , ويتوهمون انهم احرار , وكم هم اولئك الذين يهبطون الى دركات هي اقل من مستوى البهائم والسوائم , وهم يدعون انهم يمارسون الحرية إن ثورة ثقافية على مستوى الالفاظ ودلالاتها تضحى وباستمرار عملاً ضروريا واساسا , فأغلب التشويه والتحريف انما يأتي من قبيل تشويه دلالات الالفاظ , بما يؤدي الى الخلط المتعمد الذي يحقق اهداف الذين يعملون عن قصد من اجل احداث هذا التشويه والبلبلة , وربما يكون لفظ الحرية من اكثر هذه الالفاظ تعرضا لهذا التشويه والتعميم والتعمية في ذات الوقت الحرية حاجة تزداد بازدياد الوعي والارادة فهي شأنها شأن الاسماء كلها , لا يمكن ان تتحقق في المحدود الانساني المكاني الزماني وما نعرفه عن الحرية هو مقدار وعينا بذواتنا ومقدار ادراكنا لحاجاتنا إليها من اجل فعل الارادة الواعية مثلما يتم تشويه مفهوم و دلالات الحرية , يتم ذلك بالنسبة لمفهوم العمل فالعمل في اللسان العربي هو غير الفعل ذلك ان الفعل مرتبط بهذا المحدود الانساني المكاني الزماني اما العمل فإنه ذو مفهوم تجاوزي , اي انه قد يتجاوز صاحبه , ليكون ذا اثر في الاتي من الزمن , لذا نجد القرآن الكريم وهور يوظف اللسان العربي ودلالات الالفاظ العربية يستخدم العمل في تلك الدلالات التى اشرت إليها , اي دلالات التجاوز بل والقدرة على استغراق اثر العمل لما بعد المحدود المكاني الزماني , فالقرآن الكريم عندما يربط القول بالفعل ( لما تقولون مالاتفعلون) انما يعبر عن حالة إلزام القول والفعل هذه المحدودية , ولكن عندما يقول تعالى (وقل اعملوا فسيرى اللَّه عملكم ورسوله والمؤمنون) , هنا يرتبط مفهوم العمل بهذه الدلالات الكبرى , (رؤية الله , والرسول , والمؤمنين) . ولذا ان العمل غير الفعل بداهة على التشويه الذي يتم على مستوى التوظيف اللفظي والتشويه الدلالي , ان يقدم (العمل الحر) , هكذا , ليعبر عن الفعل الخاص , ان عن ذلك الفعل الذي يقوم به الانسان بمفرده دون الحاجة الى الاخرين , وان كان هذا ذاته غير ممكن بداهة , اذ لايمكن ان يكون هناك فعل يقوم به الانسان دون هذه الحاجة حتى أولئك الذين يقومون بنشاطات خاصة فان هذه النشاطات لايمكن أن تكون لها قيمة دون هؤلاء الاخرين , وان كنا نقبل في اطار العملية الانتاجية والخدمية بهذا التوصيف . ان العمل الحر يوضع في مقابل ما يقوم به بعض الافراد من خدمات عامة للمجتمع او من عملية انتاجية عامة فهذا المصطلح على ما فيه من مغالطة يصب في اطار المعاداة (للعمل ) الاجتماعي , او محاولة التحقير ضمنا لاولئك الذين يقومون بخدمات عامة , فاذا كان هذا (العمل ) , يوصف بأنه (حر) , فإن الانسان الذي يعمل لصالح الغير , او مع الغير هو عبد , وتكون المحصلة النهائية ان الذين يقدمون خدمة للمجتمع هم عبيد ومن اراد ان يخرج من اسار هذه العبودية فما عليه إلا ان يترك العمل لصالح المجتمع من هنا كان التكالب والنهم وبشراسة على النهب والسرقة والاستغلال , باسم العمل الحر , بل ان الكثير من المكاتب تحولت الى مكاتب للتآمر والخيانة تحت اسماء