رؤية في الثقافة والأدب
بقلم الدكتور : المهدي مفتاح امبيرش
فى ثقافة الموت
ان اشكالية الاعتقاد بعذاب القبر تأتي من ازمة معرفة الوجود والمصير والربط بينهما كما اشرت , فالذين يعتقدون ان الحياة الدنيا هي فقط الحقيقة وانهم نتاج عجزهم عن ادراك حقيقة امتداد الحياة حتى النهاية او الاخرة ينكرون البعث بداهة حتى اذا اعتقدوا بضرورة الجزاء والعقاب جاء ذلك منسجما مع موقفهم المعرفي هذا ( قالوا ان هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) فهم اما معتقدون بالفناء لانهم حال مادية جسدية شأنها شأن مكونات الكون او
( الفيزيقا ) والمادة الفانية , او انهم يرون الجزاء والعقاب من خلال حالات من التبدل في المحدود المكاني الزمان ( الدنيا ) كما هو في عقيدة التناسخ التي يقول بها المؤمنون بها من الهنود ومن في نحوهم و فالارواح تنتقل من جسد الى اخر واثناء هذا الانتقال او ( الكارما ) يتم العذاب , اذ انهم لم يتصوروا عذابا للروح كل حقيقة الوجود خارج المحدود الجسدي , حتى اذا استوفت الروح جزاءها وصلت حال ( النرفانا ) او الانطفاء من خلال اتحادها بالمطلق , فتكون السعادة الابدية .
ولنا ان نشير ان الثنوية او الشرك المنهجي الذي يقسم الانسان الى ثنائية الجسد والروح كما يقول بذلك المتصوفة او ادعياء مطلق المعرفة ( الصوفيا) او ثنائية الجسد والعقل كما يقول العقليون من الفلاسفة هي التي اوجدت القول ( بالغناء ) في المحدود القريب ( الدنيا ) او العذاب في المحدود المكاني ( تحت الارض ) او عذاب القبر لما رأينالها في اساطير الشعوب القديمة والذين ارادوا التجاوز رفضوا الجسد باعتباره مادة كثيفة غير قادرة على التجاوز من هنا كان القول بخلود الروح والتي توضع احيانا بمعنى النفس كما يقول المتصوفة او العقل كما يقول الفلاسفة الذين يرون هذا الرأي وكما نعلم فان هذا الموقف من المصير تأسس على الموقف من الموجود فارسطو مثلا يرى ان العقل البشري جاء عن طريق الصدور عن العقل الاول وان اختلاطة بالجسد كان وراء حالة الالم الذي ذهب اليه الفارابي من افعار بعث الاجساد يوم القيامة .
واذا كان رأي ارسطو تطوير لموقف افلاطون من المعرفة المفارقة فان ما عرف بالافلاطونية الجديدة التي نشأت في الاسكندرية والتي مزجت اراء افلاطون بما عرف بالغنوص فقد قالت بالفيض بدل الصدور وان الخلود للارواح وهو ذات موقف الكثير من المتصوفة من المسلمين وغيرهم واذا كان الفلاسفة او محبو الصوفيا او المعرفة يقتنعون بمجرد الاتصال فإن الصوفيين ادعياء ادراك مطلق المعرفة يقولون بالاتحاد .
اننا اذن امام ازمة معرفية قديمة جديدة وان محاولة ربط هذه القضايا بالقرآن عن طريق تأويل بعض الآيات هو مجرد تمحل يعقّد ازمة هؤلاء ولايحلها , بما في ذلك القائلين بعذاب القبر الذين يقومون بمحاولة ( توفيقية ) بين هذه المذاهب والاراء فهم لا ينكرون البعث يوم القيامة ولكن يقولون بوجود جزاء وعقاب بعد الموت وقبل يوم القيامة , وهو اليوم الذي حدده تعالى للجزاء والحساب ووسيلتهم في ذلك تحريف مفهوم البرزخ والصراط كما ان منهم من يحاول ان يبرهن على ذلك مستشهدا بقوله تعالى في سورة ( غافر ) بشأن قوم فرعون في معرض الحديث عما عاناه وطغيانهم ( فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ,النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب ) فهذه الاية تقدم شاهدا على ان قوم فرعون عانوا ويعانون من العذاب في القبر , على الرغم من ان هذه الاية تأتي شاهدا على سوء العذاب الذي لاقاه هؤلاءفي الدينا اضافة الى البلاء حيث سلط الله عليهم القمل والضفادع والدم فقد كانت النيران تلتهم قصور فرعون واتباعه في الغدو والعشى , والغدو والعشى قرائن زمنية للحياة الدنيا فهي مرتبطة بحركة الشمس نهارا اما الموتى فهم علاوة على ادراكهم الزمن كما أكد القرآن على ذلك في اكثر من موضع , فانه حتى لو سلمنا جدلا بما يدعون فان عالم الظلمة فيه القدرة على التميز بين الغدو والعشى , مشيرين كذلك الى ان الايات التي وردت بعدها وهي الايات من ( 47 الى 52 ) كلها تؤكد حقيقة العذاب بالنار يوم القيامة باعتبار ان ذلك هو العذاب الحقيقي , وان ما حصل لآل فرعون من مشاهد ليست سوى شواهد مؤقتة لعذاب النار المقيم يوم القيامة .
ان الظاهرة التي اشرت اليها المتمثلة في كثرة الحديث عن عذاب القبر هذه الايام انما تعبّر عن ازمة خانقة عن القائلين بها من شأنها ان تجعلهم اكثر تشبثا بالحياة الدنيا كما انها تعطي مبررا لاستمرار ظلم وطغيان الحكام , اذ ما سوف يشاهده الانسان تحت الارض من هول اكثر مما يعيشه من بطش وقهر فوقها .
انها إذن جزء من ثقافة الموت التي يحاول هؤلاء جرّ الكثيرين اليها حيث رفض الحياة والحيوية والدخول الى المقابر حيث التشاؤم واليأس او الدخول حال العدمية والفناء والانطفاء عن طريق نظريات الحلول والاتحاد .
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!