في نظرية خصوم الشعب الكهنوت والاحتكار

حديث الإثنين الحديث الثالث والخمسون في نظرية خصوم الشعب الكهنوت والاحتكار بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش [email protected] في الرؤية السابقة تم تناول موضوع (الكهنوت والعلمانية) على اعتبار الكهنوت منهج تفكير ووسائل واساليب واشكال وادوات منهج

حديث الإثنين
الحديث الثالث والخمسون
في نظرية خصوم الشعب
الكهنوت والاحتكار

بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش

[email protected]

في الرؤية السابقة تم تناول موضوع (الكهنوت والعلمانية) على اعتبار الكهنوت منهج تفكير ووسائل واساليب واشكال وادوات منهج تفكير يقف في مواجهة ان تكون الشريعة للناس كما تقتضي المشيئة الالهية باعتباره تعالى رب الناس ورب العالمين وان الشريعة للناس على وجه الكافة فهذا الكهنوت يرفض هذه الحقيقة التي يؤكدها القرآن حيث يدعي هؤلاء انهم وحدهم الذين يدركون ليس فقط مفهوم الشريعة بل مقاصد المشرع وكأن الله وحاشا له ان يفعل قد اصطفاهم من دون البشر ليعلمهم بما لم يعلم به سواهم . ان الدين هو الكلي وان الله بحكم مفهوم (الاحاطة) أي انه احاط بكل شيء علما ومن ثم احاط بالعباد لايمكن الاحاطة بعلمه فالجزئي لايكون كلا فاذا توهم ذلك فانه يعني ان الجزئي هو غير جزئي أو ان الكلي غير الكلي من الاصل وهذا غير جائر في الموضوع الذي نحن بصدده ان الجزئي يدعى على سبيل الاعتداء والتجاوز انه كلي وهنا يكون التأله .. لقد اقتضت مشيئة الله ان يكون الانسان مسؤولا فقط عن وسعه لا عن الاحاطة بالوسع الالهي , أو الحقيقة الالهية وهذا هو مناط التكليف (لايكلف الله نفسا إلا وسعها لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت) وهذه حكمة رفع الاصر وعدم تحميل الانسان ما لاطاقة له به وهو ما يؤكد حقيقة الرحمة والرأفة الالهية بالعباد.ان المحدودية بل الحدود هي حقيقة هذه الحياة حتى في أمور الرزق ومن ثم فان التقدير اى ان يكون كل شيء بقدر هو تجلي هذه المشيئة الالهية اذ جعل لكل شيء قدرا بل تم خلق كل شيء من الاصل على هذه القدرية (انا كل شيء خلقناه بقدر) وايماننا بالقدر هو ايماننا بهذه المحدودية ففي امور الرزق يؤكد تعالى انه لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الارض وانه لو بسط العلم لبغى الناس في الارض كذلك وتألهوا (وما اوتيتم من العلم إلا قليلا) بحيث يظل الانسان الناهد الى المعرفة والعلم يشعر بالرغبة في الاستزادة كلما زاد معرفة أي سيصبح اكثر علما بجهله ومحدوديته يدخل لا بالعلم فيكون الاتجاه بالدعاء الى الله (وقل رب زدني علما). الكهنوت يدعي انه اصبح (مطلقا) أي انه اصبح قادرا على ادارك حقيقة الالهية ولو تناولنا هذا في الاطار منطق الاشياء فان ادعاء الجزئي انه صار مطلقا لكان وفق هذا المنطق ان النطق قد تموضع في الجزئي وبعبارة اخرى اكثر وضوحا ولو سلمنا ان الانسان الجزئي اصبح العدل أي مطلق العدل اذا فان العالم سيخلو من العدل في اللحظة التي يتموضع فيها في هذا الجزئي هذا اذا قبلنا من الاصل مجرد التفكير في ان الجزئي بامكانه ان يحوي الكل اذ ان ذلك سيكون مرفوضاً حتى من باب التصور , ومن هنا كان القول بذلك يدخل في اطار الشطح (الصوفي) اى ادعاء الانسان امتلاك (الصوفيا) أو مطلق الحكمة.الكهنوت أمام هذه الحقائق يلجأ الى التمحل والتأويل أي اذا طلب المحال واذا استخدمنا الدلالة اللسانية فان المحال محال لانه يملك القابلية للتحول أي يفقد صفة الديمومة حتى يمكن ادراكه ثم ان التأويل هو ادعاء معرفة قصد الاول وهو الله تعالى ولايعرف قصد الاول إلا الاول (وما يعلم تأويله إلا الله) وهي الحقيقة التي يدركها الراسخون في العلم واقصد بها الحقيقة انفسهم , هنا لايكون امام الراسخين في العلم إلا القول (بالايمان به) أي الايمان بالمتشابه باعتباره من عند الله دون الخوض في مفاهيمه لان الايمان ذاته يقع في اطار الغيبي أي الايمان بان له حقيقة غيبية لايعلمها إلا الله .