رؤية في الثقافة والأدب« 9» ب
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
قواعد الإجلاء
اقول مرة اخرى ان الانسان بحكم كونه اسطوريا , وهو في كثير من الاحوال حالة نفسية «سيكولوجية» محكوم بالخوف والامل , و من الخوف والامل يكون الألم والمعاناة التى لايمكن اجتيازها الا بادراك , او معرفة الانسان نفسه فكافة المحاولات اليائسة والبائسة في ذات الوقت منذ آدم الى أسطورة زروان , الى عشبة جلجامش الى نظرية العود ألابدى ومقولة ان التاريخ يعيد نفسه , ونظريات المنتظر , والمخلص , شأنها شأن شطحات الصوفية و الهروب الى عالم اليوتوبيا «حيث في لا مكان ولا زمان , وبالاحرى لا إنسان» , كلها تعبر عن هذه الازمة ومن ثم فإن تاريخ الظلم والعدوان هو تاريخ الاعتداء على الذاكرة التاريخية للمكان والزمان , فمن يشوه مكانه وزمانه تشوه هويته التى هى ذاته التى تكونت عبره تراث ممتد في المكان والزمان , فاالتراث مثلما هو ارث هو أثر , والاعتداء عليه يشكل ثأراً لابد من الاقتصاص من المعتدين عليه , كما ان القصاص عملية قص تأخذ من المعتدى الزائد الذى أخذه , ماديا او معنويا , ليرجع للمظلموم , وإقامة الحد تعنى ارجاع المعتدى الى حدوده .
لقد استغرب الكثير من القاصرين ونحن ندعو الى تصحيح التاريخ , وتغيير اسماء الشهور , كما اعتبرها بعض السذج ان الامر لايعدو ان يكون شطحة من الشطحات , ومخالفة يقصد بها على حد القول «خالف تعرف »الا ان ذلك العمل يقع في اطار انعاش الذاكرة التاريخية للامة فالتاريخ الميلادى الذى يؤرخ بميلاد المسيح عليه السلام , يعنى الغاء تاريخ الامم السابقة , فكل الحضارات القديمة في الشرق تقع في مرحلة ما قبل التاريخ او مرحلة اللاوعى , وهى المرحلة التى يعتبرها اغلب المتعصبين الاوروبيين من المؤرخين وفلاسفة التاريخ مرحلة اللاهوت والوهم والخرافة , فشعوب الشرق بعامة في نظرهم , شعوب الوهم واللاوعي لقد رأينا هؤلاء الاوروبيين , وفي غفلة من الزمن , يقيمون احتفالات القرن الواحد والعشرين الاوروبى امام الاهرامات في مصر , وعلى مرآى ومسمع كل المثقفين والمفكرين والسياسيين والاعلاميين , بينما الاهرامات تقف شاهدا على ان تاريخ مصر هو تاريخ القرن الاربعين او ربما اكثر , انه اذن نموذج للتشويه المتعمد لذاكرة التاريخية , فاذا انتقلنا من التأريخ الذي هو تحديد بداية زمن الفعل , او زمن الوعى للامة , الى الاشهر والتى هى اشبه ماتكون بمعالم على طريق التاريخ اي معالم لاحياء ذاكرة الامة مرة شهر كل شهر على الاقل , إن وضع علامات في طريق تاريخ الامة غير علاماتها سوف يجعلها تسير في طريق غير طريقها , اذن فالعالم اليوم وهو يؤرخ بالأشهر الاوروبية ذات الأصول الوثنية القديمة انما يضع نفسه داخل اطار تاريخ المشروع الاوروبي بعامة والذى يقوم على الغاء تاريخ الامم , مثلما يحاول الغاء الارادة و الوعى والذاكرة فلا غرو اذن ان يدخل ا لعالم و اخص هنا بالذكر الأمة العربية التى يعنيينا أمرها , صحراء التيه , قصد ارجاعها الى الكهف من جديد .ان الذين لا يملكون القدرة على فهم التاريخ , باعتباره متواصلا دون انقطاع بدايته بداية الوعى و الفعل و الأرادة ونهايته نهايتها , اى التاريخ الانسانى الذي هو غير التاريخ البيولوجى الذى يستوى فيه الانسان مع غيره من الحيوانات , هؤلاء وحدهم الشهداء والحاضرون الذين يصنعون التاريخ و الحضارة عن «الشهادة والشهداء لنا مقالة قادمة .»
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!