مكاتب الخدمات او مكاتب تمثيل الشركات الخارجية , التآمر على قيم المجتمع وخيانة هذا المجتمع من خلال تكريس ثقافات ومفاهيم الفردية والانانية تحت مسميات الحرية والعمل الحر , بل ان بعض من يدعون الالتزام لقضايا المجتمع قد فتحوا لابنائهم واخوتهم مكاتب (للعمل الحر ) , وكأنهم قد اصبحوا يستنكفون من كل الذي التزموا به من قيم ومفاهيم لقد حدَّد الكتاب الاخضر مفهوم العمل , مذكرين هنا ان هذا المفهوم يرتبط بموضوع الحرية من الاساس , فالعمل لابد ان يكون انتاجيا , انه نشاط , والنشاط مرتبط بالفاعلية التى هي الادراك والوعي , ومن ثم الحرية الموصلة للسعادة , والحرية والسعادة كما اشرت مدركات انسانية فالحيوانات قد تحقق اشباعا غريزيا , ولكن الحرية والسعادة ليستا مطلبا حيوانيا (فالانسان في المجتمع الجديد , اما ان يعمل لنفسه بضمان حاجاته المادية , واما ان يعمل لمؤسسة اشتراكية يكون شريكا في انتاجها , وان يقوم بخدمة عامة للمجتمع ويضمن له المجتمع حاجاته المادية) اذن يكون العمل لاشباع الحاجات المادية , التى هي ضرورية وليست غاية , فالحديث هنا عن الانسان والانسانية , والمجتمع اي ذلك المكون على اساس ارادة الاجتماع والذي هو ليس القطيع , او مجرد الجماعة ان ما يحدث عندنا هو تماما خلاف ما ينص عليه الكتاب الاخضر فالكتاب الاخضر من اطار المصطلح لم يقل لمن يعمل لنفسه انه يقوم بعمل حر , بل يعمل لنفسه , اي انه تحديد دقيق لمفهوم العمل دون اعطائه وصفا ذا دلالات موحية لصالح (الفردية) , ومن حيث انواع العمل فإن الانسان اما ان يعمل لنفسه , او يقوم بالعمل في مؤسسة اشتراكية هو شريك فيها , او يقوم بخدمة عامة ويضمن له المجتمع حاجاته المادية ان الذي يجري هو حذف متعمد لهذه (الاو)) التي تعني الاختيار , اي ان يعمل في احداها فقط وما نراه ان الواحد من هؤلاء يعمل لنفسه ولنفسه فقط وليظل يحتفظ بالعمل لصالح المجتمع وكذلك في موسسة اشتراكية في ذات الوقت واذا اراد هؤلاء ان يغطوا حقيقة ما يقومون به من استغلال وجشع وظلوا في مواقعهم العامة ومكنوا لذويهم ومحاسيبهم . ان تصحيحا جوهريا لابد ان يتم سواء من خلال تصحيح مصطلح العمل للنفس , بدل مصطلح العمل الحر , وايقاف استغلال الوظائف , وتجاوز اكثر من شكل من اشكال العمل في المجتمع الاشتراكي بما يقود الى اكثر من اشباع الحاجات ويخلق الفوارق الطبقية التى تجعل التدخل الثوري باعتباره عملية جراحية ضرورة لابد منها لاعادة الاعتدال والتوازن داخل المجتمع كما ان اجراءات على مستوى القوانين لابد ان تتم فالذي يعمل للمجتمع لابد ان تتم فالذي يعمل للمجتمع لا بد ان يكفل له المجتمع حاجاته الاساسية التي حددها الكتاب الاخضر فمن غير المقبول ان يصبح المعاش هو الحاجة الكبرى التي يتم من خلالها اشباع الحاجات الاخرى , ان هذا هو ما يعطي مبررا للرشوة والسرقة والاستغلال فالمسكن والمركوب شأنهما شأن المعاش لابد ان يوفرهما المجتمع لمن يقوم بالخدمة له .
وللحديث بقية
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!