ان دخول الكهنوت متاهة التأويل تبعد القرآن عن كونه (مبينا) أي بيناً في ذاته مبيناً لغيره اذ عندما يصبح القرآن غير بيّن في ذاته فانه غير قادر وحاشا له ان يكون , مبيناً لغيره هنا يدخل هؤلاء متاهة الرموز والطلسمات التي هي اقرب الى السحر والشعوذة , ثم تتحول المؤسسة الى مؤسسة لنقل هذه الرموز والطلسمات الى تلاميذها تماما كما تنقل ما يسمى (بالاسرار) في الفكر الباطني بعامة , ويتحول القرآن الى أكداس من التفاسير والآراء وان كانت هذه التفاسير كما اشرت مرارا لاتفسر إلا المفسر أي هي ايضاح لفهم المفسر للنص القرآني لاتفسير للقرآن . ان المؤسسة الكهنوتية شأنها شأن أي كهنوت قديما أو حديثا سوف تحاول ان تميز نفسها عن بقية المسلمين من خلال ابتداع زي موحد تماما مثلما يعمد الجيش أو الشرطة أو الاطباء الى لبس زي يخصهم فيكون ظاهر الشكل تعبيرا , أو هكذا يراد ان يكون تعبيرا عن الباطن ثم يتحول الظاهر من خلال ازمة حادة معرفية الى ان يكون كل شيء وما اسهل ان تتغير اشكال الناس , ومااصعب ان يكون ظاهرهم هو باطنهم سواء بسواء.!ان الشكلية تعبر عن عمق الازمة التي تواجه المنظومة المعرفية لاي فكرة أو عقيدة , انها تأزم الجزئي في ادراك جزئيته وتعامله مع الشمولى وفق هذه الجزئية حيث يلجأ الى الشكل الذي يحقق له اشباعا قد يعالج ظاهرة مرضه النفسي ولكن لا يعالج نفسه. ان الدين لايورق شجره ويزهر ويؤتي أكله إلا اذا اخرجناه من دائرة الاحتكار , ان الثورة التي اشرت اليها لاتبدأ إلا اذا كسر هذا الاحتكار للشريعة والقرآن بحيث يتحول القرآن الى شريعة عملية للناس , ذلك ان لن سألوا عما حفظوا من تفاسير بل عما قدموا من عمل ثم ان حقيقة ارتباط الايمان بالعمل الصالح , لاتتم إلا اذا تم ادراك الشريعة حتى توصل الانسان الى حال الايمان ثم العمل بهذا الايمان ليكون الفعل , العمل الذي يتجاوز اثره صاحبه مكانا وزمانا لا الفعل المحدود الاثر والنتيجة لا العقل والصالح لا النافع أو المفيد أو المربح فقط عند الصالح مرتبط بالصلاحية.لقد آثر هذا لمنهج الشكلي والتعليم النظري للشريعة وتحويلها الى مواد ونصوص في طريقة التدريس في مدارسنا التي اصبحت قائمة كذلك على الحفظ والاستظهار واصبح يوم اظهار الخبرة أو الاختبار , يوم امتحان ومحنة تسقط عليه كل المشاهد التي قدمها الله تعالى ليوم القيامة على الرغم من تأكيده تعالى ان يوم القيامة هو يوم البحث في الاعمال لا الاسئلة النظرية في فهم الكتاب والشروح. ان منهج الشريعة يقوم على التطبيق العملي بدءا من العبادات فالصلاة التي هي رأس العبادات والتي هي عبادة يومية وفعلية مثلا حدد الرسول صلى الله عليه وسلم تعلمها في السنوات السبعة الاولى ثم تكون العقوبات على تركها بالضرب لعشر وبعبارة اخرى فان تعليم الشريعة لابد ان يكون في مرحلة التعليم الاساس , بحيث لاينهي الانسان هذه المرحلة إلا اذا تعلم أمور شريعته قولا وعملا مثلما يتعلم الحساب والكتابة , اذ بعد التعليم الاساس , قد يخرج للحياة , فهي علوم للحياة والتطبيق , ثم يكون التخصص بعد ذلك , كما ان التعلم في هذه الفترة لا يكون دون التطبيق العملي , تماما مثل قيادة السيارة , فالانسان يقود السيارة بالتدريب العملي , أما ان يكون ميكانيكيا, أو خبير طلاء ونحوها أو صانع سيارات , فهذا نتاج التخصص الذي يحقق الفائدة له ولغيره , أما ما يحتاج اليه الانسان في حياته هو كيف يقود السيارة , وكيف يعرف مباديء عمل هذه السيارة. ان ربط الشريعة بالحياة وبالعلوم الاخرى هو ما يقضي على الشرك المنهجي أي يحول الشريعة الى عمل مثلما يحول بقية المعارف الى عمل وهذا لايتم في نظري إلا اذا بدأنا ذلك من مرحلة مايعرف بالتعليم الاساس , الذي هو اساس لانه يعطي المعارف الاساسية للحياة.

للحديث بقية

